أماني عواد
يبدو أن الشرق الأوسط سيبقي علي الدوام الميدان الأرحب لعنان الخيال الأمريكي الجامح، وها هو يطرح مرة أخري بثوب جديد: ما هو الا تصور علي الطريقة الأمريكية لبناء نظام أمن اقليمي يخدم المصالح المشتركة لكل من الولايات المتحدة واسرائيل، يمتد من حدود موريتانيا غرباً الي باكستان شرقاً ليشمل الي جانب الدول العربية و اسرائيل كلاً من تركيا وايران وأفغانستان مع توسيع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في دول أوروبا الشرقية وجمهوريات آسيا الوسطي السوفييتية سابقاً وعلي تخوم الصين أيضاً. ووفق المعلومات المتوفرة عن هذا المشروع، سيتم استهداف بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط بالتقسيم والاستقطاع وهي: العراق، سورية، السعودية، الامارات، تركيا وايران، فيما سيتم توسيع أخري لاعتبارات سياسية مثل اليمن (ستنضم اليه أجزاء من السعودية) والأردن تضاف الي أراضيه الحالية أجزاء من السعودية والضفة الغربية وربما أجزاء من جنوب سورية، أما أفغانستان فستفقد جزءاً من أراضيها وستحصل بالمقابل علي أجزاء من باكستان.. أي بمعني آخر: سيتم العمل علي ايجاد دويلات ضعيفة متفرقة محكومة بواقع جغرافي وديمغرافي يجعلها مرتهنة للقرار الأمريكي. ولتحقيق هذا الهدف الذي وسع جغرافيا التصور الأمريكي للمصالح الاستراتيجية، لا بد من العمل علي: شطب قوي الممانعة والرفض في المنطقة (بعزل المحور الايراني السوري)، انهاء أدبيات وثقافة المقاومة (لتصفية المقاومة في فلسطين ولبنان)، اقتلاع مفهوم القومية والوحدة العربية من جذوره، ايجاد توازنات عرقية وطائفية كحل لقضية الأقليات، اعادة صياغة التحالفات الاقليمية علي أسس جديدة… وكل هذا لا يتأتي الا بتشغيل آلة الفوضي الخلاقة أو البناءة كما وصفتها كوندوليزا رايس أثناء العدوان الاسرائيلي الواسع علي لبنان، لأن تداعياتها (الكارثية علي المنطقة بما ستخلفه من حروب ودمار) ستكون الرافعة الأساسية لبناء المشروع الذي وضع اللبنة الأساسية له شمعون بيريز عام ثلاثة وتسعين في كتابه نيو مدل ايست، وفيه دعا رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الي جمع دول المنطقة في سوق مشتركة (كبديل عن الجامعة العربية) والي دمج اسرائيل فيها حتي تتمكن من تحقيق تفوق اقتصادي عن طريق غزو منتجاتها الأسواق العربية والهيمنة عليها، أي بمعني آخر: تحت غطاء اقتصادي كان سيتم تسويق مشروع سياسي خطير لتحقيق مصالحة تاريخية بين الدول العربية واسرائيل والتطبيع معها وتحويل الصراع السياسي والعسكري الي دائرة الصراع علي المصالح الاقتصادية. وينبغي التذكير هنا بموقف الوفد الاسرائيلي الي المؤتمر الاقتصادي حول الشرق الأوسط في الدار البيضاء عام 1994 والذي طالب مصر علي وجه الخصوص بتسليم اسرائيل لواء القيادة في الشرق الأوسط بعد أن فشلت في قيادة المنطقة (علي حد تعبيره)، الأمر الذي أثار حينها تحفظ مصر وكان دليلاً علي وجود مشروع مبيت تروج له اسرائيل وترعاه واشنطن، لكن قدوم نتانياهو زعيم تكتل ليكود واستخدامه القوة ضد الفلسطينيين ومن بعده شارون واشتعال فتيل الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أفشلت مشروع بيريز و أدخلته في طور الكمون.
بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، عاد المشروع الاسرائيلي الي الواجهة بطابع أمريكي هذه المرة حيث أسهم تيار المحافظين الجدد في اعادة انتاجه في اطار استراتيجية تنتهج المسلك العسكري والتدخل المباشر للهيمنة علي المنطقة الممتدة من موريتانيا الي باكستان، بدعوي نشر الحرية والديمقراطية ومحاربة الارهاب بنفس واحد.. حيث أطلق بوش تعبير الشرق الأوسط الكبير في خطابه أمام الأمم المتحدة في 21 أيلول (سبتمبر) 2004، معتبراً أفغانستان والعراق نموذجين ستقتدي بهما دول المنطقة، وحتي تضفي الولايات المتحدة بعض المصداقية علي المشروع وأهدافه استعارت بعضاً مما جادت به أقلام المثقفين والخبراء العرب في تقرير التنمية البشرية العربية الذي صدر في صيغته النهائية في تموز (يوليو) 2003 (اضافة لدراسات أخري أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتكليف من الجامعة العربية)، وكأن الادارة الأمريكية (مدفوعة بغلو المحافظين الجدد) أرادت حينها أن تضرب العرب بقلمهم ولسانهم، نظراً لما تضمنه التقرير من أرقام واحصاءات مرعبة فيما يتعلق بحجم المشاركة الشعبية في صنـــــع القرار: فارتفاع أعداد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية ووضع المرأة سيكون ســــبباً رئيسياً في زيادة التطرف والارهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة، لكن المشروع الاصلاحي الكبير الذي تماهي فيه الأمني بالسياسي، لم ير النور رغم الجهود الأمريكية الحثيثة لتسويقه عالمياً في غير مكان في تموز (يوليو) 2004، فقد حملته واشنطن الي قمة الثماني الكبار في ولاية جورجيا في الولايات المتحدة والي قمة حلف شمال الأطلسي في اسطنبول والي قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، لكنها ووجهت بردود افعال متباينة وواسعة علي اكثر من صعيد، فتحول الي مجرد مبادرة حملت اسم الشراكة الأمريكية مع الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ويمكن ارجاع الاخفاق الأمريكي الي الأسباب التالية:1 ـ ان القراءة الأمريكية لتقرير التنمية البشرية العربية لا يلتقي مع القراءة العربية في التحليل والأهداف: اذ أن التوصيات التي أعدها الفريق العربي لا تدعو الي فرض الاصلاح من الخارج لاحداث الديمقراطية، فالاقتباس الأمريكي كان مشوهاً انتقائيا.
