توفيق رباحي
بعد تجارب عدة فشلت كلها، يبدو ان المسؤولين في الخارجية الامريكية اهتدوا الي طريق حل لمشكلتهم التخاطبية معنا. اكتشفوا امرنا فجاؤونا بواحد منهم يفهمنا ويتكلم لغتنا مثلما نحبها. اسمه البرتو فرنانديز. وجهه مألوف في التلفزيونات العربية. لو جري سبر اراء عنه في امريكا لقال اكثر الناس انهم يجهلونه. لكن هذا الاخ الكوبي يتسلل شيئا فشيئا كمن يريد ان يصبح صديقا لعائلة او قبيلة ما. يتكلم العربية بطريقة تختلف عن الاجانب عندما يتكلمونها. يختار كلماته فيلقيها بقوة لا تشعر بها.
درس الادب العربي في جامعة اريزونا وسُحر بالشاعر محمد الماغوط، بحسب مجلة نيوزويك. لكن الاهم، في نظري، انه يعرف النفسية العربية اكثر من غيره من الموظفين الامريكيين الذين يضطرون لتعلم اللغة العربية.
يُعتقد انه ادلي بنحو 200 مقابلة تلفزيونية مع قنوات عربية السنة الماضية وحدها. يعني 16.6 مقابلة في الشهر، اي ظهر علي الشاشات يوما بيوم. هناك مذيعون مشاهير لا يظهرون بهذا الكثافة. اذا استثنينا القنوات المحلية التي نادرا ما تطلبه، سنقول ان مقابلاته كانت مع الفضائيات الكبري، ما يغري بالقول انه سكن خمسا او ست قنوات بعينها.
وتفيد تقارير انه، منذئذ، كثّف حضوره التلفزيوني حتي ظهر في شهر تموز (يوليو) الماضي وحده، نحو 60 مرة في قنوات عربية، بمعدل مرتين في اليوم.
رغم ذلك، الي اليوم لم تتفق الفضائيات العربية علي تعريفه. في اغلب الاحيان هو المتحدث باسم الخارجية الامريكية، لكن هو احيانا اخري مدير دائرة الشرق الاوسط في الخارجية.
من الصعب الجزم بمدي تأثير كلام فيرنانديز علي المشاهد العربي لان الخراب الذي الحقته الادارة الامريكية الحالية بصورتها في المنطقة العربية اصعب من ان يرقّعه موظف متواضع غير امريكي الاصل. لكن من السهل القول بأن المشاهدين العرب في غالبيتهم عاطفيون. والبرتو يشبههم شكلا ويتكلم لغتهم. الشبه من حيث المظهر يفيد في تكريس نوع من الشعور بالقرب. والكلام بعربية اقرب الي السليمة، رغم اللكنة الطريفة (مثل قوله اللبنان و الامريكا و الوهشية، اي الوحشية) يترك شعورا ايجابيا بان هذا الذي كلف نفسه عناء تعلم لغتنا يكنّ لها ولثقافتنا بعض الاحترام.
مع كل الود ايها الالبرتو، مَن يجعل مهمتك مستحيلة هم جماعة البيت الابيض، وليس الذين تتوجه لهم بظهورك اللطيف المتكرر. اسأل هل نجحت القناة الكسيحة التي اسمها الحرة وشقيقتها الكبري سوا بميزانيتهما ووقوف الكونغرس وراءهما؟ واسأل هل نجح اللبراليون العرب في الصحف الخضراء والصفراء وفي القنوات العربية والغربية؟ لو وصل احد هؤلاء الي قلب وعقل المشاهد والمواطن العربي، اضمن لك الوصول الي ابعد من القلب والعقل.
لهذا قلت في بداية هذا النص ان الامريكيين اهتدوا الي طريق الحل ليس الي الحل ذاته. بيد ان هذا الطريق وعر وشاق وغير معبّد.
القادم أفحش! كثيرة، مملة، مقرفة ومعذِبة للبشر طريقة احياء ذكري تفجيرات 11/9 بالقنوات الفضائية الاسبوع الماضي.
وكي تكتمل الدائرة، ألقت القاعدة بشريط هنا واخر هناك وقودا لمناقشات تلفزيونية طاردت المشاهد (وغير المشاهد) مثل الكابوس.
قبل سنتين اشتكيت في هذه الزاوية من ان لا مهرب لنا من احداث 9/11 والاستغلال التلفزيوني لها. لم اكن اعلم ان ما ينتظر مستهلكي التلفزيون اكبر، بل افحش.
غصبا عن اهلك، واينما كنت تعيش وبغض النظر عن القناة التي تشاهد، فانت عشت الذكري الخامسة لتفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) كما لو أنها حدثت في قريتك.
لا اختلاف في ان تلك الاحداث غيّرت وستغيّر تاريخ وجغرافيا العالم. ولا اختلاف في ان المنطقة التي جئنا منها ستتحمل وزر تلك الاحداث والاغلبية من التغييرات الحاصلة والتي ستحصل بسببها. ولا اختلاف في ان تبعات تلك الاحداث تستحق اكثر مما نتصور من اهتمام ومتابعة لادق التفاصيل. ولا اختلاف في ان ما خفي اعظم من تبعات ما حدث.
لكن الفضائيات العالمية كانت كمن ينتظر جنازة يشبع فيها نواح. اغلب المعالجات سطحية، واغلبها استعان بالمرآة لاعادة سرد ما حدث وكيف اعدّت له القاعدة.
لم نسمع سؤالا واحدا عن حال الدنيا يوم 11/9/2030. كل ما هناك ان تآمرت جميع القنوات كي تجعل منا سجناء جورج بوش والظواهري، الاول بغبائه والثاني بجنونه. كلاهما يؤمن بانه الخير المطلق والاخرون هم الشر المطلق. وكلاهما لم يعد له من هدف في الحياة غير شن الحروب.
ما فرضته علينا القنوات الفضائية هذا الاسبوع من كلام عن بن لادن وبوش و11 ايلول/سبتمبر تجاوز الاشباع وبلغ درجة الضرر ما يتيح المطالبة بتعويض.
السنة المقبلة سيذكروننا بانها الذكري السادسة لتلك الاحداث المشؤومة، وبعدها الذكري السابعة، وهكذا دواليك الي ان تحل الذكري الحمسون ثم المئة. خوفي انهم سيقنعونا بان لرقم 6 دلالات خاصة، ولرقم 7 دلالاته هو الاخر، ولرقم 25 و50 و100 فيجعلوا من الذكري مندبة اخري نصلي من اليوم كي لا تكون وان فرضوها ندعو اللهم لا نسألك رد القضاء لكن نسألك اللطف فيه.
التطور الجديد ربما تذكرون انه قبل سنوات كانت الحكومات العربية تسارع لوصم مرتكبي اعمال ارهابية ما بالمجانين والاصرار علي تصنيف ما يقولون ضمن جرائم الحق العام، وان ايادي اجنبية امتدت للاضرار بالبلد. الاردن (والدول التي تصنّف نفسها آمنة ) نموذج جيد، فكل من فكّر في ايذاء عسكر او مدنيين اسرائيليين، مثلا، هو اما مجنون او مجرم حق عام. اليوم اختلف الامر وتطور. بسبب هذا التطور لم يستح التلفزيون السوري ولم يتردد في القول ان محاولة الهجوم علي السفارة الامريكية بدمشق عمل ارهابي قام به سوريون.
لو حدثت المحاولة قبل اربع سنوات او خمس سنوات، لاقسم التلفزيون السوري باغلظ الايمان ان مرتكبيها مجانين وان ايادي خارجية امتدت واستعملتهم لـ المس باستقرار هذا الوطن الآمن، ولما تجرأ علي القول بسرعة انهم سوريون ووصفهم بالتكفيريين.
وعندما اقول التلفزيون فالامر يتعلق بالحكومة او السلطة او الناس الماسكين بزمام الامور.
سبحان مغيٌر الاحوال! تغيّرت الدنيا وتغيّرت معها الانظمة الستالينية بقنواتها التلفزية المتحجرة، ليس لانهم انتبهوا الي ان نكتة الجنون والايادي الاجنبية لم تعد تنطلي علي احد، بل ليبلّغوا الامريكيين رسالة من اثنتين، واحدة نحن ايضا عرضة للارهاب مثلكم، والاخري هذا هو البديل عنا اذا ما كنتم تفكرون بالتخلص منا.
امبراطورية الجزيرة الان، وبعد الحلقة الاولي من سري للغاية، حقّ لامريكا ولحلفائها في العراق وللعراقيين الغاضبين علي الاعلام العربي الاطمئنان علي قناعتهم بان قناة الجزيرة هي صوت الارهاب في العراق او اي شيء من هذا الذي يقولونه في انتقادهم لها باستمرار. وحقّ لهم شحذ سيوفهم. ذلك ان الحلقة اياها عبارة عن دعوة كريمة من الارهابيين في العراق لمندوب الجزيرة ليقضي عندهم بضعة ايام يشاهد ويسجل ثم يروّج انجازاتهم للعالم.
الحرب وحملات التشهير التي تتعرض لها القناة القطرية مبنية كلها علي تحالفها المزعوم مع الارهابيين في العراق ومع نظام البعث البائد. احد المواقع التي جعلت من تحطيم الجزيرة هدفا لها (تعلنها بصراحة وتقول انها تعمل لمنع وصول القناة الي امريكا حتي لا تتحول شوارعها مثل شوارع غزة وبغداد تسبح في الدماء) اسمه Aim، اختصارا لـ Accuracy In Media والاخر اسمه Memri اختصارا لـ The Middle East Media Research Institute . لو اطلّع احدكم علي هذه المواقع واخري تديرها لوبيات مشابهة في امريكا واستراليا لجزم ان هؤلاء الناس يحاربون امبراطورية تسعي لانهاء وجود امريكا ونشر ثقافة القتل والتدمير. بحسب هذه المواقع، الجزيرة هي سبب الخـ.. الذي غرقت فيه امريكا وحلفاؤها بالشرق الاوسط.
رغم ان اي قناة تحلم بالنزول ضيفة علي هؤلاء الارهابيين، يحق للخصوم الصراخ ملء افواههم انها فعلا كذلك. ووجب علي اصحاب الجزيرة الاستعداد الي مرحلة اخري من الصداع والدفاع عن النفس لاثبات البراءة.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]