رجل في الميدان

حجم الخط
0

رجل في الميدان

صابر رشديرجل في الميدانالميدان يئن تحت وطأة ظهيرة قائظة ورطوبة لا تحتمل فشمس آب (اغسطس) تتعامد فوق المباني والسيارات واسفلت الطرقات، تلهب رؤوس البشر وكافة الاشياء. مع ذلك كان هناك بشر كثيرون وحركة دائبة تدور في هذا الجحيم، وثمة رجل يسير بطيئا في هذا الزحام، جذبني اليه بقوة هذا المعطف الصوفي الثقيل الذي يرتديه في هذا التوقيت من العام. كان يمشي وحيدا ومنكفئا في لا مبالاة واضحة منسلخا عن كل ما يحيط به في هذا العالم. كيف يحتمل .تساءلت. واندفعت وراء فضول صبياني طارئ لرؤية وجهه بوضوح، لم ابذل جهدا كبيرا للحاق به، ثم تجاوزه بعدة خطوات قليلة تتيح لي التطلع اليه عن قرب وهو يتقدم الي الامام. للوهلة الاولي بدا لي مستغرقا في تفكير عميق وهو ينظر الي الارض. لا يرفع عينيه عنها بينما شفتاه تهمسان بكلمات غير مسموعة ووقع خطواته المتهالكة يبعث الاسي في النفوس. لم اكن ادري اسباب انبعاث تلك الرغبة الغامضة للاهتمام بالرجل علي هذا النحو المفاجئ. وقبل ان تراودني فكرة التراجع عثرت علي الدافع الخفي الذي جعلني مشدودا اليه بهذا الحماس. وذلك عندما رفع هامته للحظات قليلة ثم عاود الاطراق مرة اخري. وجدتني اعرفه تماما. هذا ما تأكد لي رغم انقضاء سنوات عديدة لم اره خلالها. نشطت ذاكرتي، وطغت علي سطحها تلك الايام التي مرت سريعا مثل الاحلام الجميلة. فوقفت حائرا انظر اليه وهو يجر قدميه ويمر امامي في خطوات رتيبة ومجهدة لم تستطع طمس بقايا زهو وكبرياء يجللان المنتمين في كل مكان. لمحتهما يطلان بوضوح من تحت ركام تلك الهيئة البائسة. فيما كنت واقعا تحت تأثير مباغت من مشاعر الدهشة وعدم التصديق. بعد تفكير قليل قررت ان استوقفه. اقتربت منه. وبرفق شديد نقرت فوق كتفه باطراف اصابعي، فتوقف عن السير. ثم استدار بصعوبة بالغة. بادرته باسمه مفتعلا ابتسامة مشجعة. صوب الي نظرة خاملة من عينين مطفأتين ذهب بريقهما دون ان يفوه بكلمة واحدة.عاودت ترديد اسمه مرة اخري مخافة ان يهيمن الفتور، لكن لحظات ثقيلة مسكونة بالصمت والفراغ مرت وهو يتأملني بتكاسل واضح، نطق بعدها بصوت خافت ارهقني سماعه. ماذا تريد .شعرت بالسعادة لالتقاطي اول الخيط. ألا تذكرني؟ . قلت.لم تبدُ عليه علامات التفكير او سيماء التذكر، وبدرت عنه حركة يسيرة تنبئ عن عزمه المضي في طريقه، فسارعت في الحال محاولا استبقاءه. انظر جيدا، ربما عرفتني .سادت الحيرة وبدأت مشاعر الارتباك تسيطر علي كل منا، فانتابني حرج بالغ، وتصاعد لدي هاجس مفاجئ بان كل امرئ في الميدان ينظر الينا. للتخلص من هذا الموقف المشحون بالغرابة شرعت احادثه عن اشياء لها وقع خاص لديه، ربما تركت أثرا ما في نفسه وحركت في ذاكرته بادرة امل، حدثته عن زمالتنا في الجامعة وانضمامنا لاسرة الأرض، وعن تلك المظاهرات التي كان يفجرها ويقوم بقيادتها اذا لاحت في الافق بوادر الخيانة والنذالات المحتملة. لمعت عيناه فجأة واشرقتا بوميض سريع وهما تترقرقان بدموع خفيفة، ثم عاود الصمت مرة اخري في محاولة اخيرة لتدبير ارهاصات اليأس والاحباط اللذين بدءا يجثمان فوق صدري. قلت له سأختصر عليك هذا العناء .ونطقت اسمي عله يتذكر، فارتسمت علي وجهه اطياف ابتسامة ضئيلة وشاحبة. هتف بعدها مرددا الاسم، ثم سرعان ما تلاشت ابتسامة مروعة لا تصدر الا عن هؤلاء الذين تحولوا الي رماد وفقدوا اي ارتباط حقيقي بالحياة وبهذا العالم، وراحوا يهيمون علي وجوههم في الطرقات فأدركت حزينا اي موقف عبثي فادح اعانيه في تلك اللحظات، حيث اقف في ميدان يرزح تحت اجواء كريهة وخانقة واتحدث عن التاريخ والوطن والزعماء الشرفاء، وعن اشياء اخري فقدت معانيها ارددها علي مسامع رجل احترقت ذاكرته ولم يعد يعي شيئا مما يقال.قاص من مصر0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية