في رواية المرأة والصبي للميلودي شغموم: السفـر وكشــف الــذات والآخــر
بوشعيب الساوريفي رواية المرأة والصبي للميلودي شغموم: السفـر وكشــف الــذات والآخــرتُصنّف رواية المرأة والصبي (1) ضمن سجل البحث والاكتشاف اللذين طبعا رواية الميلودي شغموم السابقة أريانة ، واللذين قادا السارد البطل إلي سفر انتهي بفك لغز أريانة. لكن السفر والاكتشاف هنا مختلفان، فكان الهدف من السفر هو البحث عن لوحة ضائعة، ذلك البحث الذي سيقود السارد إلي اكتشاف ذاته واكتشاف الآخر (ماريز).دلالة العنوانأول دلالة يؤشر عليها عنوان الرواية المرأة والصبي ، هي علاقة الأمومة بين امرأة (ماريز الباحثة عن لوحة تشكيلية مفقودة) وصبي (السارد الفنان التشكيلي المهتم بتلك اللوحة، ومساعدها في البحث)، وما يترتب عنها من علاقة التعلم والتربية التي قد تصل أحيانا إلي حد الوصاية. وهي الدلالة الأقرب التي تؤكدها الرواية لأن هذه المرأة (ماريز) كانت آمرة متحكمة في السارد الذي كان مجرد منفِّذ لمخططاتها، بما في ذلك رحلتهما معا بحثا عن نسخ لوحة الرجل العجوز ، وبرنامج الرحلة، وكذا تغييرها المفاجئ للأماكن أحيانا، إذ كانت تفاجئه كل حين. تقول مثلا: ثم إنه ينبغي أن ننام باكرا لنسافر إلي الصويرة! (48) دون أن تستشيره، ولا يحدث ذلك إلا عندما يتعلق الأمر بحصولهما علي لوحة جديدة، تستدعي التأويل.وثاني دلالة هي علاقة الرغبة بين السارد وماريز، إذ كانت ماريز موضوع رغبة للسارد. لكنها كانت تؤجل رغبات السارد في جسدها. يقول: والحقيقة أني كنت أفكر في جسدها وحده، جسد يدعو، صارخا، إلي اللذة، لكنه يفرض عليك أن تنتظر، أن تصبر، أن تزهد، ولو لوقت قصير، أن تصبح متصوفا تتغني بالخمرة وتنشدها من غير أن تشربها إلا شربا روحيا . ( الرواية، ص 181 ـ 182) مما طبع شخصيته بازدواجية.تبعا لطبيعة السفر في الرواية المليئة بالمفاجآت التي فرضتها التصرفات الغريبة للمرأة، نتج عنها ازدواجية شخصية السارد.2 تتقاسمها شخصيتان؛ شخصية تظهر وتختفي هي شخصية الصبي التي تتميز بالتهور والاندفاع والجرأة، وشخصية ثابتة هي شخصية الراشد، وتتميز بالتوجس والتريث والهدوء. ويتبادلان التأثير والتأثر، فتتجاذبان السارد: ازداد حقدي وتوتّر الصبي . (42) فيتراوح السارد بين الخضوع لمتطلبات الواقع ولرغبات الصبي لاحظت، في المرآة، أثر الصفعة علي خدي، توجهت إلي الراشد بداخلي: ضحك علينا الولد الخبيث، الطائش، من جديد . (88) وليست هذه الازدواجية سوي تنويع علي الثنائية الفرويدية الأنا والهو. الأنا (الراشد) يسعي إلي فهم ماريز بتصرفاتها الغريبة التي تمثل موضوعا خارجيا للذة. والهو (الصبي) يسعي إلي تدميرها وفضحها حينا والإيقاع بها في حبائل الرغبة الجنسية حينا آخر.هيمنت ماريز علي أحداث الرواية وكان السارد مجـــــرد تابع لها وخاضع لمخطــــطاتها، ومجرد منفعل مع أفعالها، فكـان يكتفي بالاستفهام، الذي يسهم في تنامي السرد، والاكتشاف؛ اكتشاف ذاته واكتشاف أسرار تلك المرأة الغريبة. تنامي السرديتنامي السرد في هذه الرواية انطلاقا من حالة بدئية هي مشكلة اختفاء لوحة الرجل العجوز واختفاء صورها: صور تحيا وأخري تموت مع الوقت والناس، الاستهلاك! (5) أثناء انشغاله بالبحث عن هذه الصورة تقتحم عليه امرأة يهودية عالمه، تطلب مساعدته في معرفة أين اختفت لوحة الرجل العجوز ، فيلبي دعوتها، ليتطور الأمر إلي رحلة مليئة بالمفاجآت.فكانت ذريعة السرد هي البحث عن لوحة الرجل العجوز ، داخل تعدد نسخها: ليس هناك لوحة انتشرت عند العموم كهذه اللوحة ولكن لا أحد منهم يعرف اللوحة الأصل . (31)ويتطور السرد من خلال ما يلي:ـ استفهامات السارد، وخصوصا الأسئلة المحيرة التي افتتحت بها الرواية، مثل: لماذا اختفي هذا النوع من الصور بدوره من كل الأماكن؟ (5)ـ بحث المرأة عن صور ونسخ لوحة الرجل العجوز ، وتأويلها بمعية السارد باعتباره فنانا تشكيليا، داخل تحولات اللوحة وتحولات نسخها. يقول السارد محللا إحدي النسخ: أصبح الرجل العجوز في هذه النسخة امرأة عجوزا، بدورها، لكن محتجبة، كما أفرغت الزجاجة من كل سائل ومال لونها نحو الأخضر الفاتح، أما الباقي، كل الباقي، فلا يختلف كثيرا عما هو معروف في كل هذه النسخ… . (105)ـ محاولة السارد فهم شخصية المرأة بتصرفاتها الغريبة والمحيرة المرأة الملغزة؛ من ذلك أنها أخذت تلعب الكرة عارية رفقة مجموعة من الشبان علي الشاطئ دون أن تبالي بتحذيرات السارد: قامت من مكانها واتجهت إلي مكان اللعب ودخلت وسط أولئك الشباب تلعب معهم فأخذتني لحظة خوف . (119) تدفع هذه الشخصية الغريبة السارد إلي التعجب حينا: لا، مجنونة ونصف، والله! (الرواية، ص 56). وإلي التساؤل والاستفهام حينا آخر: أتكون إرهابية؟ (الرواية، ص 58.) فيعيش توترا نفسيا حول تصرفاتها الغريبة، بين الصبي المندفع، الذي يظهر ويختفي في شخصيته وبين الراشد فيه.ـ كما يغتني السرد ويتنامي عبر تقنية التذكر التي تواترت بشكل لافت في الرواية. وتتم بفعل تحفيز فكرة أو حدث أو مكان، فتستعيد الذاكرة حكاية مماثلة، ويكون دورها إضاءة الحدث أو المكان أو الفكرة المتحدث عنها، فلا يتعلق الأمر باستطراد مجاني، بل مقصود يعمل من خلاله الروائي علي تسخير الحكاية وتوظيفها داخل عالمه الروائي، بقصد إضاءة الحدث أو الشخصية. وقد تواتر ورود فعل تذكرت ومرادفاته أكثر من عشر مرات في الرواية. يقول السارد مثلا، بعد وصوله إلي الدار البيضاء في رحلته مع ماريز وطلبه منها أن يصالح سيدي بليوط بشمعة أو قالب سكر: تذكرت بأني، ذات ليلة خرقاء، بلت بالقرب منه وأنا لا أتماسك من شدة السكر (الرواية، ص 28)2 ـ 1 ـ تعدد الخطاباتتنفتح الرواية علي مجموعة من الخطابات كالرسالة (رسالة ماريز إلي السارد) التي تفتتح بها الرواية والتي كانت علامة علي تحول كبير في مسار السارد البطل: داوود… المحترم… بلغني عن طريق معارفي بالمغرب، أنك تحب لوحة يتعارف العموم علي تسميتها بالرجل والزجاجة أو العجوز الوحيد وتتعاطف مع الفنان الذي رسمها… (3).وتنفتح علي الحلم الذي يرتبط غالبا بمشاغل السارد اليومية فيري ما كان مشغولا به، الذي يكون محفزا علي ظهوره في المنام، فيحضر الشخص (موضوع الاهتمام) في المنام ويتكلم معه عن انشغاله به. رؤيته للرجل العجوز مثلا، بعد أن كان منشغلا بالبحث عن صوره التي اختفت بشكل مفاجئ: حلمت بـ العجوز يوقظني وهو يبتسم: ـ قل لي هل وجدت؟ ماذا يريدني أن أجد؟ أن أجده هو، يبدو أنه أجابني، في المنام، عن هذا السؤال: ـ أقصد ما تبحث عنه من خلال البحث عني، ما ضاع أو استجد، بضياعي؟ (الرواية، ص7). 2 ـ 2 ـ الحكاية وإضاءة الشخصياتكان هناك حضور كبير للحكاية التي اضطلعت بوظيفة أساسية؛ هي إضاءة الشخصيات، وتأكيد أن وراء كل شخصية تدخل إلي مسرح الأحداث حكاية. ـ حكاية الرسام المبحوث عن لوحته، التي تضيء اللوحة ونسخها، يقول مثلا: إن هذه الحكاية تزيد من احتمال أن تكون القنينة امرأة، أمه مثلا، أو ذات الرسام الساكنة في الزجاجة! (الرواية، ص 38). وحكاية جد السارد مع النساء (الرواية، ص 59ـ 60) وتقاطع الحكايتين: حكاية جدك، تشبه من بعض الوجوه، قصة حياة الرسام الذي نبحث عن لوحته ونسخها (الرواية، ص 62).ـ حكاية السارد مع الرسم التي تبرز كيف تعلم الرسم (الرواية، ص115).ـ حكاية عائلة مارسيل اليهودية، وحكاية عمة مارسيل المغنية الشعبية (الرواية، ص 125).ـ حكاية المرأة التي أحبت الرسام البرتغالي (الرواية، ص 129).ـ حكاية اغتناء اعميمي صاحب الفندق بسيدي بوزيد الذي ينتمي إلي الجماعة الصوفية. (الرواية، ص 161).وغالبا ما يتم إدراج هذه الحكايات عبر فعل التذكر، الذي يتم بفعل حافز موضوعي أو ذاتي يعترض السارد.السفر والاكتشافرغم كون السفر والرحلة فعلين مؤطرين للرواية، واللذين يتميزان عادة باهتمام المسافر أو الرحالة باكتشاف الأماكن والآثار الطبيعية والإنسانية، فإن اهتمام الاكتشاف سينصب علي الذات المسافرة ومرافِقتها (ماريز). يقول ابن منظور في مادة سفر: وسمي السفر سفرا، لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيا منها (3).يكتشف السارد ذاته عبر السفر، الذي أفضي إلي تعلقه بماريز، وكذلك إظهار مشكلته النفسية: رحلة قصيرة كهذه تريك ما لم تكن تعرفه عن نفسك وعن الدنيا! (الرواية، ص 168).تُوجه السفر مسألة اكتشاف سر لوحة تشكيلية لفنان فرنسي وهي الرجل العجوز التي اختفت نسخها فجأة واكتشاف صاحبها؛ إذ تنتهي الرواية إلي أن صاحبها كان ينتمي إلي جماعة صوفية تعود من حيث المرجعية إلي محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، واكتشاف تعدد نسخ اللوحة الأصل المبحوث عنها والتي تؤكد تعددها واختلاف مضامينها وإن كانت تنويعا علي الأصل، فكانت تحفز علي التأويل والتفسير والمقارنة بالاستعانة بحكاية الرسام صاحبها، واكتشاف سر المرأة الغامضة التي جاءت من باريس باحثة عن تلك اللوحة، ذلك الغموض الذي ولد شكوكا كثيرة لدي السارد فكان يظنها حينا تابعة لمنظمة صهيونية ويعتبرها حينا آخر جاسوسة، خصوصا من خلال إفراطها في صرف المال وكذلك إقامتها بفنادق فخمة. فيكتشف في البداية أنها يهودية مغربية، ثم بعد ذلك يكتشف أنها تنتمي إلي جماعة صوفية تضم أناسا من ديانات مختلفة: نحن لسنا أكثر من جماعة صوفية، أتباع طريقة تسمي الطريقة الصافية ، نسبة إلي مؤسسها السيد عبد الرحمن الصافي المغربي، ولد في ناحية تارودانت، ثم نشأ في الأحلاف بالشاوية، قبل أن يطوف أرجاء العالم طلبا للعلم والحكمة… هذا الشيخ تأثر بصوفيين كبيرين معروفين، محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، عن الأول أخذ المذهب وعن الثاني أخذ الطقوس، إلا أن طقوسنا خالية من الكلام… (الرواية، ص 157ـ 158). ويستمر الاكتشاف حتي نهاية السفر، ليكتشف أنها مقبلة علي مناقشة أطروحة جامعية، حول الرسام صاحب اللوحة المبحوث عنها، تحت عنوان: جان كلود بواسان المتصوف: الأصل والنسخ والامتزاج (الرواية، ص 183).