عبدالمنعم رمضان: بعيدا عن النجومية سوف يستطيع الشاعر امتلاك حريته

حجم الخط
0

عبدالمنعم رمضان: بعيدا عن النجومية سوف يستطيع الشاعر امتلاك حريته

بعد ديوانه الجديد لماذا أيها الماضي .. يدعو الشاعر لأن يكون مغموراعبدالمنعم رمضان: بعيدا عن النجومية سوف يستطيع الشاعر امتلاك حريتهالقاهرة ـ القدس العربي : قبل شهرين تقريبا أصدر الشاعر عبدالمنعم رمضان ديوانا جديدا عن سلسلة كتابات جديدة التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان لماذا أيها الماضي . الديوان ليس جديدا تماما، فهو جماع قصائد يقول عنها رمضان انها تمثيل البدايات، وحسب عبير محمد عفيفي مطر هي مجمرة البدايات ومع ذلك فالديوان يؤشر الي الملامح التي تعمقت فيما بعد داخل هذه التجربة.فالشاعر عبدالمنعم رمضان أحد أقطاب جيل السبعينيات في الشعر المصري والعربي، وربما كان هذا الحوار هو المساحة الأوسع التي يمكن من خلالها أن نتعرف علي الكثير من الالتباسات التي أحاطت هذه التجربة، لرمضان ومجايليه.فالظرف التاريخي الذي وصلت فيه هذه التجربة الي نقطة البداية كان قاسيا جدا، ومحبطا لأحلام القوميين العرب ومن التفوا حول الحلم الثوري العريض من المحيط الي الخليج، فقد كانت هزيمة العام السابع والستين بمثابة المؤشر الأخير علي الانكسار، وتجذير ملامحه.وكثيرا ما رد النقاد الاستغلاق العميق في التجربة السبعينية الي الهزيمة الذاتية التي دفعت الشعراء إلي قوقعة الداخل، غير أن عبدالمنعم رمضان يري عكس ذلك ويري أن غياب الضمير الجمعي في النص الشعري كان أحد أهم منجزات هذا الجيل.وكان جيش عرمرم من شعرائنا الرواد قد استبق الي صناعة وتمجيد هذا الضمير الجمعي غير أن الأصوات الكثيرة المتناحرة خلصت الي اسماء لا يستطيع احد استبعادها من صدارة مشهد الحداثة العربية، وهو المشهد الذي كثيرا ما يصم الشعرية السبعينية بالكثير من الاتهامات.ايضا كانت قصيدة النثر المنجز اللاحق تفجر سؤالا آخر حول مدي تواصلها مع المنجز الذي سبقها، وربما لأنها لا تري في النص السبعيني أباً وحيدا لها، فقد تشممته وفرت هاربة، لكن عبد المنعم رمضان ظل وسط هذه الأنواء شاعرا متماسكا وقويا وأبعد ما يكون عن أجواء الهزيمة والانسحاق، لعدة أسباب، أولها الوعي بالتجربة الشعرية السابقة عليه سواء كان ذلك في الشعرية العربية أو العالمية، لذلك فهو يدرك المساحة التي يمكن أن يمنحها التاريخ للمغامرة، ويسقط الكثير من الادعاءات حول تجربة جيله وكذلك تجربة من أتوا بعده، أما ثاني هذه الاسباب فهو اتساع الوعي بالرقعة الكونية المحيطة بالشعر نفسه والوعي كذلك بكل عناصرها المنتجة للشعرية او التي يمكنها أن تساهم في ايقاظ الحدوس الشعرية وتشوفات المستقبل، وثالث هذه الاسباب ان إغواءات التنقل بين الاشكال الشعرية للالتحاق بركب التحديث لم يشغل عبدالمنعم رمضان إلا بقدر وعيه بذاته الشاعرة وكان السؤال هو الي أي حد يمكن للشكل أن يكون خادما للمضمون الشعري، ومن هنا فإنه يكتب في كل الأشكال الشعرية حتي العمودي منها دون خوف من الأحكام التي يمكن أن تنطلق هنا أو هناك حول ما يفعله.