رحلة الي مدريد: الحكمة والخوف اللذيذ واستحضار التراث الاندلسي

حجم الخط
0

رحلة الي مدريد: الحكمة والخوف اللذيذ واستحضار التراث الاندلسي

عزيز الحداديرحلة الي مدريد: الحكمة والخوف اللذيذ واستحضار التراث الاندلسيكنت أحب مدريد وأتمني العيش فيها مدي الحياة، لكن سفري الأخير جعلني أقتنع بأن هذه المدينة قد تحولت إلي شبح حقيقي يتجلي في الخوف، في عدم الاطمئنان، خاصة في النظر إلي الاخر باعتباره آخر.هكذا تجد نفسك وحيدا مع الواحد متشبثا برغبتك في الحوار، في التعايش، والتسامح لا لشيء إلا لأنك قادم من المغرب، من بلد الهجرة والإرهاب، بيد أن إصرارهم يجعلك تشعر بالاغتراب، وربما بالندم لأنك تبدو مزعجا تشوش راحتهم وهدوءهم وتهدد اطمئنانهم.كانت الرحلة إلي مدريد شبه ممتعة، ولكن بمجرد ما وصلت إلي هذه المدينة الجميلة شعرت بالاغتراب المطلق، وتحولت إلي سفير للمحبة المستحيلة للحوار بين الثقافات والتعايش بين الحضارات، بيد أنني اقتنعت أنه من المستحيل تحقيق ذلك مع سكانها الذين ينظرون إليك بخوف وتحفظ لافت للانتباه، هل حقق الإرهاب العقائدي مبتغاه، هل بدأ يشكل سلطة الخوف ويتحكم في مصيرنا، ويعبث بالتاريخ العريق الذي يجمعنا بالاسبان؟ هل بات من اللازم اعتبار ما قام به أشخاص ينتمون إلي التتر الثقافي مجرد لحظة عابرة أو مجرد صدفة رديئة، أم انه الحقيقة؟ لقد نزلت بمطار براخاس الجميل الذي يرمز إلي أرقي ما وصلت إليه هندسة ما بعد الحداثة ووجدت القديس خوان مارتوس مدير الدراسات العربية والإسلامية بجامعة كومبلتينسي بمدريد وزوجته الأستاذة ماريا ديلكارمين التي تدرس الرياضيات بجامعات القديس باولو في انتظاري، وقد كان اللقاء بهما متعة حقيقية بدأت مبكرة منتعشة تسعي إلي استحضار ذلك التراث المشترك الذي تم نسيانه وإلحاقه بالعدم. هكذا تحدثنا عن الحلم الأندلسي وفلاسفته وشعرائه ومتصوفيه إلي أن وصلنا إلي لحظة الصمت والألم الناعم، إذ ما معني ان تكون منتسبا إلي ماض عريق وجميل وحاضر مؤلم وكريه؟ بعبارة أخري ما الذي جعل الحاضر القاتم يخفي ذلك الماضي المتنور الرائع؟، بل أكثر من ذلك ما الذي جعل جماعة من الناس لا تؤمن بالحداثة والعقــــلانية وغريبة عن مجتمعها لا تؤمن بالاخر تشـــكل ستارا مظلما بين شعبين يقتسمان نفس التاريخ ونفس القدر في الوجود؟ بل ما معني أن تكون المدينة جميلة ومشرقة وسكانها عبارة عن قطع ثلج ولهم رؤي استبدادية مشبعة بالبغض؟ هل الحداثة هي ان تؤسس، عمارة باهرة ومدهشة، وإنسانا باردا متوحشا وقاتلا في لامبالاته؟كنت أتجول في مدريد باحثا عن باب الشمس وعن Plaza Mayor، متسكعا بين شوارعها الجميلة، ملتمسا المعذرة إلي تلك الحسناوات اللواتي تحولن إلي مجرد دميً فارغة من الدلالة والمعني، ذلك أن الخوف من الوجود ومن الاخر أفقدهن تلك الابتسامة الأنثوية الجميلة.كان اللقاء في جامعة الكومبلتنسي حميميا، حيث ان مدير شعبة الدراسات العربية ومدير شعبة الفلسفة رفائل رامون جيريرو والعالم المحقق للتراث الرشدي جوزيف بويح كانوا في انتظاري من أجل تقديم محاضرة في موضوع ابن رشد وحوار الثقافات فهذا العنوان قد يبدو مثيرا للدهشة والحيرة، وقد يبدو ملتبسا، إذ ما علاقة ابن رشد بحوار الثقافات، وهل يمكن اعتبار هذا الجمع مجرد رغبة في إثبات الذات، ام أنه عبارة عن حلم لا متناه وصعب التحقق؟ولا أخفيكم ان مدريد قد جعلتني أشك في تلك المقولة الشهيرة لديكارت التي تقول بان الجنس البشري واحد، والدليل علي ذلك أن العقل أعدل قسمة بين الناس، هكذا كبر في قلبي ذلك التساؤل الاونطولوجي وهو ما معني ان يكون وجودك صفرا من المعني، أي ما معني ان تكون موجودا ومنعدما في نفس الوقت؟ ان السكن في الاغتراب والإقامة في الغياب هما بمثابة بوابة علي العدم باعتباره لا وجوداً والمسافة بين الوجود واللاوجود هي أقرب مسافة يعيشها الإنسان حين يكون غريبا في تلك المدن الحداثية المتوحشة في العزلة ولذلك يسعي إلي استنبات أهل اخرين فيقفون أمامه كالأشجار ثم يصير لهم ظل يحاول الاختباء فيه فيتحول إلي طفل يقوم باستدعاء ذكرياته، هكذا تتحول الأحلام إلي تجليات ويصير للمكان فيوضاته وكشوفاته، وربما قد يتحول إلي ما بعد المكان أي إلي مكانة بلغة ابن عربي، حيث ينتقل من العيان إلي الحواس والعواطف النبيلة.أقول لكم بأنني لم أجد في مدريد ماء البحر ولا الكبريت الأحمر، بل مجرد كائنات تسكن في كينونتها وقد حققت شبه قطيعة مع الخرافة والأساطير القاتمة، علي الرغم من ان في مدريد أيضا أشقياء يعيشون حياة شقية تنحصر في ذلك الثلاثي المأساوي ميترو، شغل، نوم، كما أن هناك متطرفين يمثلون مرحلة ما بعد الصليبية، فالآخر بالنسبة إليهم مجرد كائن عقائدي، أو يمثل ديانة مضادة لديانتهم. ان التطرف الديني هو أخطر تطرف ينذر بنهاية العالم، ولذلك أصبحت الجامعات تعرف دينيا وليس ثقافيا، وتحولت العقيدة إلي حزب سياسي دائم يقدم وعودا للمخلصين بان لهم إقامة جميلة في العالم الاخر، كما تفعل الأحزاب السياسية العابرة حين يقوم برنامجها علي الوعود والأحلام.جامعة الكومبلتنسيمذاق الدهشةحلم جميل تفتقده في نفس اللحظة التي تتشبث به، تسعي ان تتعقب خطي الفيلسوف الاسباني ارتيغا الذي يقف تمثاله شاهدا علي دخولك إلي جامعة كومبلتنسي بمدريد، هكذا تنظر إليه وتتساءل عن أحوال الفلسفة هنا، هل تعيش الاغتراب، أم أنها توجد في بيتها؟لكن من سيجيبك عن هذا السؤال، هل أتوجه إلي طلبة الفلسفة ام إلي الأساتذة! اخترت ان أرتاح قليلا في المقهي الفلسفي التابع لكلية الفلسفة وهو تقليد رائع من الصعب ان نحلم به في المغرب. تجد الجميع في حوار مسترسل تلتقط من خلاله بعض الأسماء كأفلاطون أو ديكارت وهيغل وانامونو وسارتر. هكذا تجد نفسك علي حافة الرغبة في مشاركتهم واقتسام نكهة الحديث عن تاريخ الفلسفة وعن رموزه معهم، بيد ان الحياد يمارس سلطته، ذلك ان سارتر لم يترك لنا فرصة التمرد علي تلك المقولة الشهيرة، الاخر جحيم!. والواقع ان الغرب بشكل عام قد أصبحت عنده رؤية إرهابية للاخر، خاصة ذلك القادم من تلك الأرض التي ينتشر فيها الإسلام، فالاخر بالنسبة إليهم هو الغريب الذي يكون مزعجا، مخيفا، ولذلك ينبغي الابتعاد عنه ما أمكن. هكذا تجد نفسك تسكن في الغياب، وتقيم في الصمت، وتتخذ من الحوار الداخلي وسيلة، او ربما غاية لكي لا تشعر بأنك قد تحولت بالفعل إلي مجرد جحيم، وتتساءل ما الذي أبعد الإنسانية عن المحبة وفضيلة الحوار والتعايش مع الاخر، هل بإمكان الفلسفة باعتبارها محبة للحكمة ان تعيد الأمل إلي قلوب الناس، وتجعلهم يؤمنون بتلك العبارة الشهيرة لرامبو، الأنا هو الاخر.لعل أول ما يجعلك تعتقد بان للفلسفة مكانة راقية ومرتبة أسمي وأنبل واشرف في هذه الجامعة، هو تخصيص كلية كاملة للفلسفة: كلية الفلسفة معني ذلك ان عدد الطلبة والأساتذة سيكون مرتفعا لأن المجتمع الاسباني في حاجة إلي الفلسفة وإلي عدد كبير من الفلاسفة من أجل تحديث بنياته ونشر العقلانية باعتبارها اللبنة الاولي لكل ديمقراطيقة. ومن المخجل ان نقارن هذه الكلية بشعبة الفلسفة الحزينة بفاس أو شعبة الفلسفة بالرباط.