اليمن: انتخابات رئاسية ومحلية باقل خسارة بشرية
صنعاء ـ “القدس العربي” ـ من خالد الحماي:
بدأ يوم الاقتراع للانتخابات الرئاسية والمحلية صباح امس بحماس ملحوظ وهدوء امني في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية، وكان الوضع الانتخابي حتي ساعة الإغلاق لعملية الاقتراع اكثر هدوءا واكثر سلاسة مقارنة بجميع العمليات الانتخابية السابقة التي اجريت خلال السنوات الماضية.
عجوز كهل، شوهد وهو يتقدم نحو لجنة الانتخابات في الدائرة العاشرة بالعاصمة صنعاء للإدلاء بصوته، علي الرغم من ان اقدامه اصبحت عاجزة عن حمل جسمه الركيك، لم يتمكن من الاستمرار في السير ما اضطر احد اقاربه الي حمله لإيصاله الي لجنة الاقتراع ومن ثم الي الصندوق الانتخابي.
حالة تكررت مرارا في اكثر من مركز اقتراع وفي اكثر من دائرة انتخابية، اعطت مؤشرا بان الوعي الانتخابي في اوساط المواطنين اليمنيين تقدم كثيرا مقارنة بالتجارب الانتخابية الاربع التي شهدها اليمن منذ 1993، ابتداء بالبرلمانية مرورا بالمحليات وانتهاء بالرئاسية.
الإدراك بضرورة الاقتراع، الوعي السياسي، الحس الامني، والقناعة باهمية الخروج باقل خسائر بشرية، كانت هي المظهر السائد خلال يوم الاقتراع للرئاسية والمحليات امس، والذي يعد الافضل من نوعه في اليمن حتي الآن.
تجوّلنا في العديد من المراكز والدوائر الانتخابية في العاصمة صنعاء وبعض المناطق القريبة منها، ووجدنا ان الهدوء الامني والحماس الانتخابي هو القاسم المشترك بين جميع هذه المراكز الانتخابية، وإن كانت عملية الإقبال علي الاقتراع تختلف من مكان الي آخر، ومن منطقة الي اخري، ومن وقت الي آخر.
لوحظ عدم حمل السلاح البتّة حتي في المناطق البعيدة عن المدينة، تفتيش دقيق لجميع الناخبين اثناء دخولهم مراكز الاقتراع، وانخفاض التجاوزات الانتخابية او الفوضي التي كانت ترتكب في السابق من قبل بعض مؤيدي المرشحين داخل المراكز الانتخابية.
الالتزام بعدم حمل السلاح خلال يوم الاقتراع، والذي دعت إليه اللجنة العليا للانتخابات بإعلان (يوم الاقتراع.. يوم خال من السلاح) بدا جليا في كل مكان، وهو ما اسهم بشكل كبير في تقليل اعداد القتلي والجرحي او ضحايا العملية الانتخابية، وإن كانت هذه القضية ستظهر بشكل اكثر جلاء اثناء عملية فرز الاصوات، والتي تشهد عادة مشادات قوية ومواجهات ساخنة بين مؤيدي المرشحين، إثر الخلافات التي تتصاعد عادة علي عملية نقل صناديق الاصوات وكذا علي عملية فرز الاصوات.
الناخبون اليمنيون توفدوا الي مراكز الاقتراع منذ الصباح الباكر، اي من قبل بدء عملية الاقتراع بساعة او ساعتين، سواء في المدن او في الارياف، ولكن مع اقتراب ساعة الظهيرة خف الازدحام، حيث بدا الناخبون بالتوجه الي مراكز اخري وهي اسواق القات، لشراء احتياجهم من مادة القات، لمضغها بعد الظهيرة، ومن ثم مواصلة نشاطهم الانتخابي الساخن.
لوحظ ان الكثير من النشطاء السياسيين من مختلف الاحزاب، لم يذوقوا طعم النوم خلال الليلة السابقة لليلة الاقتراع، ربما لترتيب الوضع الانتخابي في دوائرهم وحث انصارهم علي الذهاب للاقتراع وكذا محاولة كسب انصار جدد والتاثير عليهم في الساعات الاخيرة التي تعتبر اكثر تاثيرا علي قرار الناخبين، واستعان الجميع في الحصول علي المزيد من هذه الطاقة بمضغ مادة القات التي ساعدتهم علي السهر لايام متواصلة. الناخبون اليمنيون ادلوا باصواتهم في ثلاث بطاقات انتخابية الاولي لانتخاب الرئيس والثانية لانتخاب ممثليهم في المجلس المحلي للمحافظات والثالثة لانتخاب ممثليهم للمجالس المحلية للمديريات.
بطاقة الاقتراع الرئاسية احتوت علي خمسة اسماء، وهم علي الترتيب علي عبد الله صالح، ياسين عبده سعيد، احمد مجيد المجيدي، فيصل عثمان بن شملان، وفتحي العزب، وإن كانت المنافسة انحصرت بين مرشحين اثنين وهما مرشح حزب المؤتمر الحاكم علي عبد الله صالح ومرشح تكتل احزاب اللقاء المشترك المعارض فيصل بن شملان. وفي الوقت الذي كان فيه الإقبال كبيرا علي الاقتراع خلال فترة الصباح لوحظ فتور شديد في الإقبال بعد الظهيرة وبالذات من قبل الرجال، والعكس تماما بالنسبة للنساء، حيث كان إقبالهن متواصلا حتي في فترة ما بعد الظهر، حتي ساعة الإغلاق التي حددت بالسادسة مساء، إلا ان تراجع الإقبال من قبل الكثير من الرجال وعدم تمكن الكثير من الإدلاء باصواتهم اضطرا اللجنة العليا للانتخابات الي التمديد ساعتين اضافيتين، اي حتي الساعة الثامنة مساء.
ولا يعني هذا ان الهدوء الانتخابي كان سيد الموقف في كافة الدوائر الانتخابية، فقد شهدت دوائر العديد من المحافظات اليمنية اعمال عنف محدودة إثر مواجهات بين الناخبين من مختلف الاتجاهات السياسية او إثر خلاف مع المشرفين علي عملية الاقتراع، ما ادي الي مقتل 3 اشخاص في كل من محافظتي عمران وتعز، وإصابة العديد من الناخبين بجروح بليغة، كما ادت المشادات والمواجهات الي توقف عملية الاقتراع في العديد من المراكز الانتخابية، والي انسحاب مندوبي مرشحي احزاب المعارضة من العديد من المراكز الانتخابية لاكتشافهم بعض الخروقات الانتخابية، وفقا لمصادر المعارضة. الانتخابات اجريت وسط إجراءات امنية مشددة، حيث خصصت اللجنة العليا للانتخابات نحو 100 الف جندي من رجال الامن والجيش لحماية العملية الانتخابية، التي كلفت اكثر من 10 مليارات ريال (الدولار يساوي 197 ريالا)، كلفة الحماية الامنية منه سبعة مليارات ريال، فيما بقية المبلغ تكاليف العملية الانتخابية ذاتها. وفي هذا الصدد اعلنت احزاب المعارضة امس عن العديد من الخروقات الانتخابية، من ضمنها ان الحرس الجمهوري اعتقل مرشحين ينتمون لاحزاب المعارضة وبعض رجال الامن يهددون الناخبين، والدعاية الانتخابية لحزب المؤتمر الحاكم تتواصل داخل لجان انتخابية في محافظة ريمه اثناء عملية الاقتراع علي الرغم من حظرها قانونيا، واقتراع علني في بعض دوائر محافظتي تعز وصعده، ونتائج بلا اقتراع في بعض مراكز محافظة الجوف، واحزاب اللقاء المشترك المعارضة حذرت من انفجار الوضع في منطقة ضوران بمحافظة ذمار.
الرقابة المحلية والإقليمية والدولية علي الانتخابات اليمنية كانت اكثر كثافة من ذي قبل، حيث قدر عدد هيئات الرقابة بالعشرات واعضائها بالآلاف ولكن حضور اعضائها لا زال محصور في المدن، بينما لم يتمكنوا من الانتقال الي الارياف بسبب قلة ذات اليد، وعدم توفر وسائل النقل التي تقلهم الي المناطق الريفية، بالإضافة الي المخاطر التي قد تصاحب انتقالهم الي الاماكن البعيدة عن مراكز المدن، وبالذات في المناطق القبلية.