هذا بالاضافة الي ان رمضان، كما يقول في حواره، يتعامل بذكاء شديد مع المؤسسة الثقافية فلا هو يقترب الي حد الابتذال ولا هو يبتعد الي نفس الحد، وهذا هو ما مكنه من الاحتفاظ بدرجة كبيرة من الديناميكية والتطور علي كل المستويات.أصدر عبدالمنعم رمضان عددا من الأعمال الشعرية المهمة منها لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي ، الغبار ، النشيد ، غريب علي العائلة ، قبل لماء فوق الحافة ، كما أصدر كتابا نثريا عن المجلس الأعلي للثقافة بعنوان الشهيق والزفير ، وهو كتاب يعكس قدرات عبدالمنعم رمضان المتميزة في الحقل النثري.ولد عبدالمنعم رمضان في القاهرة حي الوايلي عام 1951 وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس، وهو حاليا متفرغ للكتابة.وفي هذا الحوار يجوب رمضان الآفاق بداية من تشكل الجيتوهات الشعرية السبعينية التي كان علي رأسها جماعة أصوات التي انضوي تحت لوائها عبدالمنعم رمضان، مرورا بمجلة الكتابة السوداء التي أصدرت منها الجماعة عددا واحدا كان هو الأول والأخير، حول هذه التجليات وملامحها يتحدث الشاعر عبدالمنعم رمضان وهنا نص الحوار: بعد سنوات التكوين الأولي، كيف أمسكت بأول الخيوط، لا سيما أن سنوات الجامعة السبعينية كانت صاخبة، وكيف تعرفت لأول مرة علي الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي؟ في نهاية المرحلة الثانوية حدث أن مات جمال عبدالناصر وكنا مفتونين به، ولقد بت ليلتها ـ ليلة الجنازة ـ في احدي الحدائق حتي يتيسر لي الاشتراك في الجنازة منذ بدايتها، كان جمال عبد الناصر أول التماثيل التي فيما بعد أدركت أنها لم تكن جميلة، التي فيما بعد أدركت أنني يجب أن أتخلص منها، تطلب هذا مني جهودا وعلاقات جديدة أعانتني علي اتمام هذا الفعل، دخلت الجـامعة من بابها الخلفي بمعني انني التحقت بكلية التجارة بالزقازيق ومكثــــت بها عاما ثم انتقلت الي جامعة عين شمس في العام التالي، كان عام الزقــــازيق هو عام محطات السكك الحديدية، اكتشفت غرامي بهذه المحطات. كنت أركب القطار من محطة مصر وأغادره في محطة الزقازيق وأظل جالسا داخل المحطة أراقب حركة المسافرين العائدين وأراقب النسوة لابسات الملس وهو زي قومي لبنات الزقازيق في ذلك الوقت.ذات يوم من هذه الأيام عدت في القطار العائد الي القاهرة منتويا الذهاب الي مقر مجلة روزاليوسف لأقابل الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي وأسأله رأيه فيما أكتبه من قصائد. كان ذلك عام 1971، في مبني روزاليوسف رجل الاستعلامات الذي كان يلبس كاسكيت وكان وجهه بشوشا طمأنني وهدأني ثم سألني عمن أريد قلت له: حجازي، سألني السؤال التالي: حجازي الشاعر أم الرسام؟، لم أكن أعرف ان هناك اثنين، قلت له الشاعر، سمح لي بالانتظار ولما أبلغته انني لا أعرف شكل الشاعر قال سأعرفك عليه، لم أشأ أن أضيع الوقت فانهمكت أنقل قصائد أخري في الكراسة التي أنوي أن أعطيها لحجازي أثناء ذلك فوجئت برجل أصلع يلبس بلوفر برقبة عريضة فبدا لي كأنه كمساري، قال بلغة استعراضية فخيمة: أنا حجازي. أعطيته الكراسة وزرته في الأسابيع التالية أكثر من مرة لأعرف رأيه حتي يئست فتوقفت عن الزيارة.في أوائل 1972 فوجئت به يكتب مقالا تحت عنوان نداء الي شعراء المستقبل يشير فيه الي موهبتي وإلي أنني سأضطر في المستقبل الي أن أختصر اسمي، ظلت هذه المقالة هي وثيقة هويتي لمدة طويلة. لكنك انتقلت بعد ذلك الي جامعة عين شمس حيث كانت الحياة السياسية والثقافية موارة، وجاذبة ما هي أهم التكوينات التي تركتها هذه الفترة داخل تجربتك؟ في العام الثاني الذي انتقلت فيه الي جامعة عين شمس كنت كأنني انتقلت من محطة السكك الحديدية الي مركز كبير من مراكز الغضب وكان ذلك عام 1972.لم يكن أحد قد أعلمني أن الجامعة هي الكافيتريا وليست المدرج، هي حدائقها وليست مبانيها، يبدو أن عزلتي الطويلة هي التي أرشدتني ودلتني علي الحقيقة.كانت الكافيتريا مكانا متاخما للنشاط الهائل الذي يمارسه الطلاب اليساريون، تعرفت علي ماجدة شعراوي مرشدتي الأولي. كنا نجلس علي المقاعد الجيرية أذكر ان احدي قصائدي في تلك الفترة كانت عن المقعد الجيري، حاولت ماجدة أن تجذبني بعيدا عن عالم امتلكني، لكنها لم تستطع أن تقنعني بالانضمام الي أي نشاط، كنت كمن يخاف علي استقلاله فيضعه في حجرة مغلقة ولا يدرك أبدا أن استقلاله يموت داخله.أفزعني التشابه الكبير بين كتابات الطلبة في صحف الحائط كأنها كتابات محكومة بفكرة علوية مملاة عليهم جميعا، كلهم اتهموني بأنني برجوازي صغير واتهمتهم جميعا بأنهم عشاق الشواطيء ومع ذلك كنت في نظرهم البرجوازي الصغير الشريف والمأمون، هربت من مصاحبة الزعماء بينهم، فضلت عليهم مصاحبة الجنود، كنا نسميهم بوابة الحركة الطلابية.يفاجئني بعضهم ويطرق بابي يكون غالبا هاربا من مطاردة الأسر، عندما يدخل البيت يحتجزني معه في الغرفة لا يسمح لي بالحركة خارج البيت وفي الصباح يغادر قبل أن أغادر.دعتني ماجدة شعراوي للمرة الأولي الي بيتها، عندما زرتها وجدتها مع أخيها، بعد قليل تركنا اخوها وانصرف. أصبحنا وحيدين لم يحدث طوال اللقاء أن أصبح الشيطان ثالثنا. تعلمت أن هذه العبارة ليست صحيحة إلا إذا سعينا نحن إليها.عندما سجنت ماجدة أعددت أول مجلة حائطية أقوم بها كان اسمها شيوعيون ولكن انظر الي مراهقة الاسم، واستفزازيته، أصدرت من المجلة عددين اثنين تعرضت بسببهما الي محاولة بعض الطلاب الاسلاميين ضربي، لن أنسي ان الشاعر محمد عيد إبراهيم هو الذي نسخ هذين العددين بخطه الجميل، ولن أنسي أيضا أنهما كانا عددين نخبويين أكثر منهما ثوريين، ولكنهما كانا تعبيرا عن افتقادي وتضامني مع مرشدتي الأولي ماجدة الشعراوي.عندما قابلتها فيما بعد اكتشفت انها أهم لوحة نوستالجية لهذه الفترة.