سلطان سليمان: هذه المرّة كان الاسرائيليون هم من يكذب!
اذاعة اسرائيلية هدّدته بالاسم مع عدد من المراسلين اللبنانيينسلطان سليمان: هذه المرّة كان الاسرائيليون هم من يكذب!بيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: تميز الزميل سلطان سليمان من قناة حياة أل بي سي خلال متابعته الطويلة لتطورات العدوان الاسرائيلي الامريكي علي لبنان بحماسته وتحليلاته. كما تميز بالمهمات الانسانية التي تجند لها مع زملائه في القناة حيث تحولوا في الكثير من الأحيان الي أفراد في الصليب الأحمر والدفاع المدني. سلطان سليمان وفريق حياة ال بي سي تعرضوا لتهديد جدي من قبل المعتدين لذلك تم اجلاؤهم الي منطقة صور في النصف الثاني من أيام الحرب الطويلة. مع سلطان سليمان كان هذا الحوار الذي أضاء علي الكثير من التفاصيل الانسانية: ما هي حقيقة تعرضك للتهديد من قبل العدو الاسرائيلي أثناء عملك في الجنوب؟ التهديد العلني جاء عبر الاذاعة المشرقية التي تبث من فلسطين المحتلة ويعمل فيها العملاء الذين كانوا بامرة أنطوان لحد خلال احتلال الجنوب. هذه الاذاعة حددت أسماء المراسلين خلال تعليقها السياسي، ومما قالته أن سلطان سليمان مراسل أل بي سي يبث الأضاليل والأكاذيب ويتحدث عن مجازر وهمية في عيترون ومروحين وهي عبارة عن أحداث قضاء وقدر. وقالت الاذاعة بالحرف أن اللبنانيين الشرفاء سوف ينتقمون من هذا الكذاب. هذه التفاصيل علمتها من المعنيين في القناة ومن ثم رصدت الاذاعة بنفسي ووجدت تكراراً للتقرير نفسه علي مدي أيام. هل أخذتم هذا التهديد علي محمل الجد؟ في الأيام الأولي لا. لكن بعدها تلقيت اتصالاً من رئيس مجلس الادارة بيار الضاهر يطلب مني الرحيل عن مرجعيون الي ما بعد منطقة الحاصباني وذلك بناء علي معلومات وليس تقديراً وكان الوقت ليلاً فأرجأت الرحيل للصباح. في الليل تم نقاش مع الزملاء المتواجدين في مرجعيون وهم من العربية والمنار والجزيرة. في العاشرة من اليوم التالي قررت الانتقال الي ابل السقي حيث يتواجد فندق أو نكمل باتجاه حاصبيا بحيث نبقي علي مسافة معقولة من مرجعيون. وتم الاتفاق علي حجز مكان في هاتين البلدتين لكافة الزملاء ورحلنا الي ابل السقي ومن ثم الي حاصبيا للحجز احتياطاً. وما أن وصلت الي حاصبيا حتي تلقيت اتصالاً من أل بي سي يفيد بضرب كافة أعمدة الارسال الخاصة بنا وبضرورة التواجد في حاصبيا وليس ابل السقي. ولدي انتقال الفريق كاملاً من ابل السقي داهمتنا الغارات الكثيفة فأخفينا السيارات الثلاث التي كانت بحوزتنا بما فيها سيارة البث المباشر تحت الأبنية وانتشرنا مع تصوير ما يحدث. وعندما فقدت الطائرات أثرنا بدأت غاراتها تتركز خلفنا حيث كان يتبعنا الزملاء في الجزيرة والعربية والمنار وكانوا يشكلون موكباً يبلغ حوالي ثماني سيارات مع سيارات البث المباشر. وعندما ضربت الطرقات حولهم انتشروا في الحقول الي أن اتصلت بالصليب الأحمر لانقاذهم فتم ذلك من دون السيارات التي سحبت في اليوم التالي. لكن الاقامة في حاصبيا لم تدم طويلاً؟ اطلاقاً بل توجهنا صوب البقاع ومنها الي بيروت حيث مكثنا لأيام توجهنا بعدها الي صور وذلك بالتزامن مع مجزرة قانا وبقيت هناك حتي ما بعد وقف اطلاق النار. للمرة الأولي يتم استهداف الاعلاميين بهذا الشكل الواضح. هل ذلك ناتج عن فعالية الاعلام العربي واللبناني تحديداً في كشف الحقائق؟ في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني كنا نحن من يكذب اعلامياً وهم يقولون الحقائق. في هذه الحرب قلبت الأدوار وهذا ما أزعج الاسرائيلي. نحن عكسنا الحقيقة وفي بعض الأحيان أقل مما هي خوفاً علي مشاعر المشاهدين لأنه بتصورنا لا يستطيعون متابعة هذا الحجم من الاجرام. ليس بامكاني نشر صورة رجل ضربته طائرة الاستطلاع حيث كانت يده ترفرف بعيداً عن جسده الذي كان يرفرف أيضاً قبل أن يسلم الروح. كما لم يكن بالامكان تسليط كاميرا البث المباشر علي مشاهد ضحايا عيناثا للرعب الذي تحمله كأن نري رأساً منفصلاً لطفل صغير. هل تلقيتم تعليقات من الصحافة الأجنبية حول عملكم؟ تلقيت العديد من الاتصالات من الزملاء في سي ان ان في أطلنطا يثنون علي دورنا كاعلام عربي وتمنوا لو يستطيعون القيام بدورنا. كما تمت استضافتي ثلاث مرات علي السي ان ان لتقديم قراءتي لما يحصل وكذلك علي قناة بي بي سي . هل كان للاعلام دوره في تبديل المواقف السياسية علي الصعيدين العربي والدولي؟ ثمة عاملان لعبا دوراً في هذه المعركة، والمقاومة هي العامل الأول. انها المرة الأولي التي تواجه بها اسرائيل بمقاومة شديدة البأس كما حصل في الجنوب اللبناني. تميزت المقاومة بتنظيم كبير وبروح كفاحية عالية، وباصرار علي الصمود والمواجهة والتمسك بالأرض. واقعاً كل المواقع التي احتلتها اسرائيل كان بعد وقف اطلاق النار وأقول ذلك كشاهد عيان. حتي مارون الرأس؟ دخلوها بعد أسبوع وبعد تدميرها بالكامل، وهي كانت مكلفة ودرساً لهم بعدم التفكير بدخول قري أخري. لكنهم جربوا دخول بنت جبيل وكان الدرس أشد قساوة، لذلك هم اعتمدوا منطق التدمير المنهجي للقري. أما العامل الثاني المذهل هو صمود الناس. ولحظة وقف اطلاق النار توجه 400 ألف من النازحين مباشرة الي القري المدمرة. كذلك لم نكن نجد في الجنوب من يقول زهقنا لا نريد حرباً. بيوت مدمرة، بساتين محروقة، شهداء والجميع بصوت واحد يقول فدي المقاومة فدي السيد نصرالله . مقاوماتنا السابقة لم تشهد هذا الشكل من الاحتضان والتضامن الشعبي معها. نحن كاعلاميين كنا نعكس الحقيقة بالدقة الممكنة ولم تعق المقاومة حركتنا. كل ما طلب منا أن لا ننقل مباشرة اطلاق الصواريخ. وعندما نقلت سكاي نيوز ضرب الصواريخ مباشرة توجهوا الي مراسلها بكل تهذيب بأن لايكررها بل أن يبث لاحقاً. وفي المقابل كان الجيش الاسرائيلي يتعاطي اعلامياً بتعتيم كامل. لذلك لعب الاعلام دوراً مهماً وكبيراً في هذه المعركة. من المعروف أن قناة الحياة أل بي سي توالي قوي 14 شباط (فبراير) فهل كانت تفرض عليك شروطاً معينة في تغطية العدوان؟ لم تفرض أل بي سي شروطها عليّ لكنها ألغت لي تقريرين فقط خلال شهرين من العمل وهذا يحدث في أية وسيلة اعلامية. كنت صوتاً متمايزاً عن الخطاب السياسي للمؤسسة، وكان للمؤسسة قرارها بأن يبقي هذا الصوت في أرض المعركة. وأعتبره قراراً واعياً ومسؤولاً علي صعيد مسألة التوازن. موقفي السياسي معروف في المؤسسة قبل دخولي للعمل. هل تمنيت مرة أن لا تكون في الجنوب؟ أبداً أنا أنتمي لهذه الأرض ولهذا الشعب ووجودي في المعركة ليس مهنيا فقط. كنت في معركة ايصال هذه البشاعة وهذه الجرائم الي العالم. نحن قدمنا الحقيقة التي كانت بشعة لدرجة تفوق قدرات التحمل. استمديت الشجاعة من معرفتي بوجود بشر في مواقع أخطر من تلك التي كنت فيها انهم المقاومون. ومهما فعلنا فنحن دونهم بكثير من حيث الملاحم التي قاموا بها بدمهم. نحن المراسلين الذين كنا علي خطوط النار كان لدينا ايمان بأن شعبنا لا يمكن أن يهزم، وبأننا سنربح المعركة. ألم تضعف حين كنت تحادث أطفالك؟ أطفالي هم سبب أساسي في مزيد من الصمود والمواجهة. هؤلاء الأطفال لا يجب أن يرثوا وطنناً ذليلاً ومحتلاً. واذا قتل والدهم في هذه المعركة فذلك سيكون وساماً علي صدورهم. وهل كان الموت قريباً منكم في بعض الأحيان؟ أكثر من مرة. الخطر اقترب كثيراً بعد وقف اطلاق النار عندما دخلنا كفريق أحد البساتين لتصوير موضوع عن القنابل العنقودية فشعرت بخطر شديد علي نفسي وعلي المصور. هل من ذكريات لا يمكن أن تنساها عن هذه المعركة؟ المشاهد التي لا أنساها اجلاء بعض المواطنين في سيارات أل بي سي خلال الهدنة النارية وبينهم رجل جريح في عيترون قيل لي أنه بعيد 200 متر عن مكان تواجدنا، قصدته مع رجل من القرية والمصور مالك طوق. وجدت الرجل في كامل أناقته وهو يولول وزوجته العجوز في ملابسها الداخلية ألبستها الفستان والمنديل والعباءة وحملناهما معاً الي السيارة مع حوالي 12 شخصاً. وعندما وصلنا الي المستشفي أردت التعرف الي اصابة الرجل العجوز فكانت قد اخترقت فخذه بحيث يمكن رؤية الضوء عبرها، وعلمت أن زوجته كانت تداويه طوال عشرة أيام بالماء والملح. لقد صعقت بما قام به هذا العجوز الذي بدّل ملابسه منتظراً الصليب الأحمر. عدد الضحايا من العجزة ناتج عن التمسك بالأرض وهم فضلوا الموت فيها علي الرحيل عنها. وهل من ذكريات سجلتها بعد وقف اطلاق النار؟ كنا في مهمة من عيناثا الي صف الهوا حيث أوقفني رجال المقاومة ناصحين أن لا أقترب أكثر لأن الاسرائيلين يسحبون آلياتهم المدمرة. فكانت القصة الاعلامية تكمن بالنسبة لي في هذا المشهد، فأكملنا الطريق مع الفريق كاملاً. شاهدنا الاسرائيليين يسحبون آلياتهم من وادي كونين، حمل الشباب الكاميرات وهجمنا نحوهم. وكانت ردة فعلهم الأولي الهروب أمامنا. وهذا مشهد لا يمكن أن أنساه. وعندما انتبه أحدهم بأننا اعلاميين وجه رشاشه نحونا طالباً أن نتراجع الي الوراء قبل أن يطلق النار. لكننا بقينا في مكاننا. هذا المشهد كان بالنسبة لي معبراً جداً عن تاريخ الصراع العربي الصهيوني. علي مر السنوات العرب يهربون والصهاينة يلحقون بهم. في هذه المرة هربوا منا ونحن لسنا بمقاتلين. وبعد لحظات ركزنا البث المباشر وهم خلفنا يسحبون دباباتهم. انه مشهد أشعرني بالانتصار. هل من تعليق لديك علي تواجد الزميلات المراسلات في هذه المعركة؟ في مرجعيون كانت معنا الزميلة كاتيا ناصر من الجزيرة، وفي المرحلة الثانية في صور كانت معنا الزميلة ريما مكتبي من العربية. انها تجربتهما الأولي في الحروب، وأنا تعاملت معهن بأبوة ومد يد المساعدة. وجود الزميلتين في هذا المكان وفي ظل حرب شرسة هو بطولة استثنائية. ما قمن به ممتاز جداً واداؤهن كان ناجحاً. هكذا مقاومة لديها هؤلاء الاعلاميين والاعلاميات وهكذا شعب صامد لا يمكن أن يهزم. 2