حاصل جمع النصوص أم طرحها؟

حجم الخط
0

حاصل جمع النصوص أم طرحها؟

خيري منصورحاصل جمع النصوص أم طرحها؟لخص سارتر في كتابه الوجود والعدم ما اصطلح علي تسميته سوء الطوية من خلال أمثلة تبدو لأكثر الناس عابرة، ومن صميم المألوف اليومي، النادل الذي يمشي ويؤرجح ما يحمله علي نحو استعراضي، والبورجوازي الذي يصطنع مشية أو طريقة جلوس علي موقع في المقهي ومعظم أصحاب الحرف الذين يتقمصون صورة واحدة متوارثة للصانع الأول، ولو تأملنا كثيرا أصحاب هذه المهن لوجدنا أنهم يقدمون من حيث السلوك عدة نسخ متماثلة للأصل المتخيل، وليس نادل المقهي هو الوحيد الذي يمكن ضبطه متلبسا بهذا التقمص، حلاقون ايضا كذلك، وبعض الأطباء والمهندسين خصوصا في البيئات التي يندر وجود أمثالهم فيها.فأين هو المثال الذي يجسده المثقف وهو يتقدم محفوفا بقرائن تشي بمهنته؟انه ليس نجارا تقليديا من الخمسينات يضع قلماً علي أذنه اليمني وسيجارة علي أذنه اليسري، فهو يشعر بأن امتيازه العقلي غير قابل للتمظهر جسديا كالرياضي مثــلا، فالملاكم لا يحتاج الي أية قرينة كي يعلن عن امتيازه أو ما يعتقد أنه كذلك اذ تكفيه عضلاته، التي غالبا ما يتم الكشف عنها علي نحو استعراضي، وتدهن بزيت خاص يبرز تضاريسها!نعرف مثلا أن اطالة اللحي والشعر اقترنت بالرسامين في عصر ما، ثم تبقي منها الطقس معزولا عن سياقه الابداعي الأول، لأن الرسامين كما قال أحدهم متندرا لا يرسمون باللحي ولا يستخدمون خصلات من شعرهم بدلا من الفرشاة!لكن الالتباس الذي انتهت اليه اللحي ضاعف من غموض أصحابها، لأن القديس والشيخ والكلوشار والسجين والفنان والانسان العادي ايضا يشتركون في هذا المظهر.وإضافة الي مسرحة المظهر، لجأ الكثير ممن يتقمصون صورة الفنان بسوء طوية كالذي أشار اليه سارتر الي الثرثرة بمناسبة وبلا مناسبة حول الفنون واستخدام أسماء رسامين وتيارات فنية في الحديث اليومي سواء كان في المقاهي أو الحافلات كحجارة كريمة في الطين والجص، مما دفع فنانا مثل بابلو بيكاسو للاعتراف بأنه عندما يلتقي زملاءه الفنانين لا يتحدثون علي الاطلاق عن الفن التشكيلي، بل عن أسعار الزيت والقماش وأنواع الفرش!وقد يكون العقد الستيني بكل ما كان يعج به من مسرحة للعواطف والمواقف من أكثر الفترات اجتذابا لعارضي امتيازاتهم المنتهبة بدءا من اطالة الشعر واللحية واستخدام النظارة الطبية الواسعة التي تلتهم نصف الوجه، حتي الجينز والقمصان ذات الألوان الربيعية، وأحيانا الغليون والسيجار، بسبب الصور المقترنة بثوار ومثقفي البحر الكاريبي في تلك الأيام!ولكي لا يبدو هذا الرصد اقرب الي الفنطازيا فان واحدا من أبرز مثقفي أوروبا قال ان ثورة مايو 1968 التي خلخلت ثلاث قارات وشارك فيها طلاب وعمال وناشطون كان سببها الكورسيه أو المشد التقليدي الذي تستخدمه النساء من أجل ترشيق الردفين!وقد لا يكون جديدا القول بأن الزي خطاب قابل للاستقراء والتفكيك كأي نص أو خطاب آخر، لأنه ليس معزولا عن أيديولوجيا وبيئة وتقاليد وهوية!وحين يتعرض هندي للاعتداء عليه قبل خمسة أعوام وفي مثل هذه الأيام التي شهدت خريف نيويورك الأحمر لمجرد الالتباس في شكل قبعته فان الزي يصبح هوية بامتياز، وهذا ما تكرر في تركيا مع نائبة برلمان مسلمة ترتدي الحجاب وطالبات مسلمات في فرنسا وبريطانيا!لكن التعالي العربي عن دراسة ظواهر ذات جذور ودلالات مرده الي الشغف بالعناوين الكبري والتجريدات، والعزوف عن التفاصيل لأنها تختبر منسوب الاضافة النوعية والاختلاف في التناول اضافة الي أعباء المغامرة واجتراح الآفاق المحرمة أو المسكوت عنها!وهناك ظاهرة في تاريخ المجتمعات قلما أثارت انتباه الانثروبولوجي والسوسيولوجي لأنها تختفي في طيات الدولة، أو السلطة السائدة، هذه الظاهرة هي لجوء الطوائف والاثنيات المكبوتة الي المغالاة في الطقوس والشعائر السرية، فهي البديل عن التعبير المباشر، والجهر بالمعتقد، وقد يصبح التشبث بالزي لدي هؤلاء معادلا موضوعيا للتشبث بالمرجعيات والأصول!لكن هل تصبح طقوس كهذه موازية علي نحو ما للقرائن والأجواء المصاحبة للشاعر مثلا؟يقول مؤرخو حياة بودلير ان عشرات الشعراء في عصره عشقوا نساء سوداً من طراز دوفال وافرطوا في الداندية لكنهم لم يكتبوا سطرا شعريا واحدا، وبالمقياس نفسه يقول مؤرخو رامبو ان هناك شعراء في عصره أصبحوا يربون القمل في شعورهم الطويلة ويجهرون بالشذوذ الجنسي لكنهم لم يصبحوا شعراء.الزي يبقي في نهاية المطاف خطابا مشحونا بأيديولوجيا، وذا اشـــــارة الي هــوية أو مذهب أو دين، اليهودي الذي يرتدي الطاقية سواء كان جنرالا أو عالم فيزياء يفعل ذلك ورجل الدين من مختلف العقائد يفعل ذلك أيضا!هذه التداعيات ليست للبرهنة علي أن الزي خطاب قابل للتفكيك والاستقراء، بقدر ما هي مقدمات للبرهنة علي ما سماه سارتر سوء الطوية، قدر تعلق الأمر بالثقافة والمهن التي تفرزها.وهنا سأختار الشاعر نموذجا، فهو الأكثر من الروائي والقاص والناقد استعراضا للصفة التي يحملها، عبر التقمص وعبر الايحاء بايماءات وسمت معين، خصوصا بعد أن اقترنت صورة الشاعر في العصر الحديث بنماذج من طراز بودلير واللورد بايرون ورامبو وفيرلين وكورسو الأمريكي الذي لم يضع المشط لعدة أعوام في شعر رأسه!ان وشاح بودلير الحريري الأحمر ومنديل بايرون الذي يقال ان احدي النساء طلبت الاحتفاظ به رغم أنه مبتل باللعاب وحذاء رامبو شبه العسكري، هذه كلها احتشدت كقرائن في ذاكرة القارئ خصوصا اذا كان عربيا يعاني من فائض الكتب علي كل المستويات، وقد حرمه التاريخ من الحلقة الليبرالية التي تتبلور فيها فرديته، لأنه هاجر سريا من نسيج القبيلة الي الحزب.علي الشاعر اذن أن يكون جاهزا للتصوير سواء بتلك القرائن الممسرحة أو بأية أدوات أخري، وهذا ما انتبـــــه اليه ذات يوم الشاعر الروسي يفتشنـــكو الذي اشتهر بقراءته المسرحية لشعــره وأناقته الاستعراضية ومهاراته في استعـراض شعــريته خارج النص، قال يفتشــــنكو بعد أن ضجـــــر من هذا التقمـــــص ومن ســــــوء الطوية ان الشاعر هو في نهاية المطاف حاصل جمع نصوصه ولا شيء آخر، فلا الصوت ولا الهيئة ولا البهلوانية في القفز علي الحبال تجدي شيئا!وقد ساهم علماء نفس وباحثون في افتضاح اوهام الابداع، والطقـــــوس المقترنة به، بحيث سخـــــر أحدهم من عادات شيلر الذي كان يضع تفــاحة متعفنـــــة تحت وسادته، واعترف سبندر بعد قراءة هذا الموقـــف الساخر، بأن طقــوسه التي اعتادها لم تكن ذات قيمة أو مفعـــــول جدي في الكتابة، أما كولن ويلسون فقد قال بعد تجارب اجراها علي نفسه ان جدوي الطقوس هي كجدوي وشاح نصفه علي الكتف لحظة الكتابة!أليس من المثير لغثيان الدماغ ان نشهد هذا العدد من شعراء يمتلكون الأدوات كلها والقرائن برمتها، لكنهم بلا نصوص قابلة للجمع؟ان ما قاله انطوني كوين في فيلم، نادرا ما يذكر ضمن أفلامه الشهيرة، يلخص الكثير مما يمكن قوله في هذا السياق، قــــال انه قاص لديه حكايات تستحق ان تروي ولديه أقلام من مختلف الألوان ونظارة طبـــــــية وحقيبة جلدية مليئة بالأوراق والكتب وما ينقصه هو شيء بسيط جدا وربما كان ثانويا وهو القصص!!وقد يكون الفراغ الروحي المتحالف مع هذه البطالة القومية عن الحياة والكتابة والكشف والمغامرة هو السبب الذي انتج أدباء بلا أدب، وشعراء بلا شعر وقصاصين بلا قصص ونقادا بلا نقد!وقبل أن يتسرع القارئ الحصيف ويدافع عن مبدعين عرب في كل المجالات، نقول له لا من باب الاحتراز بل من باب الاقرار ان هؤلاء الأكثر صمتا وانعزالا، وعزوفا عن اكسسوارات الثقافة الاعلانية، يدركون ان الغيبوبة التي استغـرقت الناس أو معظم الناس في زمانهم علي موعد مع صحوة انفجارية وقد تكون زلزالية، تعصف بالهشيم كله، وتكسر جرار الفخار التي فسد فيها حتي الملح!ان انقلاب الموازين علي هذا النحو الجاهلي المغطي بمساحيق الحداثة واكسسواراتها، أفرز خلال فترة قياسية مغنــــــــين ومغنيات يطلبون منها الرقص علي أصوات عكازاتها مستعارة مــــــــن أردأ أفلام البـــورنو، مثلما أفرز ساسة تعــــــف الخيل عن سياستـــــهم لها، وعسـكرا لا يصلحون لأداء دور الكومبارس في فيلم من طراز صلاح الدين أو الجنرال باتون!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية