برج المدينة

حجم الخط
0

برج المدينة

محمد حنونبرج المدينةلم يكن ذلك الصباح عاديا او حتي معقولا بالنسبة له ! … استيقظ وقد امتلأت جمجمته بصفارات سيارات الشرطة وبضجة هائلة من الاصوات والكلام واصوات محركات السيارات التي اختلطت ببعضها البعض. ضجة قادمة من الشارع الملاصق للبناية التي يسكنها.. عبثا يحاول العودة للنوم، زفر وتمطي، ادار ظهره للنافذة .. سحب الغطاء من بين ساقيه وكومه علي رأسه، الاصوات لا تزال حاضرة مثل لعنة تتلبسه، يحاول جاهدا ان يسترد بعضا من لذة النوم..ولكن لا فائدة.عاود الالتفاف باتجاه النافذة، مد ذراعه نحو الطاولة الصغيرة والموضوعة بالقرب من سريره، راح يتحسس سطحها باحثا عن ساعة يده، فيما لا تزال عيناه مغلقتين وغارقتين في بقايا لذة النوم المستباح…ـ يا اللـه..حتي في يوم اجازتي لا يمكنني النوم ؟! اللعنة علي رأس السنة وعلي مؤخرة السنة وعلي خاصرة السنة.. قال بنزق ويده لا تزال (تلاطش) يمينا وشمالا، توقف لحظة وقد اصاب الاعياء ذراعه. فتح عينه اليسري وهي ترتعش بسبب حدة الضوء القادم من خلال النافذة التي تقبع علي الجدار في الجهة المقابلة لسريره، القي نظرة علي سطح الطاولة.. لم يكن عليها اي شيء سوي طبقة خفيفة من غبار كسله، زحف بجسده قليلا والقي برأسه نحو الاسفل، فربما تكون الساعة قد سقطت علي الارض، فهو يعرف بانه كثير الحركة اثناء نومه.اخذ يمسح الارض بنظره يمينا وشمالا.. ومن فوق الي تحت.. دون ان يخرج عن المساحة التي يعقل ان تسقط الساعة عليها، ولكن دون فائدة. همس في سره ..ـ شكله يوم زفت من اوله، حتي الساعة لا يمكنني العثور عليها، فما بالك بالراحة في يوم يفترض بانه يوم راحتي! لقد وضعتها ليلة الامس علي الطاولة!. واليوم الذي سبقه …انا اضعها هنا كل ليلة ..اين اختفت؟! راح يحدث نفسه..رفع رأسه قليلا باتجاه النافذة.. ثم صرخ بشكل مفاجئ وقد استبد به الغضب بسبب استمرار الضجة في الخارج ..ـ خلص.. ماذا؟ هل قامت القيامة؟! القي غطاءه بعيدا، نهض عن سريره بتثاقل وتعب شديدين، اخذ يتمتم بكلمات بذيئة، يلعن المدن ومن يسكنها.. وكل من يقف في الخارج محدثا هذه الضجة، ولا يفوته ان يثقل من عيار لعناته وبذاءة شتائمه حين تباغت اذنيه صفارات الشرطة الحادة وصوت مكبرات الصوت. جلس علي طرف السرير محاولا التقاط انفاسه التي اختلجت في رئتيه واضعا كفيه علي رأسه، شعره المبعثر يشبه في حالته هذه كرة صوف نهنهتها مخالب هر مشاكس. اجتاحته نوبة من السعال المجنون، وما ان انتهت حتي مد يده مرة اخري ولكن هذه المرة دافعا الطاولة الصغيرة عن المساحة المعقولة اياها، نظر نحو السجادة بتمعن ..لم تكن الساعة ولا حتي ما يشبهها علي الارض، التقط بنزق ولاعة سجائر كان قد ضيعها منذ ايام ..ـ والله لو كنت ابحث عنك لما وجدتك بس الدنيا خلف خلاف ، اعجبته ملاحظته هذه ..ابتسم قليلا ..