ً 2 ـ كما أن المشروع الذي أرادت به واشنطن الحفاظ علي مصالحها بالدفع باتجاه اعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط عبر تغيير طبائع الأنظمة العربية من سلطوية الي ديمقراطية، (وان كان قد وجد صدي ووقعاً ايجابياً في صدور بعض التواقين للحرية في المنطقة العربية)، الا أنه فرض واقعاً لا ينسجم مع هذه التطلعات: فالحرب الأمريكية علي العراق فشلت في تحقيق هدفها المعلن بجعله أنموذجاً للديمقراطية، ناهيك عن صعود ايران احدي نظم الممانعة في المنطقة والمصنفة أمريكياً علي محور الشر كلاعب رئيس في المشهد العراقي وكقوة اقليمية تسعي جاهدة لامتلاك التكنولوجيا النووية، كما أن الديمقراطية التي هللت بها واشنطن علي ظهر البوارج العابرة من تورابورا الي بغداد أوصلت الي مواقع صنع القرار قوي وتوجهات معارضة لسياستها في المنطقة، ولا أدل علي ذلك من فوز حماس بالانتخابات التشريعية وصعود نجم التيارات الاسلامية في مصر والأردن مما حدا بالادارة الامريكية الي اعادة صياغة خارطة التحالفات الاقليمية مع نظم عربية بعيدة عن الطابع الديمقراطي، وكأن واشنطن أصبحت في حاجة للحلفاء (حتي لو كانوا غير ديمقراطيين) أكثر من حاجتها للديمقراطية.. 3 ـ تتسم فكرة المشروع بالتسطيح لأنه يتجاهل وبشكل واضح جوهر المشكلة وهو: الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، كما استبعد من جدول أعماله أية مقترحات أو جهود للتسوية السياسية للصراع الاسرائيلي ـ العربي. 4 ـ دول الاتحاد الأوروبي شككت بدورها بأهداف المشروع وبقدرة واشنطن علي اقناع شعوب المنطقة (باستثناء اسرائيل) ودولها بجدواه، خاصة بعد الحرب الأمريكية علي العراق وما تبعها من تداعيــــات سلبية وعدم دفع واشنطن لخطة خارطة الطريق وجهــــود التسوية علي المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني (كراع أساسي لعملية السلام وأحد أقطاب الرباعية الدولية)، فلم تغنم الادارة الأمريكية بحماس أوروبا المنشود لأن الأخيرة أدركت أن الهدف الحقيقي له: بناء منظومة أمنية تحمي مصالح أمريكا في المنطقة وفرض هيمنتها عليها.
اذن وفي ضوء هذا الاخفاق: كان لا بد للبراغماتية الأمريكية أن تعيد صياغة مشروع قديم علي أسس جديدة، وفي 22 تموز (يوليو) 2006، رفضت وزيرة الخارجية الحديث عن وقف اسرائيل عدوانها الواسع علي لبنان، لأن ما تشهده المنطقة ما هو الا آلام مخاض لما أسمته بالشرق الأوسط الجديد، وكأن قدر المنطقة أن تبقي حقل تجارب وساحة استقطاب للتصورات الأمريكية بدءاً من مشروع حلف بغداد وانتهاء بالأوسط الجديد مع اختلاف الأهداف: ففي حقبة الخمسينيات كانت الحرب ضد المد الشيوعي والقومية العربية، واليوم محاربة الأصولية الاسلامية التي تخشي واشنطن أن تهدد مصالحها ومصالح الحليف الأكبر اسرائيل. ولكن: هل سيري المشروع الأمريكي الجديد النور وهل سيحالفه النجاح؟ وما السبيل لمواجهته؟ فهل المطلوب الآن مشروع عربي وحدوي، يرتكز علي الثوابت القومية والحضارية للأمة العربية؟ ويضع استراتيجية لاقامة مجتمع المعرفة والديمقراطية بمنأي عن التدخل الخارجي؟… وكيف يمكن تحقيق ذلك؟ هل هي وقفة مع النفس يتم من خلالها تشخيص الحالة العربية تشخيصاً علمياً دقيقاً عن طريق فريق من السياسيين والمفكرين والخبراء العرب؟ وكيف يمكن تفعيل دور الجامعة العربية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والأحزاب السياسية للعمل علي بلورة أفكار هذا المشروع. أملا بالخروج برؤية شاملة تحقق الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوب المنطقة؟ بانتهاج سياسة الحوار والتغيير السلمي بعيداً عن الوصفات الجاهزة!! ہ كاتبة من فلسطين8