تصريحات البابا: تأملات وتذكير ببعض المنسيات

حجم الخط
0

محمد شاويش

حيث أن مشكلة تصريحات البابا الأخيرة تتكرر بصورة دورية في زماننا هذا، فهي تعيد بشكل مختلف مشكلة الرسوم الكاريكاتورية وان لم تختلف لا المقولة الأساسية (ربط الاسلام بالعنف) ولا ردود جماهير المسلمين عليها، فقد وجدت من الواجب بعد بعض التأمل في مغزي التصريحات التذكير بحقائق بسيطة ولكنها تنسي بشكل غريب عندنا:

ـ 1 ـما قاله البابا عادي من منظور التاريخ الطويل للجدل بين الأديان، وخصوصاً بين الاسلام والمسيحية، وكلام البابا هو بحق هراء من الناحية العلمية لا قيمة له، ولكــــنه عادي كما قـــــلت، فهو تكرار لهذه الجدالات العقيمة التي يسمونها في أوروبا Polemik والذين لن يعجبهم كلام البابا هم في الحقيقة علماء اللاهوت الغـــربيون الجدد الذين توقفوا منذ مدة عن الايمان بوجود دين صحيح يستطيع أن يقول عن غيره من الأديان انه باطل، وهؤلاء نقابلهم، نحن المقيمين في الغـــرب، دوماً، ويبدو أنه ليس عبثاً أن ينسب هذا البابا الجديد منذ انتخب الي التيار المحافظ في الكنيسة، فكلامه يتناقض مع التوجهات الحديثة في اللاهوت المسيحي بشتي فرقه (باستثناء الفـــرقة الأصولية الانجيلية التي لها وجود قوي في الولايات المتحدة كما هو معروف)، هذه التوجهات الحديثة التي تحاول أن تلائم المسيحية مع حالة مجتمعـــية غربــــية (بالذات في أوروبا الغربية) أهم ميزاتها الابتعاد عن الدين.

قلت: ان من لن يعجبهم المنطلق الابستمولوجي لتصريحات البابا ان جاز التعبير هم علماء اللاهوت المسيحيون الجدد هؤلاء، ولكن من الغريب حقاً أن لا تعجب تصريحات البابا قدراً كبيراً من العلماء المسلمين والجماهير الشعبية الاسلامية، وعدد من الأحزاب الاسلامانية (سواء منها العنيفة المعروفة أم السلمية كحزب التحرير)، الذين تصدوا بكل شدة لآراء التيار الاصلاحي الاسلامي الذي حرص منذ عهد محمد عبده حتي القرضاوي وزملائه في الأحزاب واسعة الأفق، كحزب النهضة التونسي وحزب العدالة والتنمية المغربي علي تأكيد الفكرة المعاكسة لزعم البابا القائل ان الاسلام انتشر بالعنف، فقد أكد الاصلاحيون علي أن الاسلام كان دين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن أسلمة الناس بالقوة تتعارض مع روح الاسلام ونصــــه الذي يؤكـــد علي عدم الاكراه في الدين، ويؤكد أيضاً علي بقاء ظاهرة الاختلاف بين البشر وأنه من سنن الله فهو لم يرد أن يجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم! (انظر سورة هود، 118ـ 119) الذين تصدوا للاصلاحيين قالوا في التهجم عليهم واتهامهم بكل التهم التي تصل الي حد الاخراج من الاسلام أكثر مما قال مالك في الخمر مؤكدين علي ضلالهم و تحريفهم وأن جهاد الطلب ركن من الاسلام وفرض!. فان كان البابا قال شيئاً يعتقدون أنه صحيح فلم الانزعاج؟

ـ 2 ـتصريحات البابا قد تدل (كما كان رأي نيويورك تايمز الأمريكية وبعض الصحف الألمانية) علي أنه شخص لا يفهم بالدبلوماسية ولا يقدر مكان تصريحاته كرأس للكنيسة وليس كمحاضر في جامعة! ولكني أدعو العرب بالذات والمسلمين عموماً لمحاولة فهم البعد العالمي المحتمل لتصريحاته التي تخطر بالبال، فتصريحات هذا البابا تجيء بعد العدوان الكبير علي لبنان الذي باء بالفشل، وتغير الموقف الأوروبي الذي كان متمايزاً نسبياً عن الولايات المتحدة في اتجاه مزيد من التقارب مع الموقف الأمريكي، وأرجو أن لا يكون البابا الجديد قرر أن يناصر الحملة البوشية علي الاسلام علي طريقته، كما ناصر البابا السابق بنجاح الحملة الريغانية علي الشيوعية، وتمكن بالتعاون الموضوعي مع كبار علماء الوهابية الرسمية في السعودية من اسقاط الشيوعية، حين تولي البابا شأن اسقاط الشيوعية في بولندا، وتولي علماء السعودية تجييش الجيوش والأموال لاسقاط الشيوعية عبر دحر الجيش السوفييتي في أفغانستان.

ومن الأمور التي تخطر علي البال أيضاً التغير الكبير في قلعة الكاثوليكية في العالم وهي أمريكا اللاتينية، وهو تغير في اتجاه اليسار يجعل القوي الشعبية الصاعدة علي أبواب الولايات المتحدة (وصل المد اليساري الجديد الي المكسيك)، ومن المميز أن هؤلاء اللاتينيين اتخذوا مواقف جذرية في القضايا العربية يقارنها المواطنون العرب بكل حسرة مع مواقف حكامهم.