ليظل عنصر الاكتشاف الذي أتاحه السفر خيطا ناظما للرواية من بدايتها إلي نهايتها، فيكتشف السارد ذاته وغرابة ماريز، ويتوصل إلي تلاشي الأصل أمام وجود النسخ، علي مستوي الحقيقة، وكذلك يكون إطارا لتسريب اليومي، بتناقضاته بنبرة لا تخلو من سخرية. من مشكلة تعدد النسخ إلي مشكلة نسبية الحقيقةتستند الخلفية المؤسسة لبحث السارد، ومعه ماريز عن أصل لوحة الرجل والزجاجة وانتهائهما إلي تلاشي الأصل في تعدد النسخ، علي إشكالية فلسفية وهي إشكالية نسبية الحقيقة وتعددها وتيه الأصل وانفلاته وغيابه وتلاشيه أمام تعـــــدد النسخ (الحقائق)، من خلال مثال غياب اللوحة الأصل وتعدد نسخها باختفاء الأصل. يقول السارد متوصلا في النهـــــاية إلي هذا الاستنتاج الفلسفي: الحقيقة كلها نسخ وظلال، تصـــــــوير وتصور (…) نسخ تنســـــخ نسخا… أطراس، يقولون! (الرواية، ص.191.) يحاول السارد ومعه ماريز استعادة صورة العجوز، انطلاقا من النسخ لكن أصلها يتيه ويتلاشي بين لوحة وأخري، مع زيادات النسخ، مما يذكرنا بالثنائية الهايدجرية الوجود(Etre) والموجود(Etant) فالوجود يتلاشي وراء الموجود الذي يحجبه ويخفيه. يقول السارد: قتلت النسخ النموذج . (الرواية، ص.31.)تسريب اليومي والسخريةلم تمنع هيمنة مشكلة البحث عن اللوحة ونسخها، وتلبسها بلبوس فلسفي، السارد من تسريب اليومي. فيقوم بين الفينة والأخري بالتقاط اليومي بتناقضاته وسلبياته، أثناء حوار الشخصيات بطريقة غير مباشرة علي شكل حكايات يحفل بها واقعنا. يقول مثلا راصد بعض التحولات السلبية التي عرفها المجتمع: أمر عاد في أيامنا هذه، آلاف الفتيات، والنساء الكبيرات في السن، إضافة إلي الرجال من كل الأعمال والأعمار، يعشقن من خلال الصور في الانترنيت . (الرواية، ص 19) ويقول منتقدا الحافلة التي استقلاها في طريقهما إلي الصويرة: انتظرنا أكثر من نصف ساعة لتنطلق الحافلة الميمونة التي بدت لي من بقايا الحرب العالمية الأولي! (…) وكانت المقاعد غير مريحة، كثيرة الحركة والضجيج، وكان جل الركاب من بسطاء الناس والروائح حادة ومتنافرة . (الرواية، ص 49)، تلك الحافلة التي كانت بمثابة صورة مصغرة عن بعض الظواهر الاجتماعية. يقول السارد علي لسان ماريز: تعجبني الفرجة التي في حافلاتكم: المتسولون، والمشعوذون، والمغنون، وقارئو القرآن، ومرتلو المدائح، والمهرجون، وذوو العاهات، واللصوص… (الرواية، ص 33) وأحيانا يتم نــقل هذا اليومي عبر السخـــــرية والتهـــكم: تخيلت أن هذا السـائق إنما حصل علي رخصة السياقــــــة في مادة واحدة: التجاوز! لما رأيتـه يتجاوز الحافلات، والسيارات، والشاحنات غير مبال لا بعلامات تحديد السرعة أو منع التجاوز، ولا بالخطوط المتصلة، ولا بالقادمين من الاتجاه المعاكس . (الرواية، ص 51) لكن اليومي لم يكن عنصرا مؤسِّسا في الرواية، كما عودنا شغموم في كل من خميل المضاجع ونساء آل الرندي والأناقة، وإنما تم إدراجه بطريقة غير مباشرة، إذ كان يجد طريقه إلي النص بسهولة، ويصادف سفر السارد وبحثه واكتشافه.تركيبلقد كان السفر عنصرا مهيمنا في هذه الرواية، ساهم في تنامي السرد عبر عنصري الاكتشاف والاستفهام، وكان فرصة لطرح مشكلة نسبية الحقيقة وتلاشي الأصل، وأرضية لتسريب اليومي بتناقضاته.ہ كاتب من المغرب الإحالات:1ـ الميلودي شغموم، المرأة والصبي ، دار الأمان، الرباط، 2006.2ـ ـ علي شاكلة رواية الثعلب الذي يظهر ويختفي لمحمد زفزاف، منشورات أوراق، الدار البيضاء، 1985.3ـ ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط.I، 1990، مادة سفر.0