زيارة إلي موريتانيا: الأولي.. والأخيرة!
هويدا طهزيارة إلي موريتانيا: الأولي.. والأخيرة! عندما خطونا داخل طائرة تقلنا من الدار البيضاء في المغرب إلي نواكشوط العاصمة الموريتانية.. قال صديق موريتاني: الآن تودعين الحضارة! ، لا.. أنت تبالغ!.. فنحن ذاهبون إلي موريتانيا في طائرة وليس علي ظهر بعير! أي هناك مطار! ونتحادث مع باقي أصدقائنا هناك عبر الموبايل أي هناك شبكة تليفونات أرضية ومحمولة.. ورأينا البيان رقم واحد في الانقلاب الأخير العام الماضي علي فضائية موريتانية.. وغير ذلك من أدوات العصر، قد تكون موريتانيا دولة فقيرة- هكذا قلت ونحن ما زلنا بعدْ بالطائرة- لكن هذا لا يعني غياب الحداثة والاستجابة لوسائلها ولو نسبيا وإلا أين العولمة.. هذا يعني اختلال العدالة، فملامح الفقر موجودة في كل بلداننا، بل وفي نيويورك عاصمة المال في العالم.. كما نشاهد ذلك في أفلام تليفزيونية عن المتشردين سكان أنفاق القطارات في المدينة الأغني ماليا وتكنولوجيا، هكذا (تفلسفت) في الطائرة المتوجهة إلي نواكشوط، صحيح.. كلام كتب! لكن الوصول إلي مطار نواكشوط هو حقا المدخل إلي (عالم الذهول)! هو أول عرض من أعراض (الصدمة الحضارية).. فُتح باب الطائرة فإذا بأرض المطار مليئة بالحفر والتشققات لا توجد حافلات تنقل الركاب من الطائرة إلي قاعة الوصول بل يتناثر الناس في أرض المطار مشيا وركضا في فوضي رهيبة متجهين نحو باب القاعة، الحقائب تفرغ من الطائرة علي أرض المطار ويركض الناس بينها يعوقهم الظلام.. فليس هناك من أضواء تساعدك في تحاشي التعثر في حقيبة هنا أو هناك أو حفرة من تلك الحفر، إلا من ضوء بعيد يأتي من عامود عند باب قاعة الوصول حوله نافورة اسطوانية، تبدو من بعيد جميلة وسط هذا المشهد الصادم، تسير علي هدي هذا الضوء البعيد والنافورة التي تحيط به إلي أن تصل قريبا منه فتتجمد مكانك واقفا مذهولا مذعورا.. فالذي بدا من بعيد نافورة جميلة حول عامود النور ما هو إلا سرب من الحشرات حول النور! وقبل أن يعود مخك إلي العمل من جديد بعد لحظات التجمد والذعر تكتشف أنها ليست فراشات! إنها حشرات لا تعـــــرف إن كانت ذبابا أو نملا أو صراصير.. فهي هجين من كل هذا.. تتردد، مستحيل أن أمضي إلي النهاية.. تشخص ببصرك إلي الطائرة يائسا من إمكانية العودة إلي طاقمها لتتوسل إليه: رجعت في كلامي خدوني معاكم تاني إنما عقلك يدرك الا مجال هناك لهذا التراجع السريع! خائفا من التقدم وهذا السرب من الحشرة الهجينة ينتظرك علي الباب، يتخطاك الناس إلي الباب بلا اكتراث بتلك الحشرة التي يهشونها بعيدا عن ملابسهم وشعرهم بكل بساطة، تقدمي ولا تخافي.. دي حشرة مسالمة .. علي وجه القائل ابتسامة سخرية من ذعري! داخل القاعة توجد في السقف مراوح لا طائل من عملها أمام هذا الحر الخانق المفــــزع.. المطار غير مكــــيف! الأجساد تتلاصق وروائح تملأ المكان تكاد تقضي علي البقية الباقية من الصمود! أفارقة وعرب وأوروبيون، ليس انتظارا لدوري فلا توجد صفوف أصلا وإنما ترويا لشحن النفس بالتحمل للمرور من الأزمة علي خير شغلت نفسي بمراقبة سيدة ذات ملامح أوروبية تحمل رضيعا أوروبيا.. المسكينة! مصدومة مذعورة مذهولة صامتة لا تصرخ لا تتأوه لا يصدر عنها شيء يعبر عن شيء، بل تسخر كل طاقتها لابعاد الحشرة اللعينة عن رضيعها الغض! ماذا تفعل أوروبية شقراء بعيون زرقاء هنا؟ هل لديهم سياحة هنا مثلا؟! انتهي الصديق الموريتاني من إنهاء إجراءات دخولي، وأخذني صامتة مستسلمة إلي السيارة، لا يبدو متفاجئا بما يبدو مما فشلت في محاولة إخفائه من ملامح الصدمة.. هو واحد من (قلة) من شباب موريتانيا تعلموا، لديه شهادة الدكتوراه في القانون حيث درس بالمغرب، أما من قال ونحن نخرج من الدار البيضاء:(ودّعي الحضارة) فقد درس في السوربون بباريس، وأعرف أصدقاء آخرين موريتانيين وصلوا إلي درجة كبيرة من التعليم والتعلم وأبدوا تميزا في العمل.. خارج موريتانيا طبعا، وبينما تصل نسبة الأمية في موريتانيا إلي أكثر من ستين بالمئة- حسب تقارير اليونسكو- فإن تلك القلة التي تعلمت هي من توجهت إليها بألف سؤال وسؤال عن موريتانيا.. الاستعمار والتطور والبداوة وأسئلة أخري في الصباح بدأت مسيرة التعرف علي (مدينة) نواكشوط.. لا توجد بنايات! لا عالية ولا منخفضة، إلا من عدد قليل هو بنايات متواضعة للغاية تخص الوزارات، لا توجد شوارع وأرصفة كتلك التي نألفها فيما نعرف من بلدان، الطرق رملية إلا من أسفلت قديم متهالك للشارع الطويل الرئيسي.. المساكن هي شيء بين الكوخ والبيت الطيني والعشة والكشك، لا تتراص حتي بنظام بل بُنيت أو قل وُضعت بعشوائية وفوضي.. المحال تشبه تلك التي وصفها نجيب محفوظ في رواياته التي تدور أحداثها في القرن الثامن عشر في مصر، بواباتها خشبية كبيرة متهالكة وباقي المحال هي مصاطب قديمة عارية يباع فيها اللحم مثلا معلقا في تلك الحرارة الشديدة.. لا توجد إنارة للشوارع إلا من أعمدة قليلة للغاية، ضوؤها باهت يكاد يكون (عدمه أحسن)! تذكرك بتلك (القناديل) في روايات جمال الغيطاني عن عصر المماليك! الناس يروحون ويجيئون في الشوارع لا تعرف ماذا يفعلون، سألت ما هي مصادر الدخل لهؤلاء الناس؟ ما هي الموارد هنا.. لدي موريتانيا بحسب قول صديقي 600 كيلومتر من السواحل علي الأطلسي هي بذاتها ثروة سمكية وبحرية وسياحية إن استغلت، و800 كيلومتر هي طول ضفاف نهر عذب يمكن الزراعة حوله.. وتنتج الحديد وتنقب عن البترول.. أي أن الدولة لديها موارد وثروات، فلماذا يعيش الناس في تلك العشش، وذلك البؤس؟ لماذا ترتفع نسبة الأمية بينهم إلي هذا الحد؟ رغم أن عدد السكان لا يزيد عن ثلاثة ملايين لا تشكل أي عبء علي دولة لها هذا القدر من الثروات الطبيعية لماذا لا تتوفر (خدمات العصر الحضارية البديهية) كالشوارع علي الأقل والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل الحديثة وغير ذلك؟ تسأل عن الاستقلال عن الاستعمار عن التنمية عن الرغبة في التطور والتقدم، فيثور نقاش حول فكرة (الحنين إلي الاستعمار).. لو أن الاستعمار استمر هنا ولم يرحل، لكانت الشوارع الآن مضاءة والطرق ممهدة والبنايات والمستشفيات أحدث والمدارس أكثر ولكان هناك شيء كبير من الصناعة والزراعة و(الهوية الاقتصادية) للبلد، حتي ولو لم يكن لوجه الله وإنما يصنعه الاستعمار لنفسه.. لكننا كنا علي الأقل سنستفيد منها ولو فقط (الروح العصرية).. لو أنه لم يرحل لما انكفأ الحكام الوطنيون علي كل هذا النهب للموارد ولكانت هناك (خدمات) ولا بأس من وجود (نضال ضد الاستعمار حينئذ!).. يا للهول، الاستقلال نكبة علي تلك البلدان؟! هل الخلل إذن في الإنسان نفسه الذي يعترف أنه (بذاته غير قادر) علي التحضر ويحتاج لمن (يفرضه عليه فرضا)؟ يقول صاحب الدكتوراه في القانون: نحن ما زلنا نعيش البداوة الفطرية.. هذه بساطة لا نتخلي عنها ولا نحب أن نتخلي عنها ، لكنني لاحظت- أقول- أن (الفرد) هنا يتمتع بحرية فردية ربما لا نتمتع بها في بلداننا حيث تكبلنا قيم محافظة متهالكة، يقول: هذه حرية بدوية لم ننتزعها وبالتالي لا نشعر بقيمتها ، أتذكر كتاب الكاتب المغربي بنسالم حميش عن (فكر البداوة وبداوة الفكر)، موريتانيا الغنية بمواردها (فقيرة الرغبة في التطور)، الرغبة أصلا غير موجودة.. حتي لدي هؤلاء الذين تعلموا و(عاينوا) كيف تتطلع الشعوب الأخري إلي (المزيد من الخدمات العصرية) وكيف (تتمرد) علي فساد حكامها لأن هذا الفساد يحول أساسا دون توفير المزيد من الخدمات، لماذا إذن يحدث في موريتانيا انقلاب كل عدة أشهر؟! أسأل.. قال: لدينا انقلاب من وقت إلي آخر.. لكن كما ترين.. قصر الرئاسة يقابل مقر الجيش.. ليسهل انقلاب بعضهم علي بعض! ومبني التليفزيون المتواضع البائس ليس ببعيد عنهما.. جاهز لاستقبال من يملي البيان كل عدة أشهر ، المؤلم حقا أن في بلد به هذه النسبة المرتفعة من الأمية وينتظر أن تحمل القلة المتعلمة فيه (هّم) الخلاص من (فطرة البداوة).. تجدها هي نفسها ـ تلك القلة ـ (تتفاخر) بفطرية البداوة! لعلها (مكابرة).. يواجهون بها ذهول الزائر من غياب (الروح العصرية) عن هذا البلد.. نعم هو بالنسبة إليهم (وطن).. لكن إن لم يكن حب الوطن يدفع إلي التمرد علي ما فيه من بلاء وتخلف.. فما قيمة هذا الحب.. بل ما قيمة الوطن؟ عيناها لا توجد فيهما نظرة انكسارالمرأة الموريتانية ـ يا للعجب ـ هي الظاهرة الإيجابية الوحيدة (ربما) في موريتانيا! هي أكثر حظا من أي امرأة عربية في مصر أو في المشرق أو في المغرب، فهي تواجه الرجال بقدر من (الندية) تحسدها عليها العربيات الأخريات.. لا تصادف أبدا في عيني امرأة موريتانية- فقيرة أو غنية- (نظرة انكسار)، صحيح أن المبني الوحيد الأنيق في نواكشوط هو (مسجد) بنته السعودية.. وهو ما ينبئ أن (هلاكا يتربص بحرية المرأة الموريتانية) يقترب من بلدها بظهور أيادي السعودية فيه.. لكن.. ربما.. توقف المرأة الموريتانية بقوتها هذا الفيروس قبل أن يَعُض حريتها هنا، تعليقا علي ملاحظتي حول (جرأة وإقدام المرأة الموريتانية) ضحك مضيفي: هنـــــا في موريتانيا نحن الرجال مساكين ، ثم قال: أتعرفين الإمام الشافعي؟! احتار أمامه بعض الفقهاء في تعريف المحصن وغير المحصن فقال لهم.. المحصن من تـــزوج بمصرية ! هاها.. حسنا.. هذه مغازلة موريتانية لطيفة علي المذهب الشافعي.. لكنني مالكية! في انتظار (انقلاب) موريتاني لا علي النظام الحاكم فقط وإنما عــــلي (فكر البداوة) الذي يحول دون (تطلع) هذا الشعب الطيب الودود للحاق بزمنه بعد أن فصله عنه حكامه الوطنيون.. يتطلع الزائر إلي لحظة ركوب ظهر (بعير الزمن) للعودة به إلي عصر جاء