السودان: عثرات التحول الديمقراطي
د. علي حمد إبراهيمالسودان: عثرات التحول الديمقراطي توهمت المعارضة الديمقراطية السودانية في الاسبوعين المنصرمين أن الحكومة السودانية ستسمح لها بالخروج في مظاهرات سلمية تعلن فيها رفضها للزيادات في اسعار بعض السلع التي اعلنتها الحكومة في آخر الشهر الماضي استنادا للدستور السوداني المؤقت الذي قامت علي اكتافه اتفاقيات السلام التي يجري تنزيلها الي الحياة السياسية في السودان في الوقت الحاضر. ولان المعارضة الديمقراطية السودانية مسكونة بالحس الديمقراطي التقليدي، فقد قدرت أن الحكومة ستلتزم بنصوص الدستور الذي كتبته هي بخط يدها، ولم يكتبه لها أو يمليه عليها أحد من البشر احتراما لما كتبت يداها علي أقل تقدير. قلت ان المعارضة الديمقراطية السودانية مسكونة بالحس الديمقراطي التقليدي. فالتاريخ القريب يذكرنا كيف كان حكام الامس ومعارضو اليوم يسمحون لزعيم المعارضة الاسلامية، السيد علي عثمان، أن يقف تحت قبة البرلمان ويشتم الحكومة ورئيسها من قمة راسه حتي أخمص قدميه دون أن يجرؤ أحد علي مقاطعته حتي بنقطة نظام! احتراما لقواعد اللعبة الديمقراطية التي كان يؤمن بها حكام الأمس ومعارضو اليوم ايمانا راسخا. ويذكرنا التاريخ القريب كذلك كيف كان حكام الامس ومعارضو اليوم، يسمحمون لزعيم المعارضة، علي عثمان، بأن يجوب الحاميات العسكرية في الجنوب بحجة مساندة القوات المسلحة في حربها ضد التمرد دون أن تثير تلك الزيارات شكوكهم. صحيح أنه قد رشح فيما بعد أن تلك الزيارات التي كان يقوم بها زعيم المعارضة الاسلامية للحاميات العسكرية في الجنوب ربما كانت هي التي كتبت نهاية التجربة الديمقراطية الثالثة، وأن السماح بها كان فيه قدر هائل من التفريط القاتل. إلا أن عزاء حكام ذلك الزمن كان وما زال هو أنهم كانوا يرسون ممارسة ديمقراطية صحيحة مهما تكن النتائج، وأنه لم يكن يعلم السرائر إلا الله. هل يبقي اللوم في ذلك التفريط القــــاتل غصة في حلق المعارضة وهي تعيش اليوم هـــــذه الهجمة من اجهزة يفترض انها اجهزة قومية، ومن حكام يفترض انهم ولاة أمر للجميع، يجب أن يحترموهم، ولا يحقرونهم. لقد كان حكام الأمس ومعارضو اليوم، يحترمون حكام اليوم عندما كانوا في المعارضة. وتبدو المفارقة كبيرة وحزينة عندما نري كيف أصبح معارضو اليوم عرضة للهزء والسخرية والتبخيس والتبكيت والتجريح الذي يصفهم به حكام اليوم الذي أقله انهم معارضون فاقدون للبصر والبصيرة ومعارضون بلا جماهير من نفس الناس الذين كانوا يجدون ذلك الاحترام من حكام ذلك الزمن الوضئ عندما كانوا معارضين من وزن الريشة .اما عندما تطلق اجهزة الأمن يدها في قمع المتظاهرين بدعاوي الحفاظ علي الامن العام دون أن يكون هناك أي مهدد لهذا الأمن العام، فإنها تعيد القضــــية القديمة الي مسرح النقاش والجدل مجددا، وأعني بها قضية قومية هذه الاجهزة المفقودة وحزبيتها السافرة الواضحة. اذ يثبت امام أعين الجميع صحة القول ان هذه الاجهزة قد سيست وتحزبت وطمست قوميتها تماما، مما يجعل اعادتها الي سابق عهدها القومي قضية محورية وعاجلة.