الهلال هلالان والدين دينان والأمة لم تخرج من صحراء التيه!
د. خالد الطراوليالهلال هلالان والدين دينان والأمة لم تخرج من صحراء التيه! …يأتي رمضان كل عام والأمة بخير، أمة واحدة متراصة الصفوف، تتألم لبعضها، تتعاون فيما بينها، قلبها علي رجل واحد، أمة متقدمة أخلاقا وروحا ومادة، تغبطها الأمم علي رفاهتها وازدهارها وعلي لحمتها وانتصارها لبعضها، فتنت الناس بسؤددها وتحضرها فأصبحوا يتنافسون علي قربها ونيل رضاها والدخول تحت رايتها…!!!هذه أحلام اليقظة، هذه أمنيات العجز، هذه حقائق الارادات المدفونة، هذه مثل ونوادر، هذه سقوف عالية لمستها أيد غير أيدينا وتعلقت بها همم أجنبية عنا. يأت رمضان كل عام فيذكرنا بآلامنا، بسقوطنا، بانهيارنا..، هلال السماء وهو في عليائه ينبئنا بضعفنا بذلنا..في أرضنا! هلال أصبح هلالين، ثم ها هو يخطو ليصير ثلاثة أو أربعة، ومن يزيد! لعل كل بلد، كل قرية، كل حي في بلادنا سيصبح له هلال، لعل كل بيت في حارتنا سيصبح له هلال، والبقية تأتي…في نفس البلد، ابن الوطن الواحد والهم الواحد والتحدي الواحد والحلم الواحد والأمل الواحد، ابن الوطن يصوم وجاره الي جانبه يفطر…في العام الماضي سنة لبنان يصومون وشيعته يفطرون! سنة العراق يعلنون بداية الشهر وشيعته يرجئونه! أمة بعضها يصوم وبعضها يفطر، بعضها يرجئ وبعضها يتجرأ، بعضها ينشد رؤية السماء بالعين المجردة، وان تلبدت السماء قبل أن تتلبد العقول، والبعض يري السماء بين الخطوط والزوايا والحساب!الجميع يعلن فرحته باختلافه، يعلن مرضاته لربه، أصبح الاختلاف مطيتنا الي الجنة، اصبح عشقنا للخلاف قرباننا الي الله… لعل البعض سوف يحاول رأب هذا الصدع ومحاولة طمأنة حاله بأن الاختلاف مندوب وهو يعبر علي بلداننا حرة مستقلة تفرض رأيها ولا تتبع، فهي مبدعة، أليس طريق الابداع هو طريق الحرية والاختلاف يمر من هنا!لقد شهدت العقود الأخيرة صورا مفزعة لاختلافنا وتشتتنا، ولم يكن الهلال الا صورة أخري من مسلسل الشتات… اليمن كان يمنين، فأنشودة الانفصال لا زالت تجد لها عازفين، والسودان علي عتبة سودانين وعلي فوهة بركان، ولبنان كاد أن يصبح لبنانين والصورة لا تزال مضطربة، والعراق أمام أعيننا يكتب كلمات النهاية لمسرحية ضخمة بدايتها تحرير وآخرها تقسيم، نهايتها عراقان أو ثلاثة في انتظار المزيد!هذا الواقع الحزين يفوح منه ولا شك مرارة واحباط، لكن ما يلطف المأساة ويقلل من هوجائها أنه واقع يسهر علي أطرافه ويشد علي زمامه سلط وأنظمة وحكام وقادة، فحالة الانقسام والتشتت التي تعم أرجاءه وترهن حاضره ومستقبله ترتبط أساسا بحكامه وولاة أموره وتهيمن عليه مصالح أفراد وأسر، ويحمل بصمات القلة، والكثرة منه براء.كيف لهذه الأنظمة أن تحمل مشاريع توحد ووحدة وهي عاجزة أن تري الهلال بعين واحدة؟، كيف لها أن تحمل آمال شعوب وأفراد وترسم لهم بشائر التقدم والازدهار، وهي عاجزة أن تزف لهم مجتمعة بروز هلال أو اختفاءه؟ ملوك الطوائف حكموا الأندلس صباح يوم لم يكملوا نهاره، فسقط عليهم الليل وأضلتهم غشاوة الجهل والكبرياء والطمع والجنون… سنة كونية غابت فيها الأندلس وظهرت اسبانيا، غاب فيها أمراء المؤمنين وظهر ملوك الافرنجة! كان التشتت والاختلاف رمز مرحلة الاحتضار، كان فيها الأندلس أندلسات وأصبحت كل قرية فيها لها حدودها وملكها وخدمها ولعله هلالها وشمسها! غابت وحدة الكلمة ووحدة المصير فانهار البناء وعجز ولاة الأمور عن حماية مشروع وجمهور. لم تحدثنا الكتب عن رأي الجماهير وهي تري حاضرها ينهار ومستقبلها عدم، لم نعرف غير دموع التماسيح التي ملأت بعض الكتب الصفراء وهي تروي لنا مأساة الفرار أو التنصير أو الموت.هلال رمضان جاء يذكرنا كل عام وخاصة هذا العام، أن أيام الأندلس المحتضرة قد تلوح مجددا، جاءت من هلال وغابت في الظلام، كانت أندلس الأمس آتية من علياء بعد سؤدد، وفي أيامنا الحاضرة لم نر علياء و لا سماء ولكن ظلمات بعضها فوق بعض، خرجنا من ظلمة لندخل ظلمة أوسع منها وأعتم، وملوك الطوائف يتقدمون القوم من جديد!الأمل الذي يبقي يراودنا والذي يلطف علينا ضحكات الشامتين وصفعات الجائرين واستغراب المندهشين هو هذه الشعوب التي تسعي جاهدة الي رؤية لون واحد يجمعها ليس فيه دخن الجغرافيا وحدودها، ولكنها تستنهض التاريخ وتستسقي منه وجودها ولحمتها دون أن تعطي بظهرها لحاضرها، هذه الشعوب التي لن تقبل أبدا أن يكون هلال مكة المكرمة مختلفا عن هلال النجف الأشرف ولا عن هلال القدس الشريف! هذه الجماهير التي تبقي رغم العواصف والرعود، رغم مكر الجيران، رغم استبداد ابن البلد، تحمل داخلها أمل اللقاء من جديد مع من حمل معها نفس الهوية، نفس الثقافة، نفس القيم ونفس المصير.لا شك أن نومة شعوبنا قد طالت ولم تغادر هذه الجماهير صحراء التيه حتي في حالة ارتعاشها، أربعون سنة كانت كافية لقوم موسي لمغادرة الظلمة والدخول في شهود حضاري جديد، وشعوبنا وان لم تزل تبحث عن ضالتها فان بوادر نهاية عصر التيه والاستخفاف قد بدأت تلوح وان اشتدت الأزمة علي الأطراف. وكما حمل قوم موسي مشروعهم من جديد بعدما انقضي جيل الرفض والمكابرة والضعف والاستسلام، وخلفه جيل التحدي والبناء، فان خيرية شعوبنا تلوح مجددا وان غابت تحت السياط ومن وراء القضبان، وملامح التغيير بدأت تكتب ولو ببطء أحيانا أو علي دخن في بعض الأحيان، غير أن لحظة الصفر الحضارية قد تحددت معالمها وعُرف أناسها وكُتب عنوانها وارتفعت رايتها، ولم يبق غير الزمن لتحقيقها في ظل اصطحاب نقل واستئناس عقل وتعارف وسلام. ہ رئيس اللقاء الاصلاحي الديمقراطي (تونس)[email protected]