ثم سرعان ما اجتاحه ومض الذكريات حين رأي علب السجائر الفارغة، تذكر والدته حين كانت تسخر منه كلما وجدت كمية لا بأس بها من العلب الفارغة ملقاة هنا وهناك في غرفته: ـ ان شاء الله يما بتكسب كويس من بيع العلب الفاضية ..او يمكن تاركهن ذخر ؟؟!لم يكن صباحا عاديا .. ولم تكن تلك الومضات السريعة من ذاكرته لتخفف من وطأة فقدانه للساعة .. هذه الساعة التي اهداه اياها والده… اطرق رأسه ووضع اطراف اصابع كفه اليسري علي ارنبة انفه ..ـ يعني ! .. اتراني وضعتها في مكان آخر؟ هل سقطت من رسغي حين كنت خارج المنزل؟ ..، ولكنني متأكد بانني وضعتها هنا، علي هذه الطاولة، في الليلة الماضية.. انهي كلامه وهو ينقر بقبضته اليمني علي الطاولة دون ان ينظر باتجاهها، زفر بعمق ووقف علي قدميه، سار بخطي وئيدة نحو درج المرآة الموجودة بالقرب من سريره. فتح الدرج واخرج علبة سجائره، ترك اعواد الثقاب في مكانها وقد راق له ان يحدثها في محاولة يائسة للخروج من مزاجه العكر ..ـ شكرا لكِ ..لقد استغنينا عن خدماتكِ. مر في ذهنه احتمال ان تكون الساعة في الدرج …قلب الاشياء باطراف اصابعه. فتح الدرج اكثر ..مد كفه نحو العمق المعتم، ثم اخرجها بسرعة وقد تقلصت ملامح وجهه. ـ آخ ….نظر نحو اصبعه الاوسط، نقطة دم تعلوه مثل احمق بعين واحدة، اخرج الدرج بأكمله من مكانه غاضبا … امسك بالدبوس الذي غرز زبانته في اصبعه.. رمقه بنظرة معاتبة:ـ حتي انت ايها الدبوس العزيز،الا يكفيني هذا الضجيج وضياع ساعتي!،كان ذلك الدبوس عبارة عن سطح معدني صغير بحجم قطعة النقود وقد حفر عليه رسم لكاميرا قديمة حصل عليه في مناسبة ما. وبالرغم من ان هذا الدبوس عزيز عليه جدا، الا انه لم يتوانَ عن رميه بكل قوته باتجاه النافذة المفتوحة، اصطدم الدبوس بطرف احدي الستارتين الا انه شق طريقه نحو الخارج.وضع الدرج في مكانه واشعل سيجارة بانفعال واضح ،اخذ نفسا عميقا من احشاء سيجارته ..نفث النفس الاول باتجاه زهرتها المتجمرة ..ـ وحدك من تشتعلين لاجلي.ابتعد خطوات قليلة ثم ضغط مفتاح التشغيل لمسجلته بطريقة مسرحية رديئة، علق ذراعه في الهواء واغلق عينيه بانتظار ذلك الجدل العارم لمارسيل خليفة كي يصدح في ارجاء الغرفة. ما ان بدأت الحركة الاولي بصوت العود الذي يبدو كما لو انه قادم من العمق السحيق لمغارة تكلست جدرانها.. حتي انزل ذراعه بأداء مسرحي ايضا، وضع سيجارته في فمه ثم بدأ بالخطو علي ايقاع الموسيقي متوجها نحو الحمام، وممعنا في تجاهل الصفارات والصخب القادمين من النافذة.. ومتجاهلا ايضا فضوله لكي يعرف ما الذي يحدث في الخارج منذ ساعات الصباح الاولي.لم تمض دقائق قليلة حتي خرج من الحمام وفي ذهنه شيء واحد …الساعة! ،القي بمنشفته بعيدا.. اشعل سيجارة جديدة وبدأ بحثه المحموم عن ساعة العائلة، كذلك قال له والده حين اعطاه اياها في ذلك اليوم. اتكأ بذراعيه علي المرآة وراح يرمق نفسه بنظرات مباشرة ويحدثها في باطن روحه.. ـ يجب ان تجدها. ثم تذكر ما قاله له والده، وما ان استحضر صورته حتي شعر وكأن كفا غليظة تحط علي كتفه ..ـ اسمع ..لقد ورثت هذه الساعة عن جدك، وها انا اورثك اياها، يمكنك ان تعتبرها ساعة العائلة.. فهي ثمينة لهذا السبب، وهي لا تزال تعمل.. ربما تحتاج للصيانة بين الوقت والآخر، او قد تحتاج لبطارية كل عام.. ولكنها بحالة جيده، من يعرف.. ربما ستورثها لاولادك بعد عمر طويل. اخذ نفسا عميقا من احشاء سيجارته.. وموسيقي الجدل لا تزال تصدح وتعطي تلك اللحظة من التذكر ما يشبه الخلفية الموسيقية لمشهد ساكن في فيلم مرتبك. الاصوات القادمة من النافذة لا تزال قوية .. وتزداد تدريجيا مع تقدم الوقت.. يفكر للحظات ثم يسحق سيجارته بحزم في المنفضة، يغطي وجهه بباطن كفيه ثم يسقطهما الي الاسفل وقد اصبحت ملامحه اكثر حزما..ـ حسنٌ. اخذ وبشكل مفاجئ يفتح خزانة المرآة وادراجها.. رفع فراشه عن السرير، ثم انتقل الي خزانة الملابس مع بداية موسيقي الحركة الثانية بايقاعاتها المرتفعة كما لو انها قد لحنت خصيصا لمشهد بحثه عن الساعة.. يبعثر الملابس في كل مكان، يبحث في اماكن هو نفسه يعرف بانها لا يمكن ان تكون الساعة فيها او حتي قريبة منها. يزيح الكتب الملاصقة لبعضها البعض، نظر فيما بينها ثم انتقل لنهاية الرف الاول، ها هو ماركيز بسرده المعلن لموت عربي آخر.. وبقربه كامو يصب طاعونه فوق رأس جبرا وركاب سفينته، وعلي يمينه المعري حاملا رسالة الغفران ويصفع بها وجه دانتي. استبد به اليأس لدرجة انه راح يبحث داخل احذيته الملقاة عند باب الغرفة .. قلب غرفته رأسا علي عقب، امتدت حمي بحثه الي صالة الجلوس، وما ان وضع قدميه داخلها حتي باغته الجدار العاري كما لو انه سيطبق علي صدره، هرع نحوه.. ازاح المقاعد، طفق يتحسسه مثل كفيف لم يألف المكان بعد. المسمار لا يزال مثبتا فيه، ولكن ساعة الحائط لم تعد موجودة، اللهاث يعلو صدره، ووجهه ممتقع من حمي البحث عن الوقت المسلوب. الموسيقي الخافتة والقادمة من غرفته تضفي المزيد من الغرائبية علي صوت انقلاب المقاعد.. اصبح الآن يبحث عن ساعة الجدار وعن ساعة العائلة. ترتفع الضجة القادمة من الشارع، هده التعب. يجرجر وراءه قدميه وخيبة بحثه، رأسه تدق مثل بندول لساعة لم تعد موجودة، قفل عائدا الي غرفته، تناول علبة الدخان بذهول.. اشعل سيجارة اخري ونظر نحو البياض الحاد القادم من نافذة الفوضي.. سار نحوها والموسيقي توشك علي الانتهاء، ازاح الستائر المتطايرة بفعل الهواء، لم تصبه الدهشة لما رآه.. فالمشهد بالنسبة له بات مألوفا… بدأت انفاسه تخرج ثخينة من فمه ممتزجة بدوائر الدخان الهاربة من الرئتين المنهكتين، سمع صوتا انثويا باكيا من بين الناس…ـ How will we celebrate the new year?كانت الموسيقي تكاد تلفـــــظ انفاسها الاخيرة، وبدا لــه ضجيج الناس وصفارات سيارات الشرطة المتجمعة حول برج المدينة غير مزعجة في هذا الصباح، بعد ان شاهد البرج وقد اصبح بلا ساعة ايضا.كاتب وفوتوغرافي من فلسطين يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية