مغروسين ف البلد دي بجالوص طين !
أميرة الطحاوي مغروسين ف البلد دي بجالوص طين ! أحد عشر شاباً يدرسون بكليات مرموقة اختاروا بكامل قواهم العقلية أن يتركوا مصر مع أول فيزا وبطاقة طيران أتيحت لهم في منحة علمية قصيرة، بمجرد وصولهم لمطار أمريكي فروا وتسربوا بحثاً عن أعمال بسيطة لا تتناسب مع ما سافروا لأجله، أظن أنه لو أتيحت لآلاف آخرين فرص مثيلة فانهم سيكررون المغامرة، تتكرر الحادثة بتفاصيل مختلفة كل فترة، جثث شباب تلقيها السواحل في رحلة هروب خطرة الي دول أوروبية، يتم السفر غالباً بهويات سليمة ولكن بتأشيرات يشوبها التلاعب، وبمقابل مادي كبير يدفع لتجار البطالة والحلم بمستقبل ما بعيداً عن وطنهم، هذا الوطن الذي أصبح من العسير فيه الوصول لظروف معيشة أفضل بنفس المعادلات القديمة (كالعمل والاجتهاد والأمانة). انه لأمر مقلق، ففي تموز (يوليو) الماضي وضمن حلقة حوار تلفزيوني ضمت شابين من بين عشرات اعتقلوا علي هامش الاعتصام المؤيد لمطالب القضاة الاصلاحيين، تحدث الدكتور شيرين عبد العزيز النائب بمجلس الشعب عن الحزب الحاكم مهاجماً موقف الشباب الذين لم يعجبهم تفشي الفساد والتسلط بمصر، ونصحهم نائب الشعب بان اللي موش عاجبه حال البلد يمشي… ويسيبها . نعم قالها حرفياً اللي موش عاجبه حال البلد يمشي… ويسيبها ذكرني هذا بحوار أجريته مع أحد أبناء الحركة الشيوعية المصرية قال انه عندما خرج من معتقله في عام 1964 بعد 6 سنوات من الاعتقال، طلبه الأمن وقال له مسؤول ان الأفضل له أن يكمل دراسته بالخارج، واقترح عليه ضمناً وكان يعمل بشركة مصرية لها تمثيل بالخارج أن ينتقل لفرعها بعاصمة ثلجية، ابتسم محدثي وهو يتذكر بفخر تعقيبه علي هذه النصائح الغالية يا بيه..أنا مزروع ف البلد دي بجالوص طين وربما قال جالوص جلّه ـ لا أتذكر اللفظ تحديداً ـ والجلة عزيزي القارئ هو وقود يصنع من روث الحيوانات في الريف ولا زال مستخدما علي نطاق ما.والحقيقة أن هذه العبارة الطريفة بدأت تحاصرني مؤخراً كلما تذكرت لحظات التبرم التي نلاقيها بمصر تحت حكم مبارك، ومع ارتفاع مستوي الاحباط، نشعر أكثر من أي وقت مضي أننا مرتبطون بهذا الوطن، مسؤولون عن عثراته، علينا واجب تجاه اصلاحه وصنع مستقبل لأطفالنا، فلو شد كل منا رحاله في سفينة أو طائرة، لمن نترك الأرض العرض، لمن نترك العزبة؟ لأصحاب التكية؟ عندما يزداد ضيقنا من تردي الأوضاع وتخبط المعارضة وأشباهها، فقط أعرف أنني أيضاً يا بيه.. مغروسة ف البلد دي بجالوص طين .أضحك من كل قلبي عندما أشاهد علي فترات متباعدة بعض المصريين الذين يتعالون دوماً بأن جدهم الأكبر جاء من جزيرة كذا وجدتهم الكبري من الجزيرة أو الأرخبيل المقابل فالتاريخ يحيلنا لأصول هؤلاء الحقيقية، مماليك مساكين أوقعهم حظهم العاثر في الأسر قبل قرون، عسكر قتلة وفدوا مع غزوة أو غارة ثم ماتوا ودفنوا في طين بلد استوعب جثث الملايين قبلهم من كل لون وجنس، وعندما وجد أحفادهم بلداً ووطنا، وكلما أرادوا اثبات تفوق وهمي بلا أي مبرر وبدون أي اجتهاد أخذهم الصلف والتعالي ليرددوا عمال علي بطال احنا تراكوة، مجرد أرجوزات: جهلهم بما يحق للمرء الفخر به غير نسبه الذي لم يصنعه، هو نفسه الجهل الذي يمنعهم من فهم أنه لم يكن هناك أصلاً وقتها دولة اسمها تركيا، بل ممالك عدة تمتد حتي وسط آسيا وربما كان جدهم من تتارستان حالياً أو طاجيكستان مثلاً، لو سمعوا كلام سيادة النائب، اللي موش عاجبه حال البلد يمشي…ويسيبها وطالما لديهم بديل فليعودوا له ويريحونا.في نهاية السبعينات قام صدام حسين ـ وهو طاغية حكم العراق لأكثر من ربع قرن ومع ذلك سقط حكمه علي يد الاحتلال الأمريكي الذي كان يدعمه لأكثر من 17 عاماً ـ بتهجير آلاف من العراقيين من الكرد الفيلية بحجة أنهم من أتباع الدولة الصفوية ـ وهي امبراطورية زالت قبل هذا الزمان بزمان وحلت محلها دولة ايران الحالية ـ وفي يوم وليلة نفي عنهم الانتماء للعراق ونهب أموالهم، ثم بدأ التضييق علي الشيوعيين وبدأ في اعدامات جماعية لحزب الدعوة، طبعاً مبارك لن يسير بنفس درب صدام، طبيعة المجتمع والتاريخ تمنعه، لكن ما قاله نائبه هو مؤشر علي أن النظام يتعامل الآن مع معارضيه باعتبارهم أغرابا عن البلاد واللي موش عاجبه يمشي!لا يا سيادة النائب، موش ها نمشي، واجبنا هو أن نطهر بلدنا، أن نحاصر القبح والفساد، أن نخلق الوعي بحتمية التغيير في عقول البسطاء، نمدهم بأساليبه ونمكنهم منها، نستوعب تجاربهم ورؤيتهم للتغير الذي يريدون، نبحث عن الفئات الأكثر قابلية للتثوير، نصنع من كل ناشط نصيرا لهم، نتماس مع معاناتهم ونخففها، ونشير باصبع الاتهام صراحةً لمصدرها، أن نقف بجوار كل المتطلعين لنيل حقوقهم، مع الفقراء والمسحوقين والمهمشين مع المعتقلين حتي يخرجوا، مع المظلومين حتي ينالوا حقوقهم، وعندما ينصف هؤلاء ـ اذا كان لنا من العمر بقية ـ قد نفكر وقتها في بعض الترحال، لنعود أكثر التصاقا بتراب هذا البلد.كاتبة من مصر[email protected]