رأيت مصائر الزعماء زعماء الطلبة في السنوات التالية فاكتشفت ان الحياة صانت ماجدة الي حد كبير، كلهم تحولوا الي تجار حقوق انسان أو تجار ابتزاز أو تجار روبابيكيا ثورية أو عجزة أو محبطين واكتشفت مع ذلك أن جيل السبعينيات كله ـ الذي انتسب إليه ـ جيل مسكون بجرثومة ترفض الخضوع للزمن وتصر علي التصابي، وعلي الجينز وعلي الشعر الأسود. وكيف كانت علاقتك وجيلك بأطروحات الستينيات الموارة بدورها، كيف اكتشفت نفسك داخل هذه الانفجارية الابداعية؟ في هذه الفترة كنت قد انخلعت من الشعر العمودي بسبب أحلام الفارس القديم لصلاح عبدالصبور، ومدينة بلا قلب، لأحمد عبدالمعطي حجازي، حفظتهما عن ظهر قلب ومعهما حفظت بعض الشعر الذي لم أعد أقرأه الآن مثل الخواجة لامبو لعبدالرحمن الأبنودي، و البكارين يري زرقاء اليمامة لأمل دنقل.صلاح وحجازي حققا معي الانتصار الأول الذي معه تحولت الي قصيدة التفعيلة، بينما محمد خلاف كان صديقي الذي انطلقنا معا فيما بعد لنخاصم صلاح وحجازي وننسجم أكثر مع أدونيس وعفيفي مطر.كان خلاف يحب قصائد عفيفي المهداة الي نفيسة ويسخر من ذلك الشاعر الذي يردد بزهو يا أصدقائي انني حزين وكان خلاف صديقا لأحمد هاشم الشريف ويلتقي أحيانا بغالب هلسا مما جعلنا نطلع معا علي عالم آخر أكثر التباسا وأكثر تعقيدا من ذلك العالم الساذج الذي عرفناه وقررنا السفر بعيدا عنه.في الوقت ذاته كان قصاصو الستينيات يمارسون فعلهم الإبداعي الأبهي والذي رأيناه مكملا لعالمنا، انشغلنا بأيام الانسان السبعة لعبدالحكيم قاسم، و بحيرة المساء لابراهيم أصلان، و الزيني بركات لجمال الغيطاني، أحببت له وقائع حارة الزعفراني بصفة خاصة ولفتنا بهاء طاهر بمجموعة الخطوبة وكانت حيطان عالية و ساعات الكبرياء لإدوار الخراط وكنا نستكمل تكويننا الثقافي وتربيتنا علي كتاب أرشيد بالدمكليش الشعر والتجربة فاعتمدناه كنظرية يمكن ان ندافع بها عن أنفسنا.بدا لي فيما بعد أن ماجدة شعراوي ومحمد خلاف كانا جناحين ضروريين لطيراني، انطفأت شعلة محمد خلاف للأسف لأنه لم يحاول أن يحميها، أعتقد الآن أن الكتابة، كل الكتابة، تعتمد علي احتماله لما يحيطه من نبذ ونفي وعدوان، هذا الجزء لم يمتلكه محمد خلاف فانطفأت شعلته الإبداعية. لعبت جماعة أصوات دورا أساسيا في بلورة حركة السبعينيات الي جانب حركة إضاءة كيف وعلي أي أساس تشكلت كل من الجماعتين؟ في الجامعة وبعد مشاركات في بعض الندوات الشعرية، وبعض المشاركات في جماعة الشعر أيقنت أنها سبيل ضال، لن يؤدي الي شيء وقرب انتهاء دراستي الجامعية كنت بدأت التعرف ـ بمصادفات متكررة ـ علي بعض شعراء جيلي الذين جمعتني بهم شروط المكان والجغرافيا.تعرفت علي محمد سليمان في صيدليته، ومحمد عيد إبراهيم في الأتوبيس، وعلي أحمد طه وعبدالمقصود عبدالكريم من خلال محمد عيد، ومثلنا معا فيما بعد ما سمي بجماعة أصوات .