تأملات في الدمار
الياس خوريتأملات في الدمارانه الخراب، خراب لا يشبه الا الخراب. دمار يمتد الي الأفق ويتحدي السماء. النجوم ترتجف والعيون ايضاً، كل شيء في الرعشة، كل شيء معلّق. وحده الدمار يقذف بك الي اللازمن، ويرسم لذاكرتك ذاكرة من الهباء. وحده الدمار يحول الخيال كناية، ويدفـــعك الي العيش في خيمة منسوجة من خيوط الوهم. دمار وركام وغبار. خلال ثلاثة وثلاثين يوماً كنا نستمع الي اصوات القذائف المنهمرة علي الضاحية الجنوبية. نضيء الشموع في عتمة لبنان، ونصير آذاناً تلتقط وجع المباني وهي تتهاوي. نري بعيون العتمة ونشم رائحة الموت، ويتدفق في شراييننا غضب يشبه الحزن. وحين تأتي الكهرباء كلصّ بلا ميعاد، نهرع الي اجهزة التلفزيون كي نري ما سبق لنا ان سمعناه، فنختنق باستغاثات الضحايا، وصور الأطفال وقد تغطوا برمل الموت ورماد النهاية.تعود بنا العتمة الي الاصوات، لا نري سوي ارتعاشات النور الذي يختنق في الشموع، ونرتجف مع ارتجافات بيوتنا وقد صارت سفناً صغيرة يتلاعب بها موج العتمة وصرخات استغاثة بعيدة. من يستغيث بمن؟ ولا مغيث. من يستمع الي من؟ ولا صوت سوي ارتطام الدم بالشرايين، وضجيج القلب وقد ارتفع الي الصدغين.ثلاثة وثلاثون يوماً، كانت اطول من دهر. فيها اضعنا كلّ شيء، ونسينا اصوات الأحبة الذين ابتعدوا، وعشنا الحاضر كأنه ذاكرة. ففي لحظات العتمة لا شيء يقنعك بأنك لا تزال حياً سوي انك تتذكر. الذاكرة علامة الحياة، لأنها تتحدي الموت وتتفوق علي الخيال. لذا تسافر في ذاكرتك الي اماكن سرية لم تطأها قدم انسان سواك، ثم مع اضواء الفجر الأولي، تري المدينة وقد تغطت بما يشبه الضباب، وينتشر في مسامك حنين وحشي اليها، وتصرخ بالغزاة ان يمضوا ويتركوا هذه الارض التي صارت قبوراً. وفي اليوم الرابع والثلاثين، تمضي الي هناك، وتكتشف الضاحية وقري الجنوب، وتري كم كانت الصورة مخادعة وكاذبة.لا تستطيع الصورة ان تنقل سوي سطح الأشياء. لا معني للدمار من دون صوت خشخشة الأقدام علي الركام، ولا معني للركام من دون رائحة البارود وقد امتزجت بروائح الجثث والاسمنت والحديد، ولا معني للرائحة من دون ذلك الشعور بأن كل شيء رمل ويصير الي رمل.الذين شاهدوا صور الدمار اللبناني علي شاشاتهم في العالم العربي او في بقية انحاء العالم، وبكوا ولعنوا واقسموا وتأثروا، لم يشاهدوا شيئاً، صدقوني ايها الأصدقاء والصديقات انكم تعيشون في وهم انكم رأيتم، لكنكم لم تروا. فالعين لا تري وحدها علي الرغم من انها سراج الجسد، مثلما كتب الأنبياء، الانسان يري بكل اعضائه وحواسه، يواجه بها المجهول ويصير جزءا منه حين تأتي ساعة المجهول.رأيت وصرت جزءا من هذا الأفق المغطي بالخراب. في الضاحية رأيت الناس تائهين يبحثون عن اماكنهم. الأصعب من ضياع البيت هو عدم قدرتك علي التعرف الي طريق البيت. رأيت عيوناً زائغة تبحث بين الركام عن المكان. اضاع الناس ملامح الشوارع والأمكنة وما عادوا قادرين علي تحديد اين يقع البيت واين الطريق اليه. شيء من الفزع الممزوج بالحيرة. تخلّي المكان عن ناسه وصار بلا علامات، وكــــادت الذاكـــرة ان تنهار. في تلك اللحظة تذكرت فلسطين، الأصــــعب من الاحتلال الاسرائيلي والطرد، هو الاعتداء علي الأمكنة وتغيير معالمها من خلال التدمير. تلجأ ارواح الموتي الي الأمكنة، تبسط علي البيوت ظلالها، ويمتزج عطرها بأزهار الحقول. ماذا نقول لأرواح الموتي التائهة اليوم بين الخرائب؟ هل يعرف الاسرائيليون انهم هناك في فلسطين، وهنا في لبنان، لم يربحوا سوي لعنة الأموات. ولكن فلسطين لا تتجلّي الا في الجنوب، جليل لبناني يعانق دماره دمار الجليل الفلسطيني. منحنيات الروح التي تمتد بك الي الله. في الجنوب اكتشفت حقل الليمون الذي يمتد من صيدا الي آخر الأفق، وشممت عطر زهر النارنج الذي لا يشبه في تحولاته الا دودة القزّ. الدودة تصنع الحرير قبل ان تتحول فراشة، اما هنا فالفراشة البيضاء التي تمتد علي اغصان الأشجار تتحول فاكهة مرة اعطت اسمها للبرتقال في اللغات الاوروبية. ومن عطر النارنج الي قهقهة التاريخ التي تسمعها مجلجلة في قلعة الشقيف الصليبية. لم يبق من الفرنجة سوي قلعتهم التي صارت موقعاً حصيناً للمقاومة. هكذا كتبنا علي حيطانها في السبعينات، وهكذا يكتبون اليوم. لكن كلبية التاريخ لا تتجلّي كاملة الا في القري المهدمة. هناك في بنت جبيل وعيتا الشعب وصدّيقين وعيترون، هناك تري كيف يلتحم الدمار بارادة الصمود، وكيف يصير الهباء صوتاً يتغلغل في الصمت ويصنعه. هناك تمتد بك المنحنيات الي افق يعانق ارواح الموتي، ويرميك في خط دائري لا نهاية له.كانت الطرق المليئة بالركام ممحوة المعالم، وكنت كمن يستمع الي انين الحجارة. اري الناس ينصبون خياما فوق البيوت المدمرة، واكتشف كيف تمزقت المقابر واحترقت بقايا الأموات. كأن الموتي يموتون من جديد كي يستقبلوا الضحايا الذين قبروا في البيوت. امرأة كهلة لا اعرف اسمها، تجلس وحيدة في خيمة منصوبة علي ركام منزلها، وتحمل في يدها مفتاحا تتكلم معه، او هكذا خيّل لي. اقتربت منها كي اسأل عن المفتاح، لكن الكلمات خانتني، نظرت اليّ وقالت انه مفتاح البيت. ضاعت الصور وضاع الباب وضاع كلّ شيء، لكن المفتاح لا يزال معي .تذكرت امرأة مهجرة من تل الزعتر، لم تكن تحمل معها سوي صورة صغيرة لابنها الشهيد، هذا كل ما بقي لي ، قالت، يجب ان نتعلم كيف نحمي الصور. ثم اخرجت من عبها مفتاحا صدئاً وقالت انها استطاعت تهريب مفتاح بيتها في قريتها الجليلية. المفتاح اهم من الصور ، قالت.امرأة من عيترون تحمل مفتاحاً وتعود الي قريتها، تبتسم للمفتاح، وتنظر الي الجليل الفلسطيني حيث لا يزال الدمار في انتظار المفاتيح. 0