المقاومة ومتطلبات ما بعد الحرب
د. محمد نعمةالمقاومة ومتطلبات ما بعد الحرب ان ما يقال في لبنان حول الانتصار أو الهزيمة أو التصدي والفشل ، أو عن المستفيد الفعلي من هذه الحرب أو من نتائجها قد يكون قسم كبير منه سفسطة اعلامية في لعبة التجاذب اليومي بين قواه المتصارعة، وهو بعيد كل البعد عن التجرد أو البحث الموضوعي. الا أن خروج الطرف المقاوم واقفا متماسكا فان هذا يبدو جليا للخصوم وللأصدقاء مما أدي بالبعض للتساؤل عما تؤول وجهته أو توجهه أثناء الهدنة أو في زمن السلم. هنا من الضروري معرفة أن كل الحروب لها مفاعيلها وارتجاجاتها وبالتالي تداعياتها. فالعمل علي أساس أن ما حدث علي الجبهة يبقي عديم الأثر والتأثير في الخلف أو الاعتقاد بذلك فهذا هو الوهم بعيــــنه. لذلك يبدو من الطبيعي أن تسعي القوي التي لم تشارك أو لم تؤيد المقاومة للصّد أو للتخفيف من انعــــكاسات الحرب علي ميزان القوي وتجلياته السياسية، وأيضا فان القوي المؤيدة للمقــــاومة من حقها الطبيعي أن تعمل علي تغيير ميزان القوي الداخلي هذا، كثمرة لمراهنتها ولاصطفافها خلف المدافعـــين عن الجنوب.الا أن المقاومة اذا أرادت أن توظف خروجها المتماسك والقوي هذا في مشروع سياسي كلي أو جزئي فان عليها قبلا أن لا تندفع نحو المنطق السياسي للفعل ورد الفعل، والذي بأقصاه لن ينتج الا اشباعا آنيا هزيل الأثر. ثم عليها الانكباب وبشكل ملح علي مقاربة استحقاق ثلاثي الدوائر المتداخلة والمتفاعلة فيما بينها، هذا ولو أن هناك الكثير من الجهود المتعددة الجنسيات احتشدت وعملت من اجل فكفكتها.الدائرة اللبنانية، صحيح انه من حق أية فئة لبنانية تثبيت أو تغيير ميزان القوي وتعبيراته السياسية العامة. الا انه يتوجب عليها البقاء تحت سقف الانتماء للوطن الواحد والحفاظ علي رباط الوحدة بين بنيه. هذا وعلي المقاومة التي أظهرت من الكفاءات والقدرات والتضحيات من اجل الدفاع عن الوطن أن تقدم مثالها وادراكها لماهية المواطنة من حيث العلاقـــــة بين الطائفة والوطن، الطوائف والدولة، الفرد والطائفة، والمواطن والوطن، هذا ولو أن القوي الأخري قد فاتها القيام بذلك أو كانت مترددة أو عاجـــــزة. علي المقاومة والتي قدرت وشكرت اللبنانـــيين احتضانهم لأهلها أن توضح كيف ستكون رؤيتها لملاقاة الآخرين عامة والمسيحيين خاصة الذين استطاعوا أن ينجزوا قفزة تاريخية في تفهمهم وتأييدهم للمقاومة. ان ملاقاة الآخرين لن تحدث الا عبر الامساك بناصية المواطنة المتفق عليها والمحبوكة من كل المواطنين وهذا لا يُنجز الا في حالة ترسيخ وتعزيز منطق التسويات بين الذات والآخر في الوطن الواحد والقانون الواحد. ففي التسوية بين المواطنين ليس ثمة اثم أو تناقض بين المصلحة الفئوية أو الحزبية المحدودة أو الذاتية البحتة وبين الاحترام المتبادل بين فئات وأفراد مجتمع ما. لا بل انه يمكننا القول بأنه ليس ثمة حرية أو حتي ثقة دون هذا التزاوج بين مصلحة الذات والاعتراف بمصالح الآخرين. هذه الحرية تأخذ معناها القيمي والأخلاقي من هذه التسوية الرمزية عينها، تسوية تقوم قبل كل شيء علي الحق بالأمن لكل من الذات والآخر. أعطيك أمنا تعطيني حريتي أو حقي بها. أعطيك حريتك تعطيني امني أو شعوري به. هنا الثقة المتبادلة تأتي كنتيجة حتمية لهذه التسوية وهذا الشعور بالأمن.ان الجهاد الأكبر للمقاومة يتجسد الآن في حياكتها، أولا، لرؤية وطنية شاملة مخصوصة لزمن السلم من حيث ايجاد بنية مفاهيمية متكاملة تقارب بها مستلزمات الوفاق الوطني، السيادة غير المرتهنة لأي كان غربا أو شرقا، الاصلاح السياسي البنيوي للدولة العادلة والقادرة والحرة، والنهوض والاعمار الاجتماعي والاقتصادي. وثانيا، لاطار ثقافي سلمي، مدني ، يوازي ثقافة المقاومة ويتناوب معها والتي بدت نجاعاتها للعيان ابان الحرب الأخيرة. اطار يأخذ بعين الاعتبار حاجة المواطن للأمن الجماعي والفردي وللاطمئنان أيضا بأن فترات اللاحرب هي محطات حيوية لحفظ توازنه ورغده. في هذا الاطار الثقافي المدني يجد المواطنون مكانهم اللائق بهم وذلك دون اقصاء أو استعلاء. الدائرة الفلسطينية، انها في قلب الحدث اللبناني ان شئنا أم أبينا. ان وجود طائفة فلسطينية ومسلحة علي امتداد لبنان لهي مسألة اكبر من أن تغفل. كل ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة له وقعه وأثره لدي هذه الطائفة التي تغرس جذورا متشعبة من التعاطف والتعاضد داخل أكثر من مذهب في لبنان تجاهها. أضف الي ذلك، حتي ولو وضعنا جانبا كل تلك الشعارات التي ملّ منها العديد من اللبنانيين، فان فلسطين ـ الرمز تبقي، في لاوعينا جميعا، قمة التقاطع بين القداسة والنرجسية، بين الحنين الحالم والجرح الغائر. وبالتالي وان حاولنا قهر هذا المعيوش أو المتخيل وقبرناه في داخلنا فاننا نبقي عاجزين عن وقف تمدد أنينها في جماجمنا. والاحتلال لا يساعدنا بتاتا في هذه المسالة. فرغم كل محاولات الفصل السياسية والأيديولوجية بين لبنان وفلسطين فالاحتلال يلفهما بسوط واحد. فلو بقي شبر لبناني واحد تحت الاحتلال فانه كاف لتقريب الواحد من الآخر. فالاحتلال هو الذي يذكرنا بان لبنان وفلسطين يتقاسمان الضرّاء ، ومن لا يريد هذا التقاسم فما عليه الا رفع سوط المحتل هذا. ان مقاومة الاحتلال في لبنان أدت دورها كاملا بالتحرير غير الملتبس وهذا حتي باعتراف الخصم. وان ما كرسته عمليا تجاه القضية الفلسطينية ومنذ سنوات الي يوم وعدها الصادق قد غرز بصماته عميقا في جسد الاحتلال وصار محفورا في ذاكرة وقلوب الفلسطينيين. لكن في مرحلة الهدوء ان تعامل المقاومة مع هذه الدائرة يجب أن يأخذ بالتأكيد بعين الاعتبار الحرص علي الأمن والطمأنينة للداخل اللبناني. الا أن لبنان ومن خلال المقاومة، له دور قد يلعبه تجاه فلسطينيي الداخل وذلك من خلال السعي الجاد للتخفيف من بؤر الانقسام والتوتر بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. ان قيادة المقاومة لها من الرصيد الشعبي والمعنوي هناك ما يؤهلها لأخذ المبادرات ليس من اجل الحرب وانما علي الأقل من اجل تعزيز وحدة الفلسطينيين ووفاقهم وذلك من خلال مقترحات أو مشاريع توفيقية تسووية فيما بينهم. فلا شك بأن كل ما يرطب الأجواء الفلسطينية ينزل علي لبنان بردا وسلاما. أما علي مستوي فلسطينيي لبنان فان المقاومة يمكنها أن تكون وسيطا موثوقا به بين المخيمات والمؤسسات الأهلية والرسمية وذلك من اجل تعميم الطمأنينة علي الجميع عبر مبادرات سياسية واجتماعية تؤمن للدولة اللبنانية حقها في السيادة وتخرج الفلسطيني من بؤسه وعزلته وتحميه، وتضمن البقاء لحلم العودة لديه.الدائرة العراقية، ان شبح العرقنة يحوم فوق رؤوس اللبنانيين وهذا ليس بظاهرة غير سوية، لان تركيبة البلد الأول تحاكي تركيبة الثاني، والقضايا الخلافية بين القوي هناك تأخذ تقريبا نفس الأبعاد للقضايا الخلافية هنا. بحيث أن قضية الاحتلال والموقف منه وقضية الدولة بعلاقتها مع محيطها العربي تأخذ نصيبا وافرا من لعبة التصارع. بالاضافة الي ذلك فان العراق يبقي في المتخيل العربي مركزا مكثف الرموز وملتقاها. بالنسبة للمواطنين السنة، فانه يرمز للتاريخ المجيد للأمة، ولخلافتها المتألقة، وبالنسبة للشيعة فانه موطئ الجماعة الأولي ومرقد المثال الأزلي. العراق يجسد في لاوعينا جميعا جرحا نرجسيا منفتحا علي التاريخ، فمنذ سقوط بغداد اثر الهجوم الصليبي واحراقها من قبل المغول وهو يرمز في مخيلتنا الي أول هزيمة استراتيجية للحضارة الاسلامية وليس فقط للخلافة العباسية. لقد أسست عندنا هذه الهزيمة وضعية دفاعية ألفية ولم نخرج منها الي يومنا هذا. فالاحتلال الامريكي للعراق قد سمح بعودة المكبوت الاسلامي. فإذ بعاصمة الخلافة تنوء من جديد تحت الاحتلال، وبالتالي فان صورة العجز والاهانة تجددت وانحبس الحاضر في سواد الماضي المؤلم.ان الاحتلال أراد من العراق الطوائف والمذاهب المتحاربة فيما بينها مثالا لنا جميعا، طريقا يجب اتباعه، وبالتالي فالعراق الحالي هو أيضا فاعل في الوضع اللبناني ويشده نحو التأزم والتشاحن. ومن يريد فصل ما يجري في العراق وبين حاضر لبنان ومستقبله هما كمن يحذو حذو النعامة. نعم وحدة العراق ووفاقه الداخلي هو تعزيز لوحدة ووفاق اللبنانيين. ان شموخ العراق الواحد المطمئن لحاضره ولغده وفي محيطه الطبيعي لهو بلسم لجراح التمذهب في لبنان. ولهذا فان اللبنانيين ، من خلال مقاومتهم وخاصة قائدها والذي احتل مكانا كبيرا في قلوب العرب، عليهم الخروج من الحيادية والرجاء الصامت الي اخذ المبادرة والعمل الفعلي لوقف النزيف العراقي والحرب الأهلية هناك. لان للبنان المقاوم صورته النقية وصوته المحترم والمسموع لدي أشقائه العرب كافة وخاصة الفلسطينيين والعراقيين. فلنتصور معا بان يقوم السيد حسن نصر الله بمبادرة تدعو قوي العراق السياسية والاجتماعية لعقد مؤتمر عزة العراق ووحدته في بيروت وتحت عباءته. ان هذه المبادرة يجب أن لا تؤخذ كبلاغ حربي واصطفافي حاد ولكن كنداء محبة وعطف وأمل بوحدة العراق وشعبه بكل أطيافه وطوائفه. وأيضا كأمنية عملية لترسيخ منطق التسويات والتسامح بين فئاته المكونة له. كم هو ذو شأن مردود هذا علي شعوبنا ان تحقق.ان ساعة هذه المقاومة والتي حلقت عاليا في خيال العرب، قد دقت من اجل نقل خبرة الحرص علي وحدة البلاد والوفاق الوطني الي من يحتاجها من العرب. ان حاجة الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين للوحدة وللوفاق لهي واحدة. والعمل لا بد أن يكون مثلث الأبعاد ومتداخلا بحيث أن الدفاع عن هذه الحاجة والذي هو عبارة عن آخر الطلقات في جعبتنا، يبدو دفاعا عن آخر مربع لوجودنا كأمة أو كحضارة. فمنذ سقوط عاصمة الخلافة بغداد ونحن نشهد تهاوي خطوطنا الدفاعية الواحد تلو الآخر. لقد أدمنّا وأدمانا هذا الدفاع التقهقري، بحيث ان فتشنا عما يلي هذا الدفاع الأخير عن وحدة أوطاننا الصغيرة، لوجدنا أن ليس ثمة شيء وراء الأفق سوي لهيب العدم. مدير مجلة مدارات غربية ـ باريس8