ان كان الأمر كذلك، فمن الواجب علينا أن نعود لطرح تصورنا عن الصراع في العالم علي حقيقته، وهو التصور القديم الذي كان سائداً قبل المد الاسلاماني ضيق الأفق، وقرينه الذي جاء بعده وهو المد الأصولي المسيحي ـ الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي عزز من تصور الصراع في العالم علي أنه صراع ديني بين الاسلام والمسيحية (وبهذا يتوجب أن يقف المسيحي رئيس فنـــزويلا شافيز و المسيحي رئيس بوليفيا موراليس في نظر هذا التصور في صف واحد مع الرئيس المسيحي للولايات المتحدة بوش!) يجب علي الجماهير الشعبية أن تفهم أنها تخوض صراعاً مع قوي مستغلة جبارة لا ضمير لها، وأنها في صراعها ضد هذه القوي لها في العالم حلفاء يتمثلون في مئات الألوف من الشباب والناشطين ذوي الضمائر في الغرب، ومن شعوب مضطهدة مستغلة تشكل أغلبية القارات الخمس، وأن هذا الصراع ليس صراعاً للمسلمين مع اليهود والنصاري. هذه الصيغة الغبية المسيئة نتهاون في النضال ضدها مع أنها أولاً تتناقض مع روح التسامح العميقة في الاسلام وروح العدل الفريدة فيه التي تطلب من المسلم أن لا يدفعه العداء الي عدم التفريق بين المختلفين عنا في الدين، فنماثل بين محسنهم ومسيـــئهم، وبين من حاربنا ومن وقف معنا! وثانياً هي تضعف من موقفنا الأخلاقي في العالم، وتسيء الي قضايانا العادلة. وكما قال الفقير لله في مقال سابق: ليس العجب من الجلاد الذي يحاول أن يقدم نفسه علي أنه ضحية، بل العجب كل العجب من الضحية التي تصر وتجتهد بكل قواها للتأكيد أنها جلاد!

ـ 3 ـمن المبادئ الثابتة في ديننا الاسلامي مبدأ يتعلق بكيفية الجدال مع المخالفين في الدين، وهو مبدأ مقرر في القرآن الكريم. قال عز وجل ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم (العنكبوت ـ 46)، وهذا المبدأ لم يبق نظرياً بل تم تطبيقه في التاريخ الاسلامي، ومن المؤسف أن البابا لم يخطر علي باله مقارنة حالة الجدال بين المسيحيين والمسلمين في معظم حقبات التاريخ الاسلامي بحالة الجدال بين الكنيســــة الكاثوليكية ومخالفيها في معظم حقبات التاريــــخ الكاثوليكي من محاكم التفتيش الي حروب الاسترداد في اسبانيا التي تلتها مباشرة ابادة الهــــنود الحمر علي أيدي كاثوليك أولاً. لكن هذا المبدأ الاســلامي الثابت أحب أن أذكر به المسلمين أيضاً، فأين هو الجدال بالتي هي أحسن ان كنا ننفعل ونغضب ونلجأ لتدمير السفارات والمراكز المدنية الأجنبية عند كل هجوم كلامي علي الاسلام؟

ومن الطريف أن هــــذه الأفعال لا تؤكــــد خطأ قول البابا بل تؤكد صحـــته! وأعنـــي أنها تؤكد صحته للناظر السطحي طبعاً، لأن الاسلام لا يمثله هــــؤلاء المندفعون علي غـــير تبصر، ولا من يستغلهم لتحقيق أغراض محلية من حكومات فاسدة تريد نيل شعبية غير مستحقة علي أكتاف هذه الجموع المقهورة حتي النخاع من قوي الاستبداد العالمية والاقليمية.

ـ 4 ـما يزعج في ردود فعل المسلمين أنها لا تنتبه للشيء الحقيقي الوحيد الذي يجعل العالم يحترمهم ولا يبخسهم حقوقهم، ألا وهو خروجهم من حالة الانحطاط الحضاري الذي يجعلهم محتقرين في نظر الآخرين، وكل التركيز يكون علي الغضب وطلب الاعتذار من المسيئين. ماذا فعل الذين يبدؤون عادة بهذه الحملات وهم أهل الخليج لمنع هدر الثروات البترولية للمسلمين في صفقات الأسلحة التي لا تستعمل، والتي هدفها الوحيد دعم الاقتصاد الأمريكي، وفي سفاهات الأمراء وبعض الرعية أيضاً؟ أين استعمال هذه الأموال لاخراج بلدان شقيقة من أزماتها الاقتصادية الطاحنة مثل مصر وسورية والمغرب وباكستان وأندونيسيا وغيرها؟ أين السعي لتغيير السلوك المنحط بسلوك حضاري يقلب حال المجتمع ويجعله يبدأ فعلاً بالتوقف عن الانحدار وفي البدء في المسيرة الحضارية التي تجعلنا من جديد قدوة للعالم بعد أن أصبحنا القمامة التي تعافها أنظار الآخر؟ وهذا السؤال الأخير يوجه طبعاً للمسلمين جميعاً وليس للخليجيين وحدهم.

ـ 5 ـحين نؤكد علي الطابع الكلي للتسامح والعقلانية للاسلام لا نفعل ذلك، كما يظن الجهلة ومحدودو التفكير عندنا، لارضاء الآخرين، بل نفعله لارضاء ضمائرنا ولأننا نؤمن أن البديل الانساني الشامل الرافض لكل ظلم وقهر للاسلام دور كبير في بنائه وتدعيم أركانه.

ہ كاتب من فلسطين يقيم في برلين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية