مؤتمر ستوكهولم وتوقعات اللبنانيين
د. لويس حبيقةمؤتمر ستوكهولم وتوقعات اللبنانيين يدل مؤتمر السويد لدعم لبنان علي اهتمام المجتمع الدولي بالوضع الداخلي الدقيق. هنالك شعور دولي بالذنب تجاه لبنان الذي ترك عن قصد أو غير قصد يواجه منفردا الجيش الاسرائيلي المجهز بأحدث التقنيات والأسلحة. هنالك شعور دولي بضرورة مساعدة اقتصاد الـ 20 مليار دولار الذي يواجه اقتصادا اسرائيليا أحدث و6 مرات ونصف أكبر منه (130 مليار دولار). أما الناتج الفردي الاسرائيلي فيبلغ أكثر من 4 مرات مثيله اللبناني. كيف يترك اقتصاد ضعيف يواجه اقتصادا قويا مدعوما من الغرب وخاصة أمريكا؟ هنالك شعور دولي بالتقصير تجاه عملية السلام في المنطقة والذي يدفع ثمنه لبنان. ان استمرار الحصار الاسرائيلي مضر جدا وسيترك آثارا سلبية كبري علي مستقبل العلاقات الاسرائيلية ـ العربية. كيف يمكن للبنان أن ينفذ ما هو مطلوب منه في القرار 1701 وهو محاصر وفي وضع اقتصادي ضيق ومعرض للانفجار؟ هل تريد اسرائيل فعلا العيش بهدوء وسلام مع دول المنطقة؟ أم تريد العيش في حروب دائمة ومستمرة؟ هل ترغب اسرائيل فعلا في التسوية أو السلم وهي تستفيد ماليا وسياسيا جدا من الحرب؟رقم الـ 500 مليون دولار الذي حصل عليه لبنان في مؤتمر السويد هو أقل من عشر الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي أصابت لبنان واللبنانيين. المهم أن تحسن الحكومة انفاق هذه المبالغ علي من يحتاج اليها حتي يستطيع لبنان الحصول علي هبات أكبر في المستقبل القريب. الكرة هي اذا في ملعب الحكومة، ولنا مصلحة جميعا في أن تنجح في تسجيل أهداف خير لمصلحة كل اللبنانيين. المهم أن تقود الحكومة عملية الاعمار بشجاعة وشفافية، وأن تدعمها كل الأحزاب والجمعيات والتيارات لأن ما يجري اليوم هو فوق السياسة وأهم منها بكثير.بالرغم من دعم المجتمع الدولي لموقف لبنان في مؤتمري روما وستوكهولهم وغيرهما، لا يزال الحل المناسب بعيدا. فالقوات الدولية متأخرة بعض الوقت والحصار مستمر بالرغم من تدخل الأمم المتحدة بحدة لرفعه. لذا تبدو توقعات المواطن العادي سلبية بشأن الحل المرتقب. بالنظر الي تحركات المواطنين العادية في الأعمال، يظهر القلق والشك واضحين علي الوجوه والتصرفات والتوقعات. لقلب هذه التوقعات، لا بد وأن تظهر بسرعة خطوات عملية دولية ومحلية تطمئن المواطن الي المستقبل. عندها تعود الحركة الاقتصادية تدريجيا الي سابق عهدها وتعود الاستثمارات الداخلية والخارجية. أما اذا صدقت توقعات المواطنين، فسيسوء الوضع بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وستنتج عنه هجرة أدمغة وعمال.اقتصاد لبنان هو دون شك اقتصاد الفرص الضائعة. بينما كان لبنان غارقا في حروبه، كانت دول أمريكا اللاتينية وشرق آسيا وغيرها تدخل أفضل التكنولوجيا اليها وتستقطب السواح والاستثمارات وتنمو بنسب عالية. لا يكفي أن نحتسب الخسائر البشرية والمادية المباشرة عندما نقيم الضــــرر الذي لحق بنا، انما يجب اضافة مجموع الفرص الضائعة التي تذهب الي دول أخري. مصائب قوم عند قوم فوائد وهذا يكون عموما في كل الاتجاهات. بعض أسباب ضياع الفرص تقع خارج ارادتنا ومرتبطة بالمصالح الاقليمية والدولية.يحتاج لبنان الي ضخ مالي جديد عبر مساعدات وهبات واستثمارات في كل القطاعات. من غير المسموح أن يدخل الفساد ويتدخل الفاسدون في عمليات انسانية ومالية بهذا الحجم. نعرف جميعا تأثير الفساد سلبا علي حرية الأسواق واحترام القوانين وسلطة الدولة ومستوي التنمية. ليس هنالك أي قلق بشأن مصادر أموال الاعمار اذ ستكون بأكثريتها عربية. نذكر هنا أيضا أن المنطقة العربية تحتوي علي غني خاص كبير جدا، وبالتالي هنالك امكانية لجمع التبرعات كما فعلت السعودية والامارات وغيرها خلال الحرب العسكرية.تعاني مؤسساتنا اللبنانية الرسمية من الاهمال والهدر والفساد. ما يؤلم اليوم هو وجود العديد من المحتكرين الذين يسعون الي استغلال المواطن في وقوده وسلعه الغذائية ودوائه وخدماته العادية. كيف تغيب الأخلاق في مجتمعات مؤمنة تفاخر بمذاهبها وتعاليمها؟ في هذه الأزمة الكبيرة وكما في كل الأزمات، يحتاج المجتمع الي أفكار جديدة، اذ أن القديمة جربت وفشلت أو كانت خاطئة ومضرة. فالأفكار الخيرة تخفف التقلبات وتزيد الفرص وتقوي الأمل في المستقبل. تساهم الأفكار الجديدة في جمع المجتمع حولها فتقوي المصالح المشتركة العامة. في وضعنا المؤسساتي المقلق، تشكل الأفكار الصائبة نوعا من السلاح الذي يدفع باتجاه الحلول والنتائج الفضلي. تؤسس الأفكار الجديدة لاقتصاد حديث يرتكز علي مؤسسات عامة متجددة خالية من الفساد وتعتمد علي مبادئ المحاسبة والشفافية. تشير التجارب الدولية الي أن الأفكار المدروسة المطبقة تساهم في تثبيت الاستقرار ورفع مستوي الرفاهية في المجتمع. يحتاج الاقتصاد اللبناني اليوم أكثر من أي وقت مضي الي قبول وتنفيذ أفكار ومشاريع جديدة منتجة تساهم في اعادة الحيوية اليه وتعزيزها.عندما تنتهي هذه الحرب بكل أشكالها ونتائجها، لا بد من معالجة العديد من المشاكل الخفية التي ستظهر علنا بقوة. مشاكل المجتمع اللبناني ليست فقط سياسية وانما أيضا ثقافية واجتماعية يجب معالجتها كلها بهدوء عبر الحوار والتنافس الديموقراطي. يجب أن نبرهن للعالم أننا نتفاعل في ظروف تعايش حضارات وليس صراع حضارات. طبعا ستكون هنالك وجهات نظر مختلفة بشأن الحلول وفعاليتها وسرعة تطبيقها. هذا طبيعي ومنتظر في مجتمع ديموقراطي متنوع. في كل الدول هنالك مدارس سياسية واقتصادية واجتماعية متصارعة تخسر أو تربح في انتخابات حرة. اذا فشلت، تأتي غيرها لتحاول تطبيق سياسات أخري ربما تكون أجدي وأفعل. في أمريكا يخرج الديموقراطيون ويدخل الجمهوريون والعكس. في فرنسا يدخل اليمين ويخرج اليسار والعكس صحيح. أما في بريطانيا، فيدخل حزب العمال ويخرج المحافظون والعكس صحيح أيضا.ستحتاج الشركات اللبنانية الي بعض الوقت قبل الاقلاع من جديد، من هنا أهمية ضخ أموال كافية لاعادة اعمار البنية التحتية المدمرة ومساعدة الأفراد والعائلات والشركات المتضررين. التحديات العاجلة التي تواجه لبنان والتي ستؤدي معالجتها الي قلب التوقعات الشعبية السلبية هي:أولا: ايجاد حلول لديون الشركات حيث تتراكم الفوائد مع توقف الأعمال. يجب حل هذه المشاكل بين المصرف والشركة، اذ لكل شركة ولكل مصرف أوضاعه الخاصة. يجب أن يكون نظر المصرف بعيد المدي أي يساعد الشركة علي الاستمرار ولا يدفعها الي الافلاس، وبالتالي يخسر الزبون وربما الأموال أيضا.ثانيا: أوضاع العمال التي لم تكن مزدهرة قبل 12/7 وزادت سوءا في هذه الفترة. ما يدعو للعجب أن بعض الشركات بدأت مباشرة بتسديد جزء من الأجور وليس كلها. هل هذا مقبول في هذه الظروف الأليمة واين هي المسؤولية الاجتماعية للشركات ولقطاع الأعمال؟ يمكن أن نفهم تطبيق هذا الاجراء لو استمرت الحرب أشهرا، الا أننا لا نفهم أن تقوم الشركات بهذا الاجراء بدءا من الشهر الأول. المطلوب الكثير من التضحيات والوعي والتضامن الاجتماعي.ثالثا: معالجة أوضاع الفقراء التي زادت سوءا بفضل النزوح والبطالة. تكمن المعالجة السريعة والآنية في ضخ الكثير من الأموال في الاقتصاد وخاصة في تصحيح الأوضاع المعيشية المباشرة للفقراء. تشير الدراسات بشأن محاربة الفقر الي الدور الذي تلعبه الزراعة في تأمين لقمة العيش. لا يمكن تحقيق نمو مستمر بوجود بؤساء وفقراء ونازحين وموجوعين ومتضررين من هذه الحرب. المطلوب، أيا كانت أفكارنا السياسية وانتماءاتنا المتنوعة، مساعدة الدولة والمؤسسات غير الحكومية علي القيام بواجباتها الخيرة علي أكمل وجه.ہ كاتب من لبنان8