تظاهرات المؤسسة العامة للسينما في سورية: هل تعيد أطياف الشجن احياء الطقس السينمائي الغائب منذ السبعينات؟

حجم الخط
0

تظاهرات المؤسسة العامة للسينما في سورية: هل تعيد أطياف الشجن احياء الطقس السينمائي الغائب منذ السبعينات؟

يارا بدرتظاهرات المؤسسة العامة للسينما في سورية: هل تعيد أطياف الشجن احياء الطقس السينمائي الغائب منذ السبعينات؟دمشق ـ القدس العربي تعود المؤسسة العامة للسينما لتقدّم تظاهرة سينمائية جديدة، تستمر من 6/9 ولغاية 18/9/2006 تحت عنوان علي بساط السينما.. أطياف الخيال والشجن ، وتعرض فيها ما يتجاوز الأربعين فيلماً.علي عادة مثل هذه التظاهرة فالغلبة فيها للانتاج الامريكي، وتتراوح الأفلام ما بين الرعب والكوميديا الرومانسية، مع بعض الأفلام الاستثنائية، وحضور لفيلم من تقنية الانيميشن بعنوان العروس الميتة . واحد من أبرز الأفلام هو فيلم ليلة سعيدة وحظاً سعيداً للممثل والمخرج الامريكي جورج كلوني، المعروف بمواقفه السياسية المعادية لسياسية الرئيس بوش . كلوني الذي رُشح عن هذا الفيلم لجائزة أفضل مخرج، كما نال هذا العام في حفل توزيع جوائز الأكاديمية الامريكية للعلوم السينمائية أوسكار أفضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم سيريانا Syriana وفي كلا العملين تحضر السياسة بقوة.الي جانبه كان فيلم بلاد الشمال North Country الحائز علي أوسكار أفضل ممثلة، النجمة الجنوب أفريقية تشارليز ثيرون في دور أعادها من جديد الي قائمة المرشحين للأوســــكار بفئة أفضل ممثـــــلة بدور رئيسي، عن امرأة في منتصف القرن الماضي العشرين تثير أثناء بحثها عن لقمة العيش قضايا تحرر المرأة وعملها وحق مساواتها بالرجل، هذا الباب الذي فتحته نورا بنص أوغست سترندبرغ المسرحي منذ بدايات ذاك القرن، ولم يغلق حتي اليوم. البرهان Proof فيلم عن العقل ومتاهاته الفكرية وراء الحسابات الرياضية والمشاعر الانسانية، حين تغيب الذاكرة وتسحب معها عبقرية عالم الرياضيات أنطوني هوبكنز مفسحة المجال لشيخوخة قاسية في اضطرابها، تحاول ابنته غوينث بالترو اعادة لملمة الماضي وضبطه، لكن البرهان يبقي حاسماً لكل الالتباسات.وهنا نذكر بأنّ المخضرم هوبكنز بطل أفلام غدت خالدة مثل أساطير الخريف، اتلانتس، صمت الحملان… وسواها، كرمته أكاديمية العلوم السينمائية بأوسكار فخري عن مُجمل أعماله، قدمته له النجمة الحائزة علي الأوسكار 1999 عن دورها في شكسبير عاشقاً غوينث بالترو. أفلام أخري سنتوقف معها لاحقاً، تأتي من خارج امريكا، وأبرزها ميلاد مجيد .يعيدنا فيلم الافتتاح تاريخ العنف الي السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي الدولي، هذه السعفة التي ما زالــــت تحاول الحفاظ علي تاريخها العريق كشعار يتألق للتفوٌّق السينمائي خارج سيطرة الحـــــسابات الســياسية، بعد الاضطــــــراب الـذي عانته علي هذا المســــتوي منذ أحداث 11/9 التي لم تغب. ذكر محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة العامة للسينما بدمشق تعليق المخرج الكبير أمير كوستاريكا الذي ترأس بنجاح الدورة الماضية لمهرجان كان السينمائي الدولي (2005)، حول هذا الفيلم حين سئل عن سبب اختياره لجائزة لجنة التحكيم الخاصة، فقال: انه فيلمٌ عن الحب .ويكمل الأستاذ محمد: هو فيلمٌ عن الحب الذي يتجاوز العشق بين المرأة والرجل، الي حب الأسرة والمنزل، والتباسات أشكال الحب . ديفيد كروننبرغ المخرج الامريكي الذي يعرفه البعض بأفلام مثل منطقة الموت The Dead Zone 1984 الحائز علي جائزة النقاد في مهرجان افورياز الدولي للأفلام الخيالية، و العنكبوت (2002) يقدم فيلمه الجديد تاريخ العنف المأخوذ عن رواية جون فاجنر وفنيس لوكيه ، فيلم عن عائــــــلة أميركية من الطبقة الوسطـــــي، توم الذي يلعب دوره الممــــــثل الامريكي فيجو موتنسن بطل ثلاثية مملكة الخواتم الشهيرة، هو رب العـائلة وصاحب مطعم صغير في أحد المناطق الامريكية التي تعرف بالضواحي، أو هي تشبه القرية الصغيرة التي يعرف أبناؤها بعضهم بعضاً بشكل ٍ جيد، يعيشون حياة ً بسيطة ويدافعون عن بعضهم بشراسة. يتعرّض مطعمه في أحد المرّات لهجوم شابين لا يوصفان بأقـل من القتلة الذين يستلذون بالقتل، فيضطر للدفاع عن مملكته وسكانها، مما يفتح أبواب دفاعات أكبر وأعمق، دفاعات ٍ لردع الماضي من العودة، للحفاظ علي سكون الحياة الآن وهدوئها، وأخيراً لانهاء الماضي بالشكل الصحيح. في تصريح لصحيفة لو فيغارو الفرنسية، يقول المخرج كروننبرغ : أنا لم أشعر بالتشاؤم من فكرة الفيلم أو مشكلة العنف، كما قيل في الصحف، ولكن بما أنني مخرج درامي في الأساس فقد جذبتني للغاية الصراعات الموجودة في القصة، فالصراعات كما يقول جورج برناردشو وقود الدراما، ويكمل: (لم يعجبني السيناريو الأصلي، فطلبت من السناريست جون وينر اجراء تغييراتٍ علي القصة، حين أعدنا الصياغة جذبتني البساطة في تناول الأحداث، فتظهر القصة وكأنها قصة انسانية مليئة بالمشاعر علي الرغم من أنها قائمة علي العنف والصراع). وفي لقاء ٍ آخر يقول: (الانسان مزيج من الخير والشــــــر، وفي هذا الفيلم كنت مهتماً باظهار نوع ٍ من التوازن في الشخصيات، فأنت اذا صفقت للعنف بذاته لاقتناعك بدوافعه، ستصفق في النهاية لنتائجه المؤلمة).دقة عالية وايقاع هادئ في التنفيذ، مع براعة احترافية في التعامل مع الكاميرا والفضاء، كل هذا ساعد المخرج ليرسم ساحة الصراعات الداخلية، التي تعصف بقوّة ولا تظهر الي الخارج الا في لحظاتٍ، آخذة مختلف الأشكال، بدءاً من القتل الي الحب العميق الخائف الذي قد يأتي في لحظة انفجار علي شكل العنف الجسدي الملامس لحدود الاعتداء، الي التوتر الداخلي الملموس في الحركات والتنفس، في سيمياء الجسد ومساحاته، وصولاً الي الكوابيس مروراً بالنظرات واللغة.. وفي النهاية يبقي الجسد البشري علي صلابته وهشاشته حاملاً وهدفاً لكل تمظهرات العنف. الا أنّ النموذج الامريكي لأفلام الاثارة والتشويق الذي يفرض ماهيته الخارقة بشخص البطل السوبرماني ، هذه الروح تؤثر سلباً علي ايقاع الفيلم وانسجامه الهارموني، فمظاهر العنف الداخلي تنجح في كثير من الأحيان في فرض مصداقيتها المؤلمة علي الأبطال وعلي المشاهدين، حتي تأتي اللحظات السوبرمانية للبطل توم التي تعيدنا بازعاج الي أفلام أرنولد تشوارزنيغر ، وتكسر الحالة الانسانية التي تلامس بشفافيتها أعماق المتلقي الهادئة منها والصاخبة، حتي لتغدو ماريا بيلو في دورها كزوجة تـــــــوم، هي البطل الحقيقي التي تلتقط ماهية العنف المطروح وتعكسها برقة انسانية وأداء تمثيلي عالٍ.يؤكد كروننبرغ أنّ ما يعرضه الفيلم هو صورة حقيقية لما يحدث في امريكا، (هو مرآة تعكس العنف الامريكي في نواح مختلفة، حتي لو كنت تناولته بشكل فانتازي، الا أنه يجسّد جزءاً من السياسة الامريكية والعنف الجاري) بمعني دفاع الرئاسة الامريكية عن مملكتها- الآمنة!!- يخولها حق ممارسة سلسلة قاسية من الانتهاكـــــات الانسانية الوحشية بحق الكثيرين من البشر، هذا المنطق في الحماية والدفاع يرفضه ديفيد كروننبرغ برؤيته السينمائية الخــاصة، ويعيد من ناحية أخري الي الأذهان مجموعة كبيرة من الأفلام الاستثنائية التي تناولت اشكالية العنف الانساني الفردي والجماعي في امريكا، اذ غدا العنف شكلاً من أشكال الوجود اليومي للمـــــواطن الامريكي، أفلام ذات انتاج هـــــوليوودي كفيلم أوليفر ستون: قتلة بالفطرة أو ذات انتاج مستقل كفيلم غاس فان سينت: الفيل .في الختام، نذكر بأنّ التظاهرات السينمائية العديدة التي شهدتها دمشق المنسية/ الغائبة، ونذكر منها تظاهرة السينما الأوروبية ، تظاهرة عيد السينما العالمي التي سبق للقدس العربي أن تحـــــدثت عنها، هذه التظـــاهرات المجانية التي تستضيفــــها سينما راميتا بدمشق، وترعاها وزارة الثقافة، هدفت الي اعادة احياء الطقس السينمائي الغائب، ونتساءل والاستعدادات قد بدأت تتسارع لمهرجان دمشق السينـــــــمائي بدورته العام القادم، هل تكفي هذه التظاهرات وحدها، مع غياب الصالات، ونوعــــــية الأفلام المتوسطة التي تعرضها الصالة اليتيمة اللائقـــــة سينما الشام ، ومع ارتفـــــاع أسعار بطــــــاقات هذه السينما نسبة ً لدخل المواطن السوري وحاجاته، دون أن ننسي ضعف الانتاج السينمائي السوري، وتوفر الامكانيات التقنية كالـ D.V.D وC.D وسواها…. مع كل هذا وذاك، بل وأكثر، هل يعود الطقس السينمائي؟!يبقي الأمل، والشكر للأستاذ محمد الأحمد الذي ما زال يعمل علي هذا الأمل، رغم خفوته الشديد.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية