شؤون الناس تدار بالمحسوبيات والواسطة واللفلفة: مشكلة العرب عدم وجود بيروقراطية!
سميح الصفديشؤون الناس تدار بالمحسوبيات والواسطة واللفلفة: مشكلة العرب عدم وجود بيروقراطية! عودتنا أدبيات السياسة العربية علي النقد المتقدم للمفاهيم، متقدم اعني بها: مبكر، لا تاريخي، وبالتالي لا عقلاني من وجهة نظر تاريخية.بالأمس نقدنا الديموقراطية والليبرالية باسم الاشتراكية، ناصبنا العداء للقيم البرجوازية الحديثة باسم البروليتاريا، نبذنا القومية باسم الأممية والانسانوية….. وحالنا علي الارض ما زالت تراوح مكانها:استبداد، غياب للعدالة والمساواة، انكسارات ما قبل قومية (طائفية، عائلية، عشائرية……).ان غياب مفهوم العقل التاريخي من وعي غالبية الشرائح المثقفة العربية قد ادي الي تناقضات جوهرية انعكست بوجود فئتين من المثقفين: ـ الثوريون وهم الذين يفكرون بالعقل المجرد، هذا العقل الذي يبقي صحيحا ما دام مجردا.. كما يقول العروي: اما اذا طبق علي الواقع فإنه يعطي الدليل الفوري علي عجزه لأن المجرد لا يعطي مقياسا للتعامل مع الواقع، وهكذا ينشأ الإرهاب. الإرهاب هو اذن في العمق ارتطام العقل المجرد بالواقع الملموس .العقل المجرد يفهم هذا حق وهذا باطل، هذا صحيح وذاك خطأ، ولا يقيم اعتبارا للممكن، ومن هنا فإن أحكامه قسرية، لا واقعية.ـ والفئة الاخري هي فئة المنبطحين، والذين يعترفون بالواقع لكن دون اية رؤية للامكانات الكامنة فيه، وبالتالي فهم يحاولون اشاعة ثقافة استسلامية متصالحة مع الواقع كيفما كان، تارة باسم الواقعية، وتارة اخري باسم الخصوصية الثقافية، او ضرورات المرحلة… والخوف من التغيير بحجة المؤامرات الخارجية.. ولسان حالهم: لماذا في مثل هذا الوقت بالذات؟ .بين هذا وذاك تقف قلة من المثقفين العقلانيين بالمعني التاريخي ، الذين يستوعبون الواقع ومحركاته، وفي نفس الوقت يمتلكون ارادة التغيير، ولهذا فهم في حالة بحث دائم عن الممكنات الكامنة في هذا الواقع، عن اساليب التأثير فيه ودفعه الي الامام خطوة، يفتشون دوماً عما اسماه ياسين الحافظ الوعي المطابق ـ المطابق للواقع والمناسب للهدف المرسوم.لكن امتلاك هذا الوعي ليس بالمسألة البسيطة والتلقائية، انها مهمة تقتضي مجاهدة النفس كما كان يقول الياس مرقص، ومراجعة المفاهيم وتطورها بشكل دائم ومستمر.ان المفاهيم لا زالت اشكالية في ثقافتنا، ليس هناك تحديد واضح وتاريخي للمفاهيم، ولعل محاولة عبدالله العروي لرسم خطوط عريضة للمفاهيم من المحاولات القليلة ان لم نقل اليتيمة في وطننا العربي. نحن نستعمل مفاهيم الايديولوجيا والحرية والدولة كل علي هواه، مفاهيم اخري كالحب والجمال تعامل كبديهيات، الديموقراطية والعدل والمساواة تخرج من سياق تطورها التاريخي.وتختصر الي شعارات تتطلب التحقيق الفوري علي صورة آخر طبعة متوفرة في السوق العالمية.استوقفني في كتاب العروي الرائع عن مفهوم الدولة معالجته الفيبرية لمفهوم أو مصطلح البيروقراطية، هذا المفهوم الدارج علي السنتنا… سيئ الصيت والسمعة… والذي يكاد يكون المفهوم الاكثر تعرضا للظلم والتسطيح من قبل المثقفين العرب، بعد قراءة العروي لا بد ان تعيد النظر بكل مفرداتك ومفاهيمك، وستتوقف عن محاولاتك لتمثل انتقادات الغربي لمفاهيمه وكأنها مفاهيمك، في اللحظة التي نحن فيها يجب ان نعامل المفهوم من منطلق وضعنا ومرحلتنا التاريخية، لا من منطلق تطور المفهوم الي نهايته القصوي في العالم المتقدم. ولا من منطلق العقل المجرد. لأن مثل هذه الاخطاء المنهجية قد تحول (علي مستوي الوعي) مطلباً مهما وأساسياً من مطالب التطور التاريخي والمجتمعي والسياسي الي عائق في وجه الإصلاح والتطوير تستوجب محاربته، وبالتالي سنشهد مظهرا من مظاهر خداع النفس وسنسقط في المثالية دون ان ندري. وهذا ما حدث مع مفهوم ومطلب البيروقراطية.ممكن ان نقرأ في كتبنا ومقالاتنا ما يلي حول البيروقراطية: البيروقراطية: وهي إحدي أهم العوائق في وجه الإصلاح والتطوير، وهي من نتائج نظام الحزب الواحد، فاستبعاد ذوي الكفاءات والمهارات ـ تحت مسمي أنهم غير أكفاء ـ والتعيين والتوظيف بناء علي المحسوبيات والولاء، أدي إلي وصول نوعية من الأشخاص إلي مراكز مفصلية في الدولة ممن يبدون في ظاهر سلوكهم وكأنهم يريدون خدمة الوطن بينما هم في الواقع لا يخدمون سوي أنفسهم ومصالحهم الشخصية الخاصة، مما زاد من اتساع الهوة بين المواطن والسلطة، كما ساهم ذلك في تكديس أعداد كبيرة من العمالة غير المؤهلة في مؤسسات الدولة، وأمثال هؤلاء لا تفيد معهم برامج التأهيل والتدريب لأن جلهم من الفسدة والمرتشين . الدكتور عمر فوزي نجاري (كلنا شركاء 18/2/2005).أو ان البيروقراطية المتفشية في حكوماتنا العربية تعيق التطور ولا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتعامل الفرد كرقم لا كانسان من لحم ودم .من الصعب ان تسمع في مناقشات المثقفين، في ندواتهم او منتدياتهم، في الصحافة او وسائل الإعلام… استعمالا صحيحا للمفهوم، البيروقراطية تهمة جاهزة تلصق دائما بكل نظام متخلف او دولة مستبدة دون حد ادني من التفكير.لكن العروي واستنادا الي ماكس فيبر يقول شيئا آخر:ـ ان اجتماعيات الدولة هي وصف عملية تكون البيروقراطية، أي دراسة حركة العقلنة .ـ ان ظهور البيروقراطية في مجتمع ما له دلالة لأنه يرمز الي تحقيق:1 موضوعية الدولة التي تفصل عن ذات السلطان.2 ـ موضوعية القانون الذي يفصل عن ذات القاضي او الولي.3 ـ موضوعية المسطرة القضائية التي تفصل عن ذات المتقاضي.4 ـ امكانية التنبؤ بسلوك السلطان والولي والقاضي وكل من له نفوذ.هذه هي شروط العقلنة. في اطار ظروف معينة، يعرف المرء مسبقا النتيجة، فيمكن ان يكيف الوسائل مع الأهداف المحددة .هنا وجب التساؤل: هل نحن العرب نعاني حقا من البيروقراطية أم نعاني من غيابها؟ويجيبنا العروي: لا تعني البيروقراطية مجموعة من الموظفين، كيف ما كانوا، بل تعني موظفين يعملون وكأنهم جيش مدني. ان ماكس فيبر هو الذي جعل من هذا المفهوم محور اجتماعيات السياسة وعلامة دالة علي اكتمال الدولة العصرية. يقول: ان مفهوم البيروقراطية يتفرع عن مفهوم الانضباط… وتفوق البيروقراطية في مجال الادارة كتفوق الآلة علي العمل اليدوي . تعتبر البيروقراطية انها الطبقة الوحيدة الموجودة وتعتبر ما سواها افرادا مبعثرين يتكتلون من حين لآخر لاسباب عابرة. لا تعرف الحرفة ولا الطبقة ولا الحومة (الحارة) ولا المدينة ولا المقاطعة، تعرف فقط الفرد المنسلخ عن محيطه المحلي والعائلي والحرفي. تشتغل متمثلة خريطة يسكنها افراد منفردون تنظمهم الادارة، متي تريد، حسب قواعد معلومة. تنفذ الاعمال في اوقات وعلي وتيرة محددة، اسبابها (أي الاعمال) معروفة ونتائجها معروفة ايضا مسبقا. فهذا العمل الذي لا يعرف الخوارق ولا ينتهز الفرص العابرة والذي يحصل باستمرار في نفس الصورة وعلي نفس الوتيرة بحيث يعود من السهل التنبؤ بحصوله، نستطيع ان نسميه عقلانيا باعتبار ان العملية الحسابية، اذا عرفت فرضيتها واذا اتبعت المسطرة المعلومة فانها تاتي لا محالة بالنتائج المتوقعة. هذا ما يعنيه بالضبط فيبر اذ يقول: ان البيروقراطية هي الوسيلة الوحيدة لتحويل العمل الجماعي الي عمل اجتماعي معقول ومنظم… انها تشجع طريقة عقلانية في الحياة، علما بأن مفهوم العقلانية يحتمل معاني جد متباينة . يتميز السلوك البيروقراطي بالمزايا التالية: التفريد، التجريد، التعميم، وهي بالذات مزايا العقل المجرد، ما اسماه هيغل بالاعقال، تلك الموهبة الانسانية التي تجزئ أي كيان الي وحدات مستقلة تطبق عليها قواعد الجمع والطرح، والتي تهتم بالكم دون الكيف. لا يعني الرياضي كون الفرد أصفر او احمر، مربعا او مثلثاً، كذلك لا يعني البيروقراطي ان يكون المواطن غنيا او فقيراً، شريفاً او عامياً، صحيحاً او مريضاً، كلا الرجلين يخضع خضوعاً كلياً للإعقال . يبدو من الصعب رفض هذه العلاقة بين الدولة الحديثة وبين عملية العقلنة، ونشأة البيروقراطية كأداة تحقيق تلك العقلنة.ان نظرة سريعة الي ما يسمي بالبيروقراطية في العالم العربي ستوضح ان: البيروقراطية القائمة لا تجسد العقلانية بقدر ما تحافظ علي العلاقات الموروثة، ما زال الناس ينظرون الي التوظيف العمومي كهبة لا كخدمة. ما زالت العلاقات بين الموظفين علاقات احسان وولاء. ما زال العامل في تحديد حجم التوظيف هو الحاجة الاجتماعية التي تنمو مع الضغط السكاني (مصر) او مع ضرورة المحافظة علي التوازنات الطائفية (لبنان)، بدون التفات الي المردود المنتظر من التوظيف، لذا لم تتحقق موضوعية القانون والدولة والمسطرة. ولم يتوحد سلوك الموظفين الي حد يمكن معه التنبؤ. ما زال سلوك كل موظف مرتبطا بذاته وبشخصية من يحاوره في شأن خدمة معينة . (العروي: مفهوم الدولة).ليست مشكلة العرب مع البيروقراطية بل مشكلتهم حتي الآن في غياب حد ادني من البيروقراطية، كل شؤون الناس في الوطن العربي تدار بالمحسوبيات والواسطة واللفلفة وتمسيح الجوخ، لا يوجد افراد متساوون أمام المسطرة القانونية، معاملات الناس تسير حسب مناصبهم وعائلاتهم ونسبهم، تغير اوضاعهم يحسب وفق منطق المعجزة وانتهاز الفرص بشكل فردي.لذلك يخلص العروي الي ان احد أهداف الاصلاح الإداري في الوطن العربي هو: إنشاء طبقة بيروقراطية بمعني عصري، أي تكوين موظفــــــين مدربين مختارين علي أساس مباراة مفتوحة للجمـــــيع، يتقاضون رواتب معلومة، ويطبقون قوانين عامة، ويخضعون لتنظيم هرمي. ينتظر من العمل البيروقراطي ان يفصل مفهوم الدولة عن شخص السلطان، ان يجرد القانون عن كل تـأثير ذاتي، أن يشيع الضبط والانضباط في المجتمع .ہ كاتب من الجولان المحتل8