وفاء لذكري نجيب محفوظ وعبقريته
عبد الرحيم العلاموفاء لذكري نجيب محفوظ وعبقريتهبوفاة الأديب والروائي العالمي الكبير نجيب محفوظ تكون عبقرية عربية أخري قد رحلت عن عالمنا.وعندما أصف الراحل نجيب محفوظ بـ العبقري ، فذلك ليس مرتبطا بهذه الفاجعة الأليمة، وإنما أقصد ما يتوفر عليه الرجل حقيقة من قيمة أدبية رفيعة، وما لعبه من أدوار طلائعية كبيرة ومؤثرة في التأسيس لخطاب جديد في ثقافتنا الأدبية، من خلال كتابة الرواية تحديدا، عدا ما راكمه من إرث إبداعي كبير، وما لعبه من دور لافت في تقريب الرواية العربية من السينما، بشكل وسع معه من دائرة جمهوره العربي القارئ وغير القارئ..ولا تتوقف صور هذه العبقرية عند هذا الحد فقط، فنجيب محفوظ ظل طوال سبعين سنة من العطاء يكتب ويبدع ويطور وينوع من شكل الكتابة الروائية ومضامينها واتجاهاتها ومناهجها، بحيث وصل تأثيره الأدبي في هذا المجال مشرق العالم العربي ومغربه، وذلك بمثل مساهمة رواياته كذلك في تطوير خطابنا النظري والنقدي العربي، عبر ما راكمته تجربته الروائية والقصصية من حوارات وبرامج إذاعية وتلفزيونية، ومن دراسات وأبحاث وأطروحات داخل الوطن العربي وخارجه. فحتي ذلك الاعتداء الظلامي الذي كان الراحل قد تعرض له وكذا تدهور حالته الصحية لم يمنعاه من الاستمرار في الكتابة وإثراء المكتبة العربية والعالمية، ولو من خلال تدوين أحلامه وكتابة أقاصيص قصيرة.من ثم، يبقي الراحل نجيب محفوظ بالنسبة لكتابنا الجدد مدرسة يُقتدي بها بالنظر لما كان يتمتع به كاتبنا الراحل من نبل إنساني، وشجاعة فكرية وأدبية، وصدق فني، وبساطة اجتماعية، وتواضع أدبي، وتحد إبداعي، وانضباط للزمن والكتابة، ولكونه أيضا ظل يشكل ضميرا حيا للأمة العربية وللإنسانية جمعاء. فحتي جائزة نوبل كان الراحل قد تعامل معها بفرح غير إرادي في البداية ثم نسيها فيما بعد، لأنها هي التي سعت إليه، هو الذي لم يحصل أن عمل وأبدع من أجلها. وهي الجائزة التي جاءت، في العمق، تتويجا لصدق الكاتب فيما يعبر عنه بخصوص مجتمعه، وفيما يكتبه عن تاريخه وقضاياه وقيمه وتفاصيله وطبقاته ومشاكله وصراعاته وحقيقته ومراحل تطوره وثوراته وخصائصه وأمكنته وشخوصه ونزعاته الفكرية والإيديولوجية ومعني الحياة فيه أيضا، من أجل استشراف حرية أمته ونهضتها وتطورها ومستقبلها، بفهم جيد وبروح نقدية ورؤي فكرية وجمالية عميقة. فالذي استفاد من نوبل في الحقيقة ليس هو نجيب محفوظ وإنما الأدب العربي برمته. فبفضل نوبل تزايد انتشار الأدب العربي عالميا وخصوصا الرواية، من خلال حركة ترجمتها النشيطة، وبشكل غير مسبوق، إلي عدد من اللغات الأجنبية، حيث امتد أثر ذلك إلي روائيين وروائيات من أجيال جديدة..قد يختلف البعض مع نجيب محفوظ في بعض مواقفه وبعض كتاباته، لكنه لم يحصل أن نادي هؤلاء بمحاربته، فظلوا إلي جانبه، يستفيدون من تجربته في الكتابة وفي الحياة، بل إن كتاباته شكلت بالنسبة لهم حافزا لتطوير إبداعهم من خلالها، إلي درجة أن بعض الروائيين الجدد يعترفون اليوم بصعوبة الكتابة علي منواله.إن أجمل شيء يمكن للمرء أن يقوم به اليوم بعد رحيل أديبنا الكبير هو أن يورث أبناءه قراءة نجيب محفوظ، وهو بذلك إنما يفتح أعينهم علي فهم واستيعاب تاريخ عربي طويل، مليء بالحكايات والأحداث والحقائق والأساطير والرموز والانتصارات والصراعات والأحاسيس والتناقضات والأوهام والهواجس والأحلام، ومليء أيضا بالمتعة والمعرفة والسخرية والنكتة والدعابة..والدور اليوم يقع علي اتحادات وروابط الكتاب والمجالس العليا للثقافة في البلدان العربية لكي تجعل من ذكري رحيل كاتبنا الكبير مناسبة لعقد ندوات وملتقيات محلية وعربية وعالمية لتجديد قراءة عالمه الأدبي والسينمائي، ولنشر ما كتب من دراسات وأبحاث ما تزال مخطوطة عن أعماله، وفاء لذكراه وعظمته وعبقريته، وحفاظا علي إرثه الإبداعي والرمزي.ناقد وروائي من المغرب0