الكاتبة والباحثة الجزائرية فاطمة غولي: لا يمكن أن يكون جمال الأسلوب وشاعريته حكرا علي المشارقة فقط!
الكاتبة والباحثة الجزائرية فاطمة غولي: لا يمكن أن يكون جمال الأسلوب وشاعريته حكرا علي المشارقة فقط!الجزائر ـ القدس العربي : فاطمة غولي كاتبة قصة قصيرة، وباحثة ناقشت رسالة ماجستير حول الأعمال الروائية للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة وتحضر دكتوراه في الرواية النسائية كما صدر لها العديد من قصص الأطفال ومجموعة قصصية بعنوان كما لو أن عن منشورات الاختلاف، وهي تعمل مفتشة للتربية والتعليم وأستاذاً مشاركاً بالمدرسة العليا للآداب والعلوم الانسانية، وفي هذا الحوار محاولة اقتراب من تجربتها في الكتابة ومناقشة بعض القضايا المتعلقة بالكتابة النسوية. في البداية ما الذي دفعك للكتابة أو ما هو السبب/الأسباب التي كانت وراء هذا الشغف الهاجس ؟ پمنذ أن وعيت وجدت أنّ للحرف سطوة جميلة عليّ، سحرني في تموجاته، وفي المعاني التي يقدمها لي مع كلّ رسم جديد. في بيئتي الطفولية الأولي التي ميّزها الصمت والسكون، رافقني الحرف، واعتبره اكتشافي الأول المدهش، اذ كان يدخلني في عوالم يسلمني أولها الي الآخر فأعدو وأعدو وأوّد ألا أعود! ومن خلال الحرف تعرفت الي قيمة الكتاب. هذا المخزون المذهل من التجارب والخبرات. ما الذي دفعني للكتابة؟ كنت وما زلت، بعدما أستنفد قدراتي علي الكلام أو (الصراخ) وأرغب في الهمس ألجأ الي الكتابة. حين تتعب من الكلام وتشعر أنّ هذا الكلام العادي لا يجدي، تفرض لغة أخري نفسها، هي لغة المشاعر المكثفة التي تطالب بجارحة أخري للاصغاء، موطنها القلب. الكتابة هي عالمي الجميل الذي يجبرني علي أن أبحث عن أحسن حالات الجمال التي تمر بالذات. فاستخلص روحها مقدمة اياها في كلمات تأخذ بنفسي ولا تتركها الا وقد اكتمل النص بين يدي. هناك من الكاتبات من يعترفن بأن سبب الكتابة هو الاحتجاج علي وضع المرأة في المجتمع العربي، أن الكتابة بالنسبة للمرأة تبدأ من الصراخ ضد الظلم. هل كان الأمر كذلك بالنسبة لك؟ أم أن الأمر تغير عن عهد الرائدات من الكاتبات العربيات؟ الكتابة الابداعية ليست وثيقة احتجاج بهذه المباشرة والوضوح والاختصار، ما أسهل الصراخ حتي ولو كان في وجه الظلم، ولو كان الأمر بهذه البساطة لكنّا أصدرنا بياناتنا في كل لحظة، فالظلم يعيش معنا ويحيط بنا ـ وما أسهل أن يصيبك الظلم اذا كنت امرأة. غير أن شأن الكتابة يتخذ حاله معي بداية من أجواء صوفية بذبذبات زئبقية تشلني عن واقعي للحظات، تحلق بي في سماء ملونة تغدو معها الكلمة نجمة ألتقطها في هدوء ودهشة، فتستولي علي كياني كله، ثم يكون لي بعدها أن أرصّها في ما يشبه العقد، أشعر أن لي وحدي سلطة التقديم والتقدير والتحوير فيها، فأراني لحظتها أشيّد معلما أو ألون مشهدا أو أعزف لحنا. أحيانا أقاسي العذاب في سبيل الخروج بمنجز من خلال هذه الحالة وفي أحيان أخري يأخذني ما يشبه الغفوة، فتنثال الكلمات تماما، أقرأها مرات ومرات وأذهب لأنام ككل بسطاء العالم وسعدائه. دافع الكتابة هو توق الروح الي اللامنتهي. لقد نشرت مجموعة قصصية واحدة كما لو أن بالرغم من أنك تكتبين منذ زمن بعيد، هل سبب التأخر مرتبط بظروف النشر أم الخوف من تجربة النشر؟ پلا أظن أن للسببين المذكورين وجوداً في حالتي. لقد كتبت منذ بداية التسعينيات، وصدر لي حتي الآن مجموعة قصصية واحدة هي كما لو أن عن رابطة الاختلاف، لكن دعني أبحث لي عن بعض العزاء، وأقول لك لقد كنت أحمل يوما نواة مشروع رواية هي رواية النهر الذي رحل أو شيء كهذا، وحين ضغط عليّ الموضوع كثيرا وأصر علي الخروج وبحكم تعاملي اليومي مع الأطفال، وحين وقفت علي مشهد شغف لقراءة قصة من طرف أحدهم يوما، أغلقت عليّ مكتبي وكتبت بدل الرواية قصة النهر المتهورب. مضمونها يعالج ما عرفناه في عشرية العنف والدم. فكان النص يدعو للمحبة ونبذ الأنانية، ورفض سلوك الانتقام. هل اتّخذت أيسر السبل تجنبا للرواية. لكن يقال أن الكتابة للطفل هي من أصعب الكتابات. ما مدي توفيقي في هذه القصة؟ لا أدري. پما الذي شعرت أنه قد يميزك عن الكاتبات الجزائريات، خاصة وأن هناك من ينمط الكتابة النسوية الجديدة في الجزائر ضمن أسلوب وطريقة واحدة في السرد، ما رأيك؟ لا أظن أن الكتابة النسوية الجديدة في الجزائر تدخل في حالة النمط الواحد في الأسلوب والسرد سوي لسبب واحد، هو شأن البدايات كلها، واستسهال أمر الكتابة واتخاذ أسلوب الخاطرة الذي قد يقضي علي الفكرة الجيدة. حين تتخذ الكاتبة أسلوبا وايقاعا واحدا تفرغ من خلاله شحنتها، ثم يأتي بعد ذلك عدم توخي العمق في الفكرة، وهذا نتيجة ظروف تنال من المرأة أكثر من الرجل، بسبب ضيق الفضاء الذي تتحرك من خلاله، فتبقي تجاربها بسيطة منمطة. وتخرج من هذه الدائرة كل من تأتت لها ظروف استثنائية أو صارعت من أجل ايجادها، وهذه في رأيي من تصح تسمية الكاتبة عليها. أما صاحبات كتابة البدايات فهن مشاريع كتابية بين بين، الاّ اذا.أنا أشعر تماما بهذا الداء الذي يتهدد موهبة المرأة. لكن هل بالإمكان تلافيه؟ في بعض القصص الواردة في مجموعة كما لو أن مثل رجل المحطة ، /ما تبقي منهم و زوج في حقيبة حاولت كسر النمط المتعارف عليه من خلال اضفاء جو من الدينامية علي النص من خلال الحركة السريعة وبالتعبير من خلال المشهد بحركة البطل ومن خلال الحوار القصير. ومع ذلك قد لا يكفي هذا التقديم نص جميل. هناك من يتهم أو يشتبه في كتابة المرأة عندنا ويعتبرها اقرب الي المشرقية منها الي المغاربية. لقد قال هذا مثلا د. أمين الزاوي عن بعض الكتابات التي تنتجها المرأة، ما رأيك؟ أعتبر هذه الجملة رصاصة قاتلة فيّ لمكسب جميل اسمه سلاسة الأسلوب وعذوبته، وهذا لا يتأتي الاّ لمن يعشق اللغة العربية في اعتقادي، ويحبها حدّ التقديس، فيتمكن منها فتجري منه مجري الدم، فيكتب بها حدّ العزف. هذا جانب. من ناحية أخري لقد حضرت لقاء صرّح من خلاله وقال بما معناه بأنه لنا موروثنا الأمازيغي والافريقي. وهنا أقول لقد عشت فترة معتبرة بمسقط رأسي بنواحي الغرب الجزائري وحين تفتحت عيوني علي القراءة، لم أجد لي سوي الكنوز العربية بلغتها، فما علاقة لغتي في هذه الحالة بـ(تومبوكتو)!. هناك بعض التأثيرات قد تتسرب الي الأدب لخلق اختلاف مبرر بين الكتابة المغاربية والمشرقية كتميّز الفكر المغربي بالنقدية العقلية فيما يتميز نظيره المشرقي بالنزوع الي الشريعة والفقه وعلم الكلام. هل يقصد الدكتور أمين الزاوي هذه المؤثرات. أظن أننا وصلنا في عصر المعلوماتية الي انفتاح غير معهود، وعلي الأقل يصير الوثوق من هذا الطرح صعبا جدا، يبقي أن هناك عناصر في الكتابات المغاربية علي مستوي اللفظ، حيث تبدو الكثير من المفردات تراثية قياسا الي ما هو متداول هناك. عموما لا يمكن أن يغدو جمال الأسلوب وشاعريته حكرا علي المشارقة فقط، فيما مرجعيتنا القرائية تقريبا واحدة. وهنا نتحدث عن الأسلوب الجميل الأخاذ المدهش والذكي! لا الأسلوب الساذج، وان أضفي بعض الشاعرية التي تكسو الفراغ. قدمت أطروحة ماجستير عن الروائية الفلسطينية سحر خليفة ما سر اهتمامك بها؟ وأين تكمن قيمتها الأدبية في هذا المجال؟ حين وقعت في حالة الاعجاب بها لم أدرك تماما سبب هذا الوقوع أو الاعجاب. لقد قادني اليها كتابها مذكرات امرأة غير واقعية كتابة قد تبدو عادية لكنها ضمن السهل الممتنع، كانت تحوز علي تلك القدرة التي تعني بالتفاصيل الدقيقة، والتي هي من خصوصيات المرأة. كنت أحمل كتابها أينما ذهبت، وفي احدي المرات لمحني الأستاذ الشاعر حسين أبو النجا أتأبط الكتاب داخل الجامعة فسألني بعد أن قرأ الاسم: لمن هذه الرواية؟ قلت هي لسحر خليفة وشرعت أحدثه عنها في اكبار. فقال لي: سأحضر لك كتبا أخري لها ما دامت قد أعجبتك. ثم أحضر لي كتبها الثلاثة: لم نعد جواري لكم ، الصبار ، عباد الشمس . سحر خليفة وغيرها كثير من الكاتبات ممن أخلصن وبذلن الكثير من التضحيات في سبيلها، وقد أثارت الدكتورة بثينة شعبان في كتابها (100 عام علي الرواية النسائية) كيف أن سحر خليفة تنبأت بالانتفاضة الفلسطينية قبل حدوثها بأربع سنوات. فيما سحر خليفة تأتي بعد ذلك، ومن خلال حوار معها لتشير الي أن الأمر مصدره الجد والاحساس العميق والوعي بالواقع، وهو بعيد كل البعد عن التنبؤات والتكهنات وما شابه، قيمتها الأدبية تجلت لي في معالجتها للعالم الروائي باقتدار موضوعا وتقنية، فطرحت موضوع الأرض والمرأة، وتناولت مفهوم الشرف في ظل الاحتلال كما تناولت قضايا المثقف في تعامله مع المرأة المثقفة، وو و. أنت مهتمة كذلك بالأدب النسوي وتشتغلين عليه في أطروحة دكتوراه، هل تؤمنين بمصطلح كهذا؟ وما خصوصية كتابة المرأة بالنسبة للرجل؟ حينما تجمع مجموعة من الروايات بغرض دراستها، فأنت لا تكرس بالضرورة مصطلح الأدب النسوي في مفهومه المشين: لمجرد أن تصادف مثلا أن هذه الروايات كتبتها روائيات. وللحقيقة لقد أثبتت الكاتبة العربية جدارة لا تنكر في مجال السرد، حيث تجعل الباحث مشغوفا في البحث في هذه الخصوصية. ما خصوصية كتابة المرأة بالنسبة للرجل سيجيب عنها البحث في الخاتمة. قرأت حتما لمبدعات عربيات وأجنبيات من استأثر بحبك أكثر، ما هي مرجعية القراءة عندك ككاتبة وباحثة من الجزائر؟ بعيدا عن سحر خليفة أقرأ النصوص التي تشدني اليها. ولعل قراءتنا لما يشدنا بقوة هو ما يشكل مرجعيتنا في النهاية. كما أقرأ للكاتبات، أقرأ للكتّاب، ويعجبني أسلوب بهاء طاهر وروحه الهادئة. كما أن كتاب مريد البرغوثي رأيت رام الله أبكاني لأيام، انّه فلسطين الجميلة، تتحدث في رقي انساني راق. أعجبت بكتاب باولا لايزابيل الليندي، وبكتاب عجيب بعنوان أتصمت العصافير لكاتب له طاقة مذهلة في الحكي، تخفّي تحت اسم محفوظ خليف. لا أظن أنه اسمه الحقيقي، الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية أذهلتني. هل تفكرين في كتابة الرواية؟ الرواية انجاز جميل، وحلم بعيد المنال في ظروفي الحالية، ومع ذلك شرعت منذ مدة في استكمال نص سابق لي، لكن يبدو لي أنّه يمضي علي وتيرة واحدة. أخبرني أخي بشير مفتي وأنت الروائي كيف السبيل الي بناء الرواية! إنها عالم مذهل متشعب مغر، وجميل. ما هي مشاريعك القادمة في الابداع أو البحث؟ اتمام أطروحة الدكتوراه، طبع ما لدي. والبقاء علي قيد الكتابة فقط.التقاها: بشير مفتي0