يوسف الشريف يحكي قصة فتوة بولاق إبراهيم كروم مع الإخوان وثورة يوليو فتوات مصر أصحاب أدوار وطنية خلاقة وشركاء في التحرير
محمود قرنييوسف الشريف يحكي قصة فتوة بولاق إبراهيم كروم مع الإخوان وثورة يوليو فتوات مصر أصحاب أدوار وطنية خلاقة وشركاء في التحريرالقاهرة ـ القدس العربي ارتبطت فكرة الفتونة في التراث الشعبي المصري بأخلاقيات أولاد البلد التي يمتد تاريخها الي فكرة اللص الظريف أو اللص العادل ، وكذلك الي هؤلاء الأشخاص النادرين في تاريخنا الذين ينهبون ويرتكبون جرائم السطو ضد الأغنياء، ليس من أجل أن يكنزوا أموالا، بل من أجل توزيع غنائمهم علي الفقراء، وأبرز الظواهر في تاريخنا العربي تلك الظاهرة التي ارتبطت بالشعراء الصعاليك الذين كانوا يسطون علي قوافل التجارة، ثم يقومون بتوزيع حصيلتها علي فقرائهم ومعدميهم، وأبرز النماذج في مصر، ذلك الشاعر الشعبي الاسطوري ابن عروس الذي أعاد الي الأذهان صورة الشعراء الصعاليك في التاريخ العربي.ثم تطور مفهوم الفتونة حتي بات ـ بالاضافة الي ذلك ـ عملا معنويا محضا يضفي علي صاحبه الكثير من المهابة، فهو في الحي الذي يقطنه راعي النظام وراعي العدل وفارض المكوس والضرائب علي الأغنياء من اجل توزيعها علي الفقراء، وهو المنوط به فض المشاجرات وإجراء مجالس الصلح ولا يجب ـ في كل الحالات ـ رد الحكم الذي ينطق به في المجلس.وفي كتابه مما جري في بر مصر يخصص الكاتب والصحافي يوسف الشريف فصلا لفتوات مصر لكنه يخص بالذكر الحاج إبراهيم كروم فتوة بولاق و فؤاد الشامي فتوة شارع عماد الدين، ويلوم السينما المصرية التي قدمت تلك النماذج البشرية باعتبارها تعكس نوعا من البلطجة والخروج علي القانون. ويشير الشريف الي ان هؤلاء الفتوات كانوا أصحاب أدوار وطنية مرموقة ورفيعة فكانوا إبان الاحتلال الانكليزي والفرنسي قادرين علي ايقاع الأذي بجنودهم فكانوا يخطفون الكثيرين منهم ولا يفرجون عنهم إلا مقابل الإفراج عن الثوريين المصريين، وينقل الشريف ما قالته صحيفة الغازيت الفرنسية عن تلك الثورة التي تزعمها الفتوات في بولاق أبو العلا عندما حاصر الجنود الفرنسيون ذلك الحي، فقام الفتوات بتنظيم صفوف المقاومة والتهديد باغتيال المستسلمين وتدبير الماء والطعام ونقل الأطفال والعجائز والجرحي إلي مخابيء آمنة.ويصف الشريف إبراهيم كروم فتوة بولاق ـ آنذاك ـ بأنه كان يشتغل بتجارة الحديد الخردة ويملك مقهي شهيراً يحمل اسمه كان بمثابة ديوان المظالم الذي يعقد فيه مجلسه الليلي لحل مشاكل سكان بولاق وفض خصوماتهم.ويقول الشريف ان كروم كان يمكنه أن يصرع عشرة رجال وفي الوقت نفسه كان ضعيفا وباكيا، وكان يرعي كافة الأسر التي تفقد عائلها ويفرض إتاوات علي الأثرياء لرعاية تلك الأسر المنكوبة وكان يتولي حل جميع المشكلات التي تواجه أصحاب المحال والوكالات مع الإدارات الحكومية المختلفة، وكان كثيرا ما يدفع نيابة عنهم ديونهم المتراكمة، إلي جانب ذلك يعد إبراهيم كروم أشهر راقصي العصا في عصره، وقد قدمته بعثة سينمائية ألمانية في فيلم تسجيلي وهو يرقص بعصاتين علي أنغام موسيقي النقرزان.ورغم ان كروم انضم لجماعة الاخوان المسلمين وكان رئيسا لشعبة بولاق إلا أنه كان من أشد انصار ثورة يوليو، وكانت تربطه علاقات ببعض رجالاتها، ويذكر الشريف انه عندما قررت الثورة حل الأحزاب وسمحت للإخوان المسلمين وحدهم بممارسة أنشطتهم الدينية والنقابية والتطوعية من دون الاشتغال بالسياسة ودب الشقاق بين الجانبين، إذا الحاج ابراهيم كروم يسعي بحكم وشائج الصداقة و الاستلطاف المتبادل مع مجلس قيادة الثورة لإقناعهم بعرض أفكارهم، فكانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد في استجابة محمد نجيب وجمال عبدالناصر وقيـــادات الثورة للدعوة، وكـــــانت المفاجأة الثانية عندما أقبل الحاج كروم لاستقـــــــبالهم ممتطيا ظهر فرسته مرزوقة وهو يرقص علي ايقاعات الطبل البلدي، وعندما تم القبض علي الحاج إبراهيم كروم بعد حادث المنشية توسط السادات لدي عبد الناصر الذي كان يعرف الرجل فأصدر قرارا بالإفراج الصحي عنه.الجدير بالذكر ان الحاج إبراهيم كروم ـ حسبما يكشـــــف الكتاب ـ هو عم مدير مكتــــب القــاهرة الكاتب والصحافي حسنين كروم.ورغم أن الاكتشاف الأخير ليس ـ بالطبع ـ من قبيل إرهاب القراء أو زملاء مكتب القاهرة، إلا أن الحذر واجب، وليس أمامنا إلا أن نسأل الله السلامة.0