العودة إلي استانبول

حجم الخط
0

العودة إلي استانبول

د. عبدالوهاب الافنديالعودة إلي استانبول(1)في آخر مرة جئت فيها لزيارة استانبول كنا في ضيافة عمدة المدينة الأسبق رجب طيب اردوغان، حيث علقت حينها قائلاً إن العمدة الشاب الطموح الذي حرص علي أن يلفت أنظارنا إلي مجد استانبول الغابر كان أيضاً يتطلع إلي أن يصبح أيضاً مفتاح مستقبل تركيا.(2)لم تمض بضعة أشهر علي تلك الزيارة حتي كان اردوغان يحاكم بتهم الدعوة إلي العنف لأنه تلا في مهرجان سياسي قصيدة تركية كلاسيكية تتحدث في رمزية شعرية عن المآذن كرماح والقباب كتروس. ولكن عساكر تركيا الذين لا يفهمون علي ما يبدو الاستخدام الرمزي للغة ـ أو ربما لأنهم يفهمونه جيداً ـ قرروا أن السياسي الشاب الطموح يستحق السجن أربع سنوات والإقصاء من منصبه كعمدة استانبول والحرمان من حقوقه السياسية. (3)في تطور له دلالات لا تخفي، تزامن الهجوم علي اردوغان مع هجوم آخر علي الدورية الأمريكية التي نشرت مقالتي التي تنبأت له بدور هام في مستقبل تركيا، وهي دورية كان يصدرها مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك. فقد شن عليها اللوبي الموالي لإسرائيل حملة عنيفة بدعوي أنها كانت تروج للإسلام السياسي، وتم الضغط علي مؤسسة فورد التي كانت تمولها لقطع التمويل عن البرنامج الذي كان يتولي إصدارها، وقد كان. ويبدو أن الأمر تعدي محاولة إسكات اردوغان إلي إسكات كل من يتحدث عنه.(4)في مطلع هذا الشهر عدت إلي استانبول التي غادرها اردوغان الآن إلي أنقرا العاصمة حيث أصبح رئيساً للوزراء (وحيث يستعد بحسب بعض المصادر لأن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية) رغم أنه كان حتي بعد حصول حزبه علي أول أغلبية برلمانية مطلقة في ظل الدستور التركي الجديد ممنوعاً من تولي المناصب العامة، مما استدعي الدخول في إجراءات معقدة قبل أن يتولي منصبه. لم ألتق اردوغان هذه المرة ولكنني التقيت بعض مساعديه المقربين حيث استمعت إلي شرح مطول لاستراتيجيات وسياسات الحكومة الجديدة، وعن تفاصيل مساعي تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، وأيضاً للعب دور إقليمي فاعل.(5)خلال زيارتي قبل الأخيرة لاستانبول كان من المشاركين في الملتقي الذي جئنا للتحدث فيها البروفيسور علي مزروعي الذي قال حينها عن مساعي تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي إن من الأفضل لتركيا أن تصبح قوة من الدرجة الأولي في العالم الإسلامي من أن تصبح دولة من الدرجة الثالثة في أوروبا.(6)التحول الأكبر في توجه تركيا تجاه أوروبا تمثل في تخلي الإسلاميين عن معارضتهم لدخول الاتحاد الأوروبي لأنهم اكتشفوا أن علمانية أوروبا أخف وطأة بكثير من علمانية تركيا المعسكرة. وبالفعل فإن الضغوط الأوروبية جلبت الكثير من الحريات للأتراك، وخاصة الأكراد. ولكن أوروبا خذلت الإسلاميين في نهاية المطاف، حيث نجد أن محكمة حقوق الإنسان في أوروبا رفضت خلال الخمسة أعوام الماضية دعوي حزب الرفاه التركي ضد قرار حله، كما رفضت دعوي الطالبات اللواتي حرمن من الدراسة لأنهن اخترن لباس الخمار.(7)في لقاء ضم عدداً من الشخصيات الأوروبية الفاعلة قبل بضع سنوات، استمعت إلي مفكر ألماني يتحدث عن ضرورة تعميق الوحدة الأوروبية لـ حماية ألمانيا من نفسها . وفي حديث الساسة الأتراك نجد نفس النغمة عن كون دخول تركيا الاتحاد الأوروبي ضرورة لإخراج تركيا من نفق سطوة العسكر وإصلاح ديمقراطيتها المشوهة. ولكن البلد الذي يحتاج للدخول في شراكة خارجية للهروب من نفسه لعله يحتاج إلي علاج أكثر جذرية.(8)الممتع في إستانبول هو سهولة الهروب فيها من السياسة والهموم العادية. ففي هذه المدينة الخلابة الغنية بتاريخها ومعالمها الآسرة هناك الكثير مما يثري العقل والروح. وقد كان مسك الختام في زيارتنا إلي المدينة تناول طعام العشاء علي قارب كان يطوف بنا خليج البسفور تحت سماء استانبول المقمر، فيركز في الأذهان ليس فقط جمال هذه المدينة الخلاب، بل رمزية وضعها كجسر يربط بين أوروبا وآسيا، أو بين عالمين طالما اختلفا والتقيا. ويكفي أن تتأمل شاطئي البسفور تحت تأثير ما يجري اليوم في تركيا وفي العالم من أحداث لتدرك أن لهذه المدينة دوراً لم ينته بعد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية