السؤال الذي لم يتجاوزه التاريخ
السؤال الذي لم يتجاوزه التاريخد. علي محمد فخرو في الأربعينات من القرن المنصرم تفتًقت عبقرية بعض المفكرين والمخططين السياسيين العرب عن مفهوم النضال الشعبي العربي المشترك. كان ذلك الفكر تعبيراً عن تمرٌد ثوري يرفض الاعتراف بواقع تقسيم الأمة والوطن ويتحدًي الحدود التي رسمها الاستعمار وأصحاب المصالح النًفعيًة بين أجزاء الوطن الواحد. لقد أدركت تلك العبقرية، بحس تاريخي ثاقب، أن مواجهة الصهيونية والاستعمار وأصحاب المصالح اللاوطنية في الداخل لا يمكن أن تحقق النجاح إن لم تكن شاملة، تستقطب الممانعـة عند الشعب العربي كله وتجيش المناضلين السياسيين أينما كانوا. كان واضحاً أن النضال المحلي يجب أن يدعمه نضال قومي.من هنا خرجت فكرة تنظيم وقيام الأحزاب والحركات القومية آنذاك من أمثال حزب البعث وحركة القوميين العرب والناصريين. لكن لأسباب كثيرة، ليس هنا مجال الخوض فيها، تشرذمت تلك التنظيمات أو ضعفت إلي حدود عدم الفاعلية أو دخلت في دوامة التصارعات السياسية المحليًة وفقدت الكثير من زخمها النضالي القومي. ومع الوقت خبا ذلك الوهج الذي أبدعه المبدعون وحلً محله ما نراه اليوم أمامنا من إنصياع تام للواقع القطري، ومن سقوط مذهل في شباك النضال المحلي الضعيف غير الفاعل، ومن دخول القوي السياسية العربية في مرحلة ضياع فكري وتنظيمي. ومع موت فكرة وحدة النضال العربي ماتت حتي أفكار التنسيق والتناغم والتعاضد بين المؤسسات السياسية العربية.ومن هنا الصعود السريع المذهل لأصحاب المصالح والفاسدين والمفسدين والمستبدين عبر الوطن العربي كله، وعودة الاستعمار إلي إحتلال أجزاء من هذا الوطن، وتفاقم النفوذ الصهيوني حتي الوباء، وتراجع الدولة العربية عن مسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية تجاه الفقراء والمهمًشين، وابتعاد الأجيال العربية الجديدة عن الإنخراط في مؤسسات المجتمع المدني الملتزمة بقضايا الأمة الكبري في حقول السياسة وغيرها.السؤال الذي يطرح نفسه: هل أوضاع الأمة والوطن الحالية، والتي هي في حالة أسوأ بكثير مما كانت عليه في أربعينات القرن الماضي، لا تستدعي طرح السؤال المحوري ذاته الذي طرحه مفكرو ومناضلو العرب علي أنفسهم منذ ستة عقود ؟ أي، هل هناك طريق آخر للخروج من جحيم الحالة التي يعيشها العرب منذ عقدين غير طريق النضال الشعبي المشترك، المتًجه نحو أهداف واحدة، الممارس للفعل اليومي ضمن تنظيم واحد، الواعي في كل لحظة لمبدأ أن خلاص الجميع هو في عمل وجهد الجميع، المدرك إلي أن وحدة أعداء الأمة وتناغم جهودهم بصورة مرعبة يحتاج لوحدة صفوف محاربي ومناضلي الأمة؟ ليس هذا بالسؤال الأكاديمي النظري، والتاريخ لايتجاوز إلاً الأسئلة التي لا ارتباط بينها وبين الواقع. إنه سؤال يجب أن يجاب عليه لأنً المظاهرات التي تشهدها المدن العربية احتجاجاً علي هذا الحدث أو ذاك أو دعماً لهذا التوجٌه أو ذاك، ولأنً المؤتمرات التي تنعقد تحت كل أنواع المسميات وتخرج بمواقف عربية مشتركة لاتغير الواقع ولاتزيح الأخطار، هي وغيرها من نشاطات مماثلة تدور حول هذا السؤال المحوري ولكنها لا تدخل في صميمه.لقد جرًب العرب كلًُ شيء لقد جرًبوا الجامعة العربية ومؤتمرات القمًة والتكتلات الاقليمية والمحاور المتذبذبة بين بعض الدول وأ شكال من الإتحادات الشعبية العربية المتعاونة بتمنع وحذر، جرًبوا كل ذلك دون جدوي. فالأمواج كبيرة والمتكالبون علي جثًة الأمة يزدادون والمآسي والأحزان تنتشر في كل مكان، وأصبحت هذه الأمة بلا منازع مريض العالم ومريض العصر الذي حيُر الجميع.وضع مثل هذا لن يجديه تقليد الطريق الذي اتبعته أوروبا أو أتًبعه هذا التكتُل أو ذاك، فالظروف مختلفة والأعداء مختلفون والعقبات مختلفة. إن الخروج منه سيحتاج إلي معاودة طرح الأسئلة إياها التي طرحها الأقدمون والإجابة عنها بلا مواربة ولاخوف. مرة أخري : التاريخ وتقادم السنين لايستطيعان تجاوز الأسئلة المرتبطة بأوجاع قلب الواقع.9