التاريخ والتعايش والسياسة
د. علي محمد فخروالتاريخ والتعايش والسياسةالدعوة لحوار الثقافات والشعوب لن ينجح إلا أذا بني علي أسس تاريخية ومعرفية وفكرية متينة. إن سلق ذلك الموضوع في مجموعة من النوايا الحسنة وبعض المقترحات العملية الهامشية في حقول التربية أو الإعلام أو حوارات الأديان أو المساعدات المالية لمؤسسات المجتمع المدني لن تؤدي إلي ردم الشّقوق العميقة بين الثقافات والشعوب في مؤتمر حضرته مؤخرا، وكان يسعي لتحسين الحوار بين ثقافات وشعوب شمال البحر الأبيض المتوسط الأوروبية وجنوبه العربية والإسلامية، أثيرت الكثير من القضايا بشكل ومستوي لن يؤديا في اعتقادي إلي تحقيق أهداف المؤتمر النّبيلة. دعني أبرز ثلاثة أمثلة لتوضيح ما أعني:أولا: اثير موضوع التاريخ وشدد علي أهمية أن تعرف شعوب المنطقة تاريخ بعضها البعض وأن يجري التفكير في اعادة كتابة ذلك التاريخ. كان تعليقي بأن التاريخ الذي يكتفي بسرد أحداث الماضي، ويبقي حبيس الماضي، ولايبني جدليّة بين الماضي والحاضر، يصبح عبارة عن سرد لحكايات مضت قد تثير الشفقة أو الغضب أو الفرح أو الفضول ولكنها حتما لا تفعل في الحاضر ولاتساهم في تغييره. ولذلك فان تفاخر مندوب يوناني بادخال بكائية الهولوكوست (المحرقة) اليهودية في كتبهم المدرسية مؤخرا لاقيمة له إلاُ إذا أبرز بصورة واضحة وصريحة كيف أدّت تلك الجريمة الأوروبية بحق اليهود إلي جريمة صهيونية أبشع وأكثر إجرامية بحق عرب فلسطين. عند ذاك يساهم التاريخ الماضي في بناء حوار حقيقي مع تاريخ الحاضر. والأمر نفسه ينطبق علي الكثير من احداث التاريخ الدموي ينطبق علي الكثير من أحداث التاريخ الدموي الذي اوجد العدوان وسوء الفهم من شعوب المنطقة التي نتحدث عنها. وتساءلت في الحال: هل ياتري ستقبل أوروبا أن يكتب تاريخ الهولوكوست الفلسطيني علي يد النازية الصهيونية دون أن تخاف وترتعد فرائصها من إمكانية إتهامها بمعاداة السامية وتبقي التاريخ بذلك ضمن دائرة الحكايات والأساطير والتعالي علي الحقيقة والواقع؟ثانيا: أثير موضوع التعايش مع الآخر وقبوله وضرورة تضمين ذلك في المناهج المدرسية لكل بلدان المنطقة. قلت بأن الدعوة المجردة للتعايش مع الآخر لاتؤدّي إلي نتيجة إيجابية إلاُ إذا وضعت لها موازين وشروط تحكمها، فالتعايش مع أمم تحتلّ جيوشها جزءا من وطني أو تنهب شركاتها ثرواتي أو تحتقر مؤسساتها ديني وثقافتي هو نوع من العبودية أو العدمية. وقبول الشعوب لبعضها البعض يجب أن يكون بنديّة وباحترام غير مزيّف وباحتضان الإنسان للإنسان لا باحتضان الأسد للخروف الدّامع العينين. وعليه فان قيما من مثل العدالة في تبادل المصالح والأخوة الإنسانية والمساواة في الحقوق والمنافع يجب أن تكون في قلب ذلك التعايش المشترك. من هذا المنطلق فان علي أوروبا أن تعدّل الكثير الكثير من مواقفها وممارساتها مع شعوبنا العربية والإسلامية قبل أن تطلب منا، نحن الضحيُّة، أن نتقابل معها في منتصف الطريق. أما نحن نقبل أن نعلّم إنساننا كيفيّة التعايش مع الآخر فان علينا أن نعلّّمه كيفيّة التعايش مع نفسه كمواطن يدافع عن حقوقه وكرامته ويقف أمام الآخر غير مُنكّس الرأس.ثالثا: وحمل اليوم الاخير للمؤتمر صدقين تمثلت الصدمة الأولي في خطاب وزير خارجية إحدي الدول الأوروبية وهو يدعو المجتمع المدني العربي للوقوف بشجاعة للتنديد بما أسماه الإرهاب ضد المدنيين في الكيان الصهيوني دون أن يذكر ولو بكلمه واحدة الإرهاب اليومي المنظُّم ضد المدنيين الفلسطينيين ومدنهم ومساكنهم وأشجار زيتونهم. أما الصدمة الثانية فتمثلت في تصريحات البابا بشأن الإسلام. وقد بيُّنت الصدمتان أن الهوة بين ضفتي البحرين الأبيض في الفكر والتاريخ تبدو ضئيلة وقزمة أمام الهوة العميقة الكارثية التي تفصلهما في ممارسة السياسة. وأن يأتي ذلك بعد يومين من ذكري 11 ايلول (سبتمبر) وما صاحبها من محاولة بوش إلصاق الفاشية، وهي التي مورست بكفاءة نادرة من قبل نظام واشنطن السياسي في كل أنحاء العالم، بالإسلام والمسلمين فقد تبين للجميع كم أن الحقل السياسي قادر علي تدمير الحوار علي كل المستويات الأخري.9