ومع تقديرنا لمطالب الجماهير المسحوقة بالغاء الزيادات التي اعلنت في اسعار السلع، إلا انه من العاجل والملح جدا رفع سقف هذه المطالب من هموم البطن الي الهم القومي والمستقبلي العاجل. الهم القومي والهم المستقبلي بالدارجي الفصيح هو عودة الحريات المدنية والسياسية، وتفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن الشامل.وما اشبه الليلة بالبارحة. اذكرها جيدا مظاهرات السكر في آخر عهد الديمقراطية الثالثة. يومها كنت منتدبا بدرجة سفير من وزارة الخارجية الي الأمانة العامة لمجلس الوزراء كرئيس لمكتب التنسيق. واذكر كيف حاصرت الجماهير الغاضبة مكتب رئيس الوزراء وهي تطالبه بالغاء الزيادة في اسعار السكر التي اعلنها الدكتور عمر نور الدائم وزير مالية حكومة الديمقراطية الثالثة لسد فجوة خطيرة في ميزانية الدولة لأن حكومة الديمقراطية تسلمت خزينة خاوية من نظام نميري ومديونية خارجية تقارب العشرين مليار دولار.واذكر كيف كان البوليس يسير محاذيا للموكب الغاضب، وكيف كان ينظم حركة المرور من حوله حتي وصل المتظاهرون الي مكتب رئيس الوزراء. ومعلوم بالطبع باقي القصة. فقد الغت الحكومة الديمقراطية الثالثة تلك الزيادات نزولا عند رغبة الشارع الشعبي الذي كانت تحترمه الحكومات الديمقراطية، ولا تطلق عليه القنابل او تضربه بالهراوات، ولا تلقيه في غياهب السجون، أو تخيفه بالاشباح!! لا تفعل الحكومات الديمقراطية تلك المثالب السلوكية لأن الديمقراطية هي احسن الانظمة السيئة. ودعونا نقارن وعلي العين دمعة:ففي حين الغي الدكتور عمر نور الدائم وزير المالية يومها، تلك الزيادات بعد أن قدم مقاربة مدعمة بالارقام عن سبب تلك الزيادات التي كان اهمها استلام النظام الديمقراطي خزينة خاوية ومفلسة ومطالبة بما يقارب العشرين مليار دولار كديون خارجية، بعد أن شرح الدكتور كل هذا، الغت الحكومة المنتخبة الزيادات بعد أن دعت لحوار قومي حول كيفية معالجة أمراض الميزانية الموروثة عن النظام المايوي الطاحن. وزير مالية الانقاذ (أم أقول وزير مالية حكومة الوحدة الوطنية) رفض التراجع عن تلك الزيادات ورفضت حكومته الاستماع لرأي شعبها الذي كان يريد التعبير عنه في مظاهرات سلمية.دعونا نحيي الديمقراطية التي تصيغ السمع لنبط الشارع الشعبي. ودعونا نحيي الذين يأتي بهم (الصندوق) لأنهم يحنون هاماتهم احتراما للذين ينتخبونهم، ولا يحنونها تنفيذا لارادة البنك الدولي، خصم الغبش العنيد. ولأننا نعيش في عاصمة العالم، فقد علمنا بأمر هذه الزيادات منذ نيسان/ ابريل الماضي. وعلمنا الاتصالات (والاستشارات) التي دارت في سرية تامة حول الأمر برمته. ونعلم الآن أن في الأكمة بعض القادم الذي يخيف، وربنا يكضّب الشينة.أخيرا: فلترفع المعارضة سقف مطالبها لتشمل الحريات المدنية والسياسية. فليس بالبطن وحده يحيا الانسان. إنه يحيا بالحريات المدنية والسياسية فبخلاف هذا يكون الانسان حيوانا يعلف. سفير سوداني سابق مقيم في واشنطن8