أضحت الهجرة الي الغرب حلماً يراود الكثيرين، غادر أكثرهم كالطيور التي حان موعد مغادرة ديارها. حلقت تلك الأسراب بعيداً تخفق بأجنحتها نحو المنافي لتختفي آثارها مع الأفق، فاتحة بذلك صفحة جديدة في المجهول. لم تكن أحوال تلك الطيور سواء، فمنها من خذلتها أجنحتها المرهقة أصلاً في الوصول الي الهدف، لتجد نفسها في الهند مع الفئران وفقراء أشبه بالمومياء في سجون بائسة. البعض الآخر ركب أمواج المحيطات مستيئساً للوصول الي غايته بأي ثمن، فما كان منه الا أن استقر مقيماً في بطون الحيتان. فيما واصل آخرون مسيرتهم كيفما اتفق، فحطت رحال أبناء الأسرة الواحدة في مراكز متباينة ومتباعدة، في كندا واوستراليا واسكندنافيا. كانت القصص هناك كثيرة ومثيرة، ولم تكن في أكثرها سعـــيدة كما كان طمــوح الطيور الحالمة.
تكسرت أجنحة تلك الطيور وهي تلهث جنوباً وشمالاً وراء طمأنينة لم تجدها قط، فقد كانت الرحلة شاقة، وانتهت بنفوس متعبة ومشاكل اجتماعية لم يألفها أصحابها سابقا، مع وظائف كان يأنف مثلها هؤلاء في بلادهم، حيث عمل أغلب تلك الطيور بنقر الفتات، حيث مارست أخس المهن، من جمع القمامة الي تنظيف الأواني القذرة والقدور والكؤوس وبأبخس الأثمان. توالدت الطيور منجبةً أخري، لم يكن لديها مخلفات الماضي ولا عقد الخوف والقهر والفقر والحرمان واللهاث وراء السراب. منهم من أصبح طبيباً، وآخر تاجراً أو باحثاً أو محامياً. وفي خضم الأحداث الساخنة بدأ هؤلاء بالبحث عن الهوية. كانوا شغوفين بمعرفة أبعاد أسمائهم وتراثهم وأسباب هجرة ذويهم، والأهم من ذلك، ماذا يعني انتماؤهم للاسلام؟ تعاقبت الأحداث متسارعة، محفزة الطيور الوليدة لوضع النقاط فوق حروف الحقائق الضائعة. بدأ التمايز بين المسلمين وغيرهم في الغرب، وأخذت الهوة بالاتساع، فيما بدأ الحديث عن انهيار مشاريع الاندماج، كما أخذت التساؤلات تتفجر كبركان ثائر عن حقيقة الصراع بين الغرب والاسلام، وعن قصة فلسطين ومأساة العراق ودمار أفغانستان وخراب الشيشان. ولماذا ينظر الآخرون الي تلك الطيور نظرة شك وارتياب وكأنها تحمل وباء ما؟
المهندس حسن الحسن [email protected]