هكذا تجد نفسك تعانق خيبة الأمل مندهشا كالطهطاوي الذي حاول ان يلخص الابريز من باريز فسقط في لعبة الإغماض، فقال معلنا عن تخلفه لو كان للجنة عاصمة لكانت باريس، لأن كل شيء فيها جميل لكن ينقصها الإسلام فتحقيق الكمال بالنسبة إليه سيتم لو اعتنق أهل باريس الديانة الإسلامية. لعل هذه الرؤية التي لا تري الا من خلال الستار وتسعي إلي المزج بين الحياة والعقيدة، وبين العقيدة والزمن والمكان لا تزال تستمر إلي يومنا هذا، بل هي المسؤولة عن صراع الحضارات وعدم تعايش الثقافات وانعدام الحوار بين الانسانية، بل وتحويلنا إلي مجرد كائنات خرافية مخيفة ومزعجة يرغب الكل في الابتعاد عنها، فبدلا من ان تتخذ من الثقافة مقياسا للتفوق والتنافس لكي تساهم في تحديث المجتمع ودفعه نحو التقدم والازدهار سواء الثقافي، أو السياسي، والاقتصادي تم اختيار الانغلاق حول الذات والايمان بالتفوق العقائدي وعدم الاعتراف بالاخر لأنه يمثل عقيدة أخري مغايرة لنا.سلامنكا مدينة الأحلام الجميلةوالتجليات العرفانيةقد يكون الانتقال من مدريد إلي سلامنكا هو انتقال في الزمن الممتزج بالمكان، حيث أنك تنتقل من عوالم الحداثة، ومن الحياة المضطربة التي يتقاسمها ذلك الثلاثي الشهير في المدن الغربية الكبري والمرتبط بالحياة اليومية: مترو، عمل، نوم، فهذه الظاهرة الاجتماعية بلغة بيربورديو منعدمة في هذه المدينة.إنها مدينة ذات هندسة وسطوية عتيقة متوحشة في الجمال ولا تري فيها الا المرأي الحسن، سكانها أكثر فرحاً وسعادة من سكان مدريد، هكذا تجد ان مساءات سلامنكا عبارة عن رومانسية ما بعد الحداثة، للشعر وللرقص في الساحة العمومية معني وجودي، وللعشق، وللحب رمزية كبيرة في حياتهم اليومية من المستحيل أن تجد امرأة متسكعة تتسول بجسدها، علي الرغم من ان في سلامنكا أشقياء يبحثون عن القوت اليومي، مع ذلك ان الغرب، رغم اغترابنا فيه، فإنه يعلمنا بان اللقاء بالحياة هو لقاء عرفاني، او ربما حقاني يتم تمزيق ذلك الستار الشفاف بيننا وبين القلب، لأن من لم يتذوق متعة الحيرة ولذة التقلب لا قلب له، ومن لا قلب له لا يعول عليه كما يقول الشيخ الأكبر محيي الدين الذي أشك في عدم زيارته لهذه المدينة اللذيذة، ولم يتذوق فيوضات أمكنتها ويمنحها مقام المكانة حيث يتم التوحد بين الذات والمكان من خلال الإفراط في العشق.ان سلامنكا تعلمنا من خلال فيلسوفها الوجودي انامونو بأنني حين أراك أعرفك، واعترف بك لأن لك الحق في الحياة مثلي كما ان لك الحق في الموت مثلي أيضا. هكذا يتعين علينا ان نطالب بالمستحيل حتي يكون هناك ممكن، خاصة واننا نعلم بان الممكن قد يتحول إلي مستحيل، هكذا يتم الاعتراف بهوية المستحيل من اجل الحصول علي الممكن.لعل سحر سلامنكا وأناقة فضاءاتها وجاذبية عطرها تدفعك إلي استحضار هذه الاشراقات الفلسفية لأنها عاصمة الثقافة الأوروبية، مدينة مؤسسة علي الثقافة مثيرة لدهشة السياح، مقامها بلغ درجة عالية في مراتب الروح. في سلامنكا لا يمكن إلا أن تكون شاعر أو فيلسوفا او رساما وربما موسيقيا ومسرحيا علي الرغم من انك قد تكون لك مهنة أخري، مدينة تسكنها الأرواح وترقص في ساحتها المقدسة الشياطين وتنام في قلبك حتي النهاية.في سلامنكا هناك اعتقاد شائع بان كل زائر لم يكتشف سر المدينة والمعلق في زخرفة جامعتها العتيقة لا يمكنه ان يزورها مرة ثانية، وهذا السر يتجلي في ذلك الضفدع الذي يقبع فوق جمجمة عالم من علمائها. وفي الواقع يتطلب الأمر منك ان تتأمل تلك الرسوم الجميلة وتندهش أمام مبدعيها وقد يساعدك الحظ فتتعرف علي الشعار الروحي للمدينة الذي ينتمي إلي القرون الوسطي ويسـتمر في القلوب لينتقل من القلب إلي القلـــــب باحثا عن الأبدية. كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية