السيد الرئيس لم يقرأ رسالتنا جيداً
د. عبدالوهاب الافنديالسيد الرئيس لم يقرأ رسالتنا جيداً(1)في نهاية خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة امتدح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الرسالة التي وجهت إليه من نفر من المفكرين والأكاديميين العرب (وكنت واحداً ممن شاركوا في صياغتها ومهروها بتوقيعاتهم)، ووصف من كتبها بـ الشجعان . ولست أدري وجه الشجاعة في صياغة رسالة مفتوحة للرئيس الأمريكي تطالبه بالوفاء بتعهداته التي قطعها علي نفسه بسحب الدعم عن الدكتاتورية في العالم العربي. الشجاعة الحقيقية تتأتي لو كنا وجهنا الرسالة لزعيم عربي نطالبه بذلك كما فعل بعض إخوتنا في سورية أو السعودية، فأصابهم ما أصابهم.(2)ليس من عادتي المشاركة في الرسائل الجماعية. وقد امتنعت في مناسبات أخري كثيرة عن التوقيع علي رسائل تدين الإرهاب أو ما إلي ذلك، لأن معظم هذه الرسائل في الغالب إما تؤكد علي بديهيات لا تحتاج إلي تأكيد، أو تعطي الانطباع بالسير في زفة ما. ولا أبغض شيئاً بغضي للمشي في الزفة. (3)ولكن عندما طرح الأخ الصديق د. رضوان المصمودي رئيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية في واشنطن منذ بضعة أشهر فكرة إرسال خطاب مفتوح إلي الرئيس الأمريكي بوش تذكره بوعوده التي لم يتحقق منها شيء في دعم الديمقراطية في العالم العربي، رأيت أن الأمر يستحق الاستثناء من القاعدة التي سرت عليها حتي الآن. ذلك أنني كنت قد خلصت في تعليقي علي السياسة الأمريكية الخاصة بنشر الديمقراطية في الورقة التي أعددتها لمعهد بروكينغز ونشرت في تشرين الاول (أكتوبر) الماضي إلي الانتقاد يجب أن يوجه ليس إلي فرط حماس إدارة بوش لخلق شرق أوسط جديد تسوده الديمقراطية، بل إلي كونها لم تفعل شيئاً يذكر لتنفيذ تهديداتها إياها.(4)بعد تداولات مكثفة حول النص المقترح، توصل الجميع إلي صيغة مرتضاة، تبدأ بتذكير الرئيس الأمريكي بتعهده الذي قطعه بدعم المدافعين عن الديمقراطية وعدم التخلي عنهم أو التماس الأعذار لمضطهديهم، وتعلن تخوفها من تراجع الولايات المتحدة عن هذه السياسة، خاصة في ظل تعالي بعض الأصوات التي تدعو إلي التريث بعد أن جاءت رياح الانتخابات في فلسطين وأماكن أخري بما لا تشتهي السفن الأمريكية. وتقول الرسالة إن ما ظهر من تخاذل أمريكي عن دفع تلك السياسة بقوة قد يشجع الطغاة في العالم العربي ويدفعهم لمزيد من الانتهاكات كما نري في مصر وغيرها. ولم تنس الرسالة أن تذكر سيادة الرئيس بأن المشكلة التي تواجهها السياسة الأمريكية في العراق لم تتأت لأنها سعت لنشر الديمقراطية هناك، بل بالعكس، لأن ممارساتها هناك قصرت كثيراً عن مبادئ العدل والحرية التي تنادي بها أمريكا.(5)بخلاف الإشادة المقتضبة برسالتنا في آخر خطاب الرئيس بوش فإنه لا توجد في بقية خطابه اي دلالة علي أنه قرأ الرسالة أو فهم فحواها، بل بالعكس. فخطاب الرئيس من أوله إلي آخره دعم للطغاة والتماس الأعذار لهم، بل والإشادة بما فعلوه. فحينما يمتدح الرئيس الانتخابات البلدية في السعودية والانتخابات الرئاسية في مصر والإصلاحات العرجاء في البحرين، ويقدم هذه النماذج الشائهة علي أنها تقدم علي طريق الديمقراطية فإنه في الحقيقة يسخر من آلاف المناضلين الشرفاء الذين يواجهون الآلة القمعية في هذه البلدان، ويشارك أنظمتها المحاولة الفاشلة للضحك علي الذقون. (6)إننا نتوقع أن يعترض الكثيرون علي مجرد فكرة توجيه رسالة مثل هذه إلي الرئيس الأمريكي في هذا، باعتبارها تعطي مصداقية غير مستحقة للمزاعم القائلة بأن الإدارة الأمريكية جادة في نشر الديمقراطية في المنطقة. وهناك الاعتراض الآخر بأن الديمقراطية لا تستورد والحرية لا بد أن تنتزع انتزاعاً. ولكن هذه الاعتراضات تتناقض مع الاتهامات السائدة لأمريكا بأنها أساس المصائب في بلادنا، كما أن القول بأن الديمقراطية لا تستورد تستصحب ما يقوله المستشرقون بأن ما نحن فيه من عبودية واستبداد هو من صنع أيدينا، وأننا نستحق ما نحن فيه حتي نتأهل بعد قرون للحرية والديمقراطية.(7)ليس هناك ما هو أبعد من الحقيقة من هذا المزعم، لأن الاستبداد هو المستورد عندنا شأن كل ما يسنده، من أسلحة الشرطة وأدوات التعذيب والتصنت والغاز المسيل للدموع، وانتهاءً بعائدات النفط والمعونات التي تستخدم لشراء الذمم. الاستبداد القائم في بلادنا لا يعتمد علي الخارج مادياً فقط، بل معنويا أيضاً، حيث يستمد شرعيته من دوره في خدمة مشاريع الخارج. الحكام عندنا لا يخافون الله ولا يحترمون شعوبهم، ولكنهم يرتعدون فرقاً إذا كتبت النيويورك تايمز نصف افتتاحية تفضح أفعالهم الشائنة.(8)لكل هذا فإننا نري أن تحييد الإدراة الأمريكية في الصراع الدائر بين الشعوب وحكامها هو أمر في غاية الأهمية. وإن أضعف الإيمان هو أن تتخذ الإدارة الأمريكية موقفاً حازماً ضد اعتقال الناشطين المدنيين والسياسيين ودعاة حقوق الإنسان في الدول الموالية لها. ولهذا رحبنا بإعلان بوش قبل ثلاثة أعوام بأن الولايات تابت عن إثمها القديم في دعم الطغاة في بلادنا، وخاب أملنا حين لم يتبع القول بالفعل. وقد كان هدف رسالتنا هو تذكيره بذلك الالتزام والتعبير عن خيبة أملنا لأنه لم يتبع القول بالفعل. وقد جدد بوش في خطابه الأخير هذا الالتزام، ولكن يبدو أن تفسيره له ما يزال فضفاضاً، مما قد يستدعينا تدبيج رسالة أخري له في الأسابيع القليلة القادمة لتوضيح رأينا بصورة لا لبس فيها، ولنقول له إننا لا نقبل بأقل من رفض واضح لسياسة اعتقال والتنكيل بالمعارضين المسالمين والحجر علي حرية التعبير في الدول الموالية لعرشه. وليترك الباقي لنا بعد ذلك.9