منذ سنين أسافر بين مواقع المعاناة والألم الاسرائيلية والفلسطينية ولم ار معاناة كما في بيت غالية
كم من المآسي مرت علي البنت هدي غالية في الاشهر الثلاثة الأخيرة. كانت طالبة في المدرسة الابتدائية في الثانية عشرة عاشت في حي بيت لاهيا، في بيت غير مقصور مع 12 أخا وأختا، أبناء أبيها علي، وأمها حميدة وزوجة الأب الاخري، رئيسة. في يوم الجمعة في اول حزيران (يونيو) مضوا جميعا الي شاطيء البحر، نحوا من 15 شخصا، وعاد من هناك ثمانية فقط، جميعهم جرحي. في لحظة واحدة أصبح الشاطيء ميدان قتل. نُقشت هدي في ذاكرة المشاهدين في جميع العالم وهي تصرخ طالبة المساعدة بجانب جثة أبيها في أخدود القذيفة. الوحيدة التي خرجت جريحة جرحا طفيفا، نُقلت سريعا للعلاج في القاهرة مع أختيها الصغيرتين، وعمة بالغة ومرافق رفيع من قبل أبو مازن. صرخت في الليالي وكأنها ما تزال تري القذيفة تسقط. نُقلتا جوا من القاهرة الي قصر حاكم أبو ظبي علي ساحل الخليج العربي. إنها يتيمة بيت لاهيا، التي اشتهر اسمها بعيدا بسبب الكارثة الباهظة جدا، حتي بمفاهيم غزة المضروبة.
عندما جئنا في السبت الي بيت العائلة، انتظرنا ساعات الي أن جاءت في الثانية ظهرا حافلة صغيرة صفراء للمدرسة، وفيها صف كامل. حُشر فيها نحو من ثلاثين بنتا فيه، تظهر من بينهن هدي باللباس الازرق والمنديل الابيض علي رأسها. تخرج ويبتلعها بيت العائلة بصمت، بين النساء. تأتي بعدها حافلة اخري صغيرة، يخرج منها أخ صغير في كرسي متحرك، وتأتي سيارة اسعاف مع الأخت الجريحة جرحا بليغا التي عادت من المستشفي الاسرائيلي. من بيت مجاور تأتي ايضا الأخت البكر، وهي أم لاثنين تعالج في سوروكا، قُطعت يدها ومُزق بطنها. هذه هي مسيرة بقايا بيت غالية. عائلة ضائعة. مات النصف وبقي النصف بلا يد أو رجل أو بطن، يقول العم ويرفع يده كأنما يغطي علي الموتي وعلي المُهشمين ايضا.
بعد الكارثة ظهر رئيس الحكومة هنية والرئيس أبو مازن ووعدا بمساعدة عائلة غالية. ووعد وزير الدفاع بيرتس ايضا بالمساعدة. كانت تلك الايام قبل حرب لبنان، قبل أن تغيب غزة عن العين وعن القلب. هدي وأختاها الصغيرتان، التي يوجد في عنق كل واحدة منهما أو في جمجمتها شظية، طارتا من المستشفي في القاهرة الي أبو ظبي، وفحصهما اطباء فرنسيون، وبعد ذلك وصلتا قصر الحاكم نفسه. قصر علي البحر، حتي لو سافرت خمس ساعات فلن تبلغ الي نهايته. قال لهدي: كل ما أردت سأُعطيكِ. قصرا، أو بيتا. كل شيء، قالت لنا العمة مريم أم غسان، التي تسكن الشارع المجاور.
جلست هدي إلينا وتحدثت من غير أن تتنفس تقريبا. وكأنها اذا كفت عن الكلام ستسقط أو ستموت. أخت الأب القتيل ناجية من كارثة مشابهة، حدثت قبل نحو سنة ونصف من كارثة الشاطيء. في العائلة نفسها. في الرابع من كانون الثاني (يناير) 2005، حينما عملت مع أبنائها، وحفيدها وعدد من أبناء الأعمام في قطعة التوت التي عندهم – عائلة غالية تُربي التوت منذ أجيال – أصابتهم قذيفة اسرائيلية. قُتل سبعة في المكان. اربعة من أبنائها، وحفيد واثنان من أبناء العمومة. هُدمت عائلة بمرة واحدة، كما سيحدث لأخيها بعد مضي سنة ونصف سنة. في غرفة العزاء التي جلسنا فيها كانت معلقة علي الجدار صور 14 من أبناء العائلة قُتلوا بالقذيفتين اللتين أُطلقتا ردا أعمي علي اطلاق صواريخ قسام أعمي. قبل يومين من مقتل علي أخي، يقول: كُفي، يا أختي، عن بكاء الموتي وعودي الي الحياة. رأي أنني احتفظت بملابس الاولاد الموتي. لا تأكلي قلبك، قال لي، ولا تبكي بعد. أتركي الحزن. ذهب أولادك ولا يوجد ما نفعل. بعد يومين مضي بنفسه الي البحر ومات مع أبنائه، قالت وابتسمت في حديثها، وكأنما جف تماما ينبوع الدموع والكارثة أكبر من الاستيعاب. 14 شخصا في عائلة واحدة.
أخذنا اثنان من أبناء العمومة الي شاطيء البحر في بيت لاهيا الي مكان الحدث. انه شاطيء فقراء. بحر نظيف، ورمال وسخة. قاربان، وشبكة لاصطياد العصافير مع الفجر. من مات هنا؟ الفقراء فقط. يقضي الأغنياء عطلهم في الخارج، قال ابن العم. في هذا المكان، في يوم الجمعة من هذا الصيف في التاسع من حزيران (يونيو)، جاءت العائلة كلها للاستحمام. انه قضاء وقت غزي ذائع من اجل محاربة الحر، والملل واليأس. لا يوجد شيء آخر يُفعل. بعد الظهر أُطلق عدد من صواريخ القسام من قبل بيت لاهيا، وبدأ اطلاق المدافع الاسرائيلية نحو المنطقة. كان كل شيء مليئا بالعائلات مثل شاطيء تل ابيب في يوم صيفي. القذيفة الاولي سقطت بعيدا عن المُستحمين، وبدأ جميعهم يهربون. من كان يملك سيارة استقلها وسافر الي البيت.
أبناء غالية، الذين لا يملكون سيارة، انتظروا سيارة أجرة وجلسوا في شبه دائرة علي تلة صغيرة. أراني ابن العم المكان. بقيت هناك صنادل الهاربين. أصابت قذيفة ثانية مكانا أقرب، وضربت الثالثة في وسط العائلة. زعمت لجنة تحقيق من قبل الجيش الاسرائيلي أن اطلاق القذائف قُطع قبل زمن ما من الكارثة وقد تكون العائلة قُتلت من شحنة ناسفة محلية. جزم خبير امريكي يدعي مارك غارلاسكو، جيء به الي المكان أنهم قُتلوا بقذيفة مدفع من عيار 155ملم.
قال ابن العم لي إن رواية العائلة هي أن الطفل هيثم ابن الاربعة اشهر، الذي قُتل هو ايضا، استحم في البحر، ووجد لغما بحريا وجاء به الي العائلة التي لعبت به وقُتلت. هكذا سخر الشاب سخرية مُرة من جميع النظريات التي نشأت حول القتل. مع مجيئنا الي المكان رأينا أخدود القذيفة كما عاد وظهر في آلاف المواقع علي الانترنت في غزة. انه أخدود بسيط نُثر الرمل منه علي الجوانب. هناك قُتل سبعة: الأب والأم، ورضيع ورضيعة، وطفلة في الرابعة، وفتاة في الخامسة عشرة وفتاة جامعية في الرابعة والعشرين. أما الآخرون فهُشمت اعضاؤهم وأصابتهم الشظايا من مطر الحديد وانتهت عائلة غالية.
عدنا من الشاطيء الي البيت وجلسنا في الشارع بسبب الحر في الداخل، والظل والريح في الخارج. أرانا السائق منير لعبة في الهواتف المحمولة لشبكة جوال، كأنما ابتدعت من اجل الغزيين. عندما تضغط مرتين زر سي ومرة واحدة سيند، يضيء مصباح صغير في رأس جهاز النوكيا ويضيء بنور مُركز. يوجد الكثير من الليالي المظلمة في غزة وانقطاع الكهرباء لساعات. قال منير انه يمشي من غرفة الي غرفة في الليل في البيت ويضيء باستعمال النوكيا. قال العم الذي انضم الينا انه يُحتاج في غزة دائما الي مصباح من اجل اليأس والظلمة. وفكرت في هذا البيت.
منذ سنين أسافر بين مواقع المعاناة والألم الاسرائيلية والفلسطينية، بين ضحايا ويتامي النزاع، لكن حصرا كهذا للألم كما في بيت غالية لم أرَ بعد. وكأن الله أراد أو الشيطان أن يُجمع في مكان ما هذا القدر الكبير من الحزن الي أن يقف المشاهد، وليكن من كان يهوديا أو عربيا، للحظة في خوف ليقول: الي متي والي أي مقدار من العمق سننزل في بئر الفساد هذا للحرب؟ في غرفة داخلية مظلمة ومكشوفة من الطوب والاسمنت، وهي مظلمة ايضا بسبب انقطاع الكهرباء، رأينا كمن ينظر داخل انفجار، بقية أبناء غالية. انتظروا. سأفحص، إمشوا ورائي، قال لنا العم قبل أن ندخل. لأن الضيف لا يفترض أن يدخل بيتا تعيش فيه النساء. فُتح باب وأشارت يد بالمجيء. في ضوء شاحب كمرض، سقط من النافذة، رأينا الأخت هيام ابنة السادسة عشرة التي لا تقوم من السرير، والصغيرتين، لطيفة وهديل، بنتي الثامنة والتاسعة، اللتين بقيت شظايا في رأسيهما. الأخ ابن العاشرة أدهم الذي هُشمت رجله، والأخت الكبري أماني، وهي أم لاثنين، قُطعت يدها، وكذلك الأخت المعروفة، يتيمة غزة الأشهر منهن جميعا، هدي غالية، التي بقيت في صدمة لكنها أسلم من جميع عائلتها. كان يبدو أن قذيفة المدفع قد أصابت البيت نفسه مباشرة.
بعد كل الأحاديث في الخارج، كانت الغرفة ساكنة علي نحو عجيب، وكأنما سدها الألم. وكأن اصوات الخارج لم تدخل الي الداخل. قبر أحياء – أموات. وقفت امرأتان في الساحة وتحدثتا. تحدث عمّان في غرفة مجاورة. لكن لم يتحدث أحد حول سرير البنت المُهشمة. توجد اماكن كهذه في البيوت التي تلقت ضربة قوية جدا. زاوية حول الأم الثكلي، وأب صامت. هكذا أحسست للحظات في بيت عائلة شاحر في ياد مردخاي المجاورة، حينما جئت الي هناك بعد سقوط الابن في لبنان، عندما تحدثت الي الأب الذي هو نفسه يتيم حرب التحرير. ضربة قوية جدا. مافيش كلمات، قال لي العم في غزة. نفد الكلام. يصعب علي أن أتحدث عما رأيت حولي، قالت لنا هدي عن ذلك اليوم. لن أنسي هذا أبدا. نظرت الي هذا الجانب والي ذاك الجانب، ورأيت حولي جميع عائلتي ميتة. هي وحدها تحدثت في الغرفة وكانت كلماتها معدودة. استحثها الأعمام علي الكلام. نشعر أن جميع الاهتمام موجه اليها فقط، برغم أنها الأقل اصابة من الآخرين. صوروا الآخرين ايضا، غضبوا.
اقترح الأمير عليك قصرا وخادما وحياة مرفهة في أبو ظبي. أردت فقط العودة الي البيت الي عائلتي. وعدني بأن يرسل في كل صيف بطاقات لي وللجميع، لنقدم عليه في أبو ظبي طول العطلة.
تدرس في النهار العربية، والانكليزية والحساب، ولكن في الليل، ما تزال تصرخ وتنادي اباها في الحلم. كما كانت آنذاك علي الشاطيء. لا توجد واحدة أصابتها كارثة كبيرة مثل كارثتك، قال شيخ أبو ظبي لهدي، قالت لي العمة مريم. نظر الأمير حماد، ابن الشيخ زايد الي البنت وقال: هدي، أنا أبوك وأنا أخوك. أنا كل شيء في حياتك. لا تقلقي. كل ما ستطلبين ستحصلين عليه. تصف لي العمة الحديث وكأنما تقتبس من قصة الرغبات الثلاث للسمكة الذهبية وكيف يخسر الفقير دائما لحظة الفرصة الذهبية. اذا أردت فسأبني لك هنا بيتا لم تحلمي به قط. لك ولعائلتك. سأسد جميع عوزك. لكن هدي أرادت فقط العودة الي بيتها. أراد ألا نعود الي فلسطين، وأن نظل عنده، تقول العمة البالغة. ربما خاب أملها. انها التي رأت في حياتها الفقر كله ووجدت نفسها فجأة في قلب الغني. تبني بحديثها أسطورة عصرية عن الخراب وعن النهضة وعن الوعد بمستقبل براق. لكن عدنا الي البيت، تبتسم. عُدن الي الحي البائس، الذي يُقتل حتي حميره باطلاق النار. والذي توضع علي كل سطح ثمرات يقطين ضخمة لا تصبح في الليل مراكب سندريلا. وهنا، لم يساعدنا أحد. بين الجانبين، الاسرائيليين والفلسطينيين، فقدنا أبناءنا، ولا يمد أحد يده. من سيعالج، ويغسل ويقود جميع الجرحي؟.
مكثن 22 يوما في أبو ظبي وعدن مع قليل من المال لترميم البيت الذي لم ينته العمل فيه. في غزة بدأت هدي تمضي الي الصف الثامن في مدرسة أفضل وحصلت علي ملابس ودفاتر. وهذا كل شيء. ضعفت الصدمة. لقد اطمأنت، لكن البيت يرتج في الليل من القذائف، والاولاد يتبولون خوفا ولا يوجد من يُبدل ثيابهم. الأم الأكبر من الاثنتين، حميدة، التي بقيت حية، جريحة في يدها. كل من يسمع قصتنا يبكي، قالت العمة ولكن من ذا سيتذكرنا بعد سنة، وفي كل يوم تحدث كارثة اخري؟.
رأيت من نافذة الغرفة الشارع وفيه ولد يعبر الشارع الرملي وكادت تصدمه سيارة. شهداء صغار في الشارع، قال السائق منير، يجتازون الشارع كأنما يقولون أُصدمني. لم يعد يهمهم شيء. حرام. حرام. حرام، كرر أحد الأعمام الكلمة. لقد ضاقوا ذرعا بحياتهم حتي لم يعد عندهم شيء من الأمل، سوي القصة عن الأمير والقصر الذي وعد به هدي.
يغئال سيرينا(يديعوت احرونوت) ـ 18/9/2006