منذ عام 1975 تقريبا ونحن نفكر في اصدار مطبوعة، كانت مصر في ذلك الزمان قد استسلمت لظلام تام، المجلات جميعا أغلقت بأوامر من قومسير الأدب يوسف السباعي .في الحقيقة حالة الإظلام التام تستحق منا الاشادة والتمجيد، لا بد أن ضرورتها في المسرح اقتبست ضرورتها في الحياة، الآن أخاف من المصابيح شحيحة الضوء، لأنها تجعلني أري ولا أري، تجعلني أقبل هذه الحالة ولا أفكر في النور الأشمل، أما الاظلام التام فهو حالة التيقين من عدم الرؤيا والرؤية التي يتبعها رغبة أكيدة في كسر هذه الحالة.اكثر من كرهتهم في الحياة هم الاصلاحيون لأنهم قاهرو الثوار. المصابيح شحيحة الضوء تشبه الإصلاحيين تماما، كنا جميعا في أصوات نميل الي هذه الطريقة في النظر، نكره الاصلاح، نكره محمد عبده، أحمد لطفي السيد، ونحب السورياليين والعراة.إلي جانبنا كانت جماعة أخري تتشكل هي جماعة إضاءة ولأن الأكثر مهارة هو المهيأ دائما لاثبات حضوره ولأننا كنا الأقل مهارة ولأن الأكثر تأكيدا لارتباطه بالماضي، وارتباطه بالحاضر وتأكيد الإعلان لمحبته لكل الأسلاف وكل المعاصرين وتأكيدا لاعلان رغبته في السفر الي كل الجغرافيا وكل التاريخ هو الأكثر حضورا، جاءت جماعة إضاءة لتكون جماعة اكثر واقعية، أرجو أن تتعامل مع كلمة واقعية ببعض الابتذال .توزع الحلم بيننا وبين اضاءة، تشبثوا هم بثوب الحلم، تشبثنا نحن بلحمه، الثوب اكثر هندسة من اللحم، لعبنا نحن أصوات مع الخطأ ولعبوا هم إضاءة مع الصواب، كان أحمد طه يخمن طوال الوقت ان حكام الثقافة في الأزمنة القادمة لا بد سينبذوننا ويستعينون بإضاءة، وحدث ما توقعه أحمد طه. إلي أي الأسباب توعز هذه الفوارق، وكيف تمت مع الوقت..؟ رغبت إضاءة منذ اللحظة الأولي ان تكون ميدانا واسعا. فكرت في الأدب كأنها تفكر بالسياسة بمنطق الجبهة فكنا نحن نحتمي بفكرة ن نخلص لما نراه ولو كان شريطا ضيقا، كنا يعاقبة وكانت إضاءة جروند . بحثوا عن آباء بينما كنا نصر علي قتل الآباء بحثوا عن إخوة، بينما كنا نصر علي مصارعة الاخوة بحثوا عن عشيرة وفضلنا الضياع، إضاءة عمليون يلبسون علي وجوههم ماسكات رومانسية و أصوات حالمون يضعون علي وجوههم علامات التوحش. هل تري أن وجود هذه الجيتوهات كان ضروريا، وماذا عن الوجوه التي دخلت الي ساحة هذه الجيتوهات بعد ذلك؟ الجماعتان مصادفتان ضروريتان، وخارج الجماعتين سياق طبيعي، بالتأكيد كان شعراء الجماعتين جميعا يشعرون بالوطأة الثقيلة التي تمثلها حركة الشعر في ذلك الحين والرغبة في الخلاص من هذه الوطأة. إضاءة داهنوا، حاولوا الخلاص عبر صيغ رقيقة ومهذبة، وأصوات. كانوا أقل دهاء وأكثر رغبة في فضح هذه الوجوه، الذين خارج الجماعتين قبلوا منطق التطور الطبيعي، بعضهم تشكك فيما تفعله الجماعتان وظل مستمسكا بالقطار الرسمي للشعر، وهو يعلم أنه في الوقت المناسب سيغير القطر إذا أجبر علي ذلك، الذين التحقوا بإضاءة فيما بعد كانوا أعداءها آنذاك، انهم لا يلتحقون أبدا إلا في الشروط الآمنة. وماذا عن زوال هذه الكيانات هل تراها أثرت سلبيا علي حضور النص السبعيني؟ الجماعات والمجلات والتكتلات كلها ستصبح لا انسانية إذا عاشت فترة أطول مما ينبغي. انسانية الجماعة تتركز في انها مدعوة دائما مع الانحلال، مدعوة لأن يصبح كل فرد من أفرادها جماعة بذاته ومن لا يستطيع ان يكون كذلك يظل أسير العصر الذهبي للجماعة، وأسري العصور الذهبية منسيون دائما في النهاية، الشعراء الأضعف موهبة وخلقا في أصوات ـ إضاءة ـ ذهبت ريحهم بذهاب ريح أصوات وإضاءة. ولكن الجماعة اصدرت عددا واحدا من مجلتها الكتابة السوداء وتوقفت. الي أي الأسباب يمكن أن نرد هذا التوقف وهل كان العدد مؤثرا بالفعل؟ أصدرنا مجلة الكتابة السوداء فيما أذكر أواخر الثمانينيات، قبلها بكثير كان محمد سليمان قد استشعر غربته بيننا فانسحب، كنا في ذلك الوقت قد أدركنا أن بعض خطيئتنا يرجع الي تلك المطبوعات التي أصدرناها، دواوين مؤلفة أو مترجمة أو مجموعة قصصية، تلك الكتب في الغالب لم تسمح لنا بتأسيس حوار نظري بيننا وبين الجماعات الثقافية التي نسعي الي الاتصال بها، أدركنا ان المجلة السيل الأغني لتحقيق هذا الاتصال. كانت أعمارنا تقترب من الأربعين، سن النبوة، أصبحت لدينا أفكار وأقوال ورؤي حول الشعر وحول العالم. فكرنا في مجلة الكتابة السوداء اختار الاسم عبقري الاسماء بيننا محمد عيد، شئنا بهذا الاسم ان نؤكد علاقتنا بتراث فترة الاربعينيات من القرن الماضي، كأننا شئنا أن نعلن عدم اعجابنا بحركة ضباط يوليو وما تلاها، كأننا شئنا أن نعلن اعجابنا بالفن والحرية وطه حسين وجورج حنين ومناخ كنا نفتقده كثيرا أواخر الثمانينيات، ولكن الكتابة السوداء بزاوية اخري كانت نشيد افتراقنا، النشيد الختامي لجماعة أفرادها تنابذوا وتباعدوا، قد يبدو للعابر أن السبب في عدم صدور أعداد تالية هو التمويل، والحقيقة أن هذا السبب هين جدا في ميزان أعمالنا. الحمولة الثقيلة في هذا الميزان هي أن المجلة جاءت كنشيد ختامي نعلن فيه تفتتنا واختلافنا، نعلن فيه موتنا كجماعة وقيامنا كأفراد، إذا تحقق لنا قيام الكتابة السوداء كفكرة ـ إذا كانت قد توقفت معنا كجماعة ـ إلا أنها عادت الي الحياة من خلال آخرين أسسوا مجلة الكتابة الأخري التي اعتبرها شخصيا امتدادا بدرجة لونية مختلفة للكتابة السوداء ولا أنكر انني كنت أحد مستشاريها في كل الأعداد التي أصدرتها حتي الآن، وأفخر انني زاملت بشير السباعي المترجم المثقف وعادل السيوي الفنان التشكيلي كمستشارين آخرين، أسهما بخبرتيهما ورؤاهما مثلما حاولت أن أسهم.ليس مستغربا انه مع صدور العدد الوحيد من الكتابة السوداء كانت بعض التغيرات الحياتية قد فرضت حضورها، أحمد طه يتزوج من أمريكية ويسافر معها ويعود ووجهه قد اختلف كثيرا عن الوجه الذي سافر به، في الوقت ذاته كنت قد بدأت علاقتي المباشرة مع واحد هو الأهم بالوسوسة وإثارة الخيال والشطح طوال الزمن السابق علي لقائي به.أواخر الثمانينيات التقيت بأدونيس. أغلب لقاءاتي مع الكتاب والأدباء جاءت فاشلة لأن الصورة التي رسمتها لهم عبر قراءة أعمالهم كانت غير صورتهم الحقيقية تماما، في حالة أدونيس ـ وهذا ليس مجافاة لما أحسه الآن ـ كان الواقع أجمل من المتخيل. وكيف سارت علاقة جماعة السبعينيين بالمؤسسة ومجلاتها، وهل كان الجيتو والمجلة شقا لعصا الطاعة الرسمية؟ كما تعترف ان السبعينات التي تكلمنا عنها كانت تقويضا أو هدما تاما لفكرة الثقافة وتجلياتها من قبل السلطة، أغلقت في ذلك العهد مجلات الكاتب والطليعة، والمجلة والفكر المعاصر وحلت محلها مجلات علي غرار الشباب وعلوم المستقبل، والجديد لرشاد رشدي وثقافة عبدالعزيز الدسوقي وتولي مجلة الهلال العريقة صالح جودت. كانت السبعينيات كما قلت إظلاما تاما للمسرح، هذا الإظلام تناسب مع مراهقتنا في مواجهة رأينا أن التعامل مع المجلات البديلة أشبه بممارسة الجنس مع مومسات مصابات بالسيلان وكنا لا نحب أن نصاب بالسيلان.بعد كامب ديفيد والمقاطعة العربية، وهي الفترة التي شرعنا فيها في تأسيس أصوات بدا للبعض ان ما نفعله هو الغطاء الأدبي لتنظيمات وتشكيلات سياسية بدا للبعض ان اضاءة الفرع الأدبي للتيار الثوري وأصوات الفرع الأدبي للتروتسكيين، بعضنا لم يكن يعرف تروتسكي قبل أن يتهم بهذه العلاقة، بعضنا أحب تروتسكي بعد ان شاء أن يتعرف علي، بعضنا تورط في الحب وشارك في نشاط ما، أجهزة الدولة انتبهت الي ظاهرة الماستر وكراسات الفقراء أو الأوفست، هذه هي الأسماء المختلفة للظاهرة فواجهتها بعدة طرق احداها ان تقوم الدولة ذاتها بانتاج كراسات الماستر عن طريق ميليشياتها في قصور الثقافة المختلفة ولما لم تفلح هذه الوسيلة كان لا بد من التفكير في إعادة إصدار مجلات أدبية تستطيع أن تحتضن هؤلاء الشذاذ!! فصادف في ذلك الوقت موت السادات الذي ربطته الأنظمة العربية بكامب ديفيد والمقاطعة، تصادف ان هذه الأنظمة بدأت تعيد علاقاتها مع مصر الجديدة، فكرت المؤسسة الثقافية المصرية في ضرورة ان تكون الشخصيات القائدة للمجلات الجديدة المقترحة شخصيات مقبولة مصريا وعربيا وأن تكون مضمونة ايضا فكانت مجلة ابداع، أعتقد انها لعبت دورا كبيرا في إنهاء ظاهرة الماستر، تلك الظاهرة البديعة التي كشفت عن خزانات الطاقة غير المستخدمة ما دامت تجلس تحت مظلة السلطة، حقبة الثمانينيات بهذا المعني هي حقبة استعادة الدولة لهيمنتها عبر وجوهها المقبولة، عبدالقادر القط، غالي شكري، الخ وهي حقبة ـ لا أقول نضجنا ـ ولكن أقول استجابتنا لهذه الدعوة، أحد الروائيين المصريين يعتقد ان المشي علي الرصيف البعيد عن رصيف المؤسسة يضمن لك ضياع رسالتك وعدم وصولها الي أحد وأن المشي علي رصيف المؤسسة هو وحده الذي يحقق امكانية تأثيرك في شعبك وجمهورك ومحبوبيك، حتي لو تحقق ذلك بإبداء بعض التنازلات. ويستشهد في ذلك برفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وطه حسين وصولا الي نجيب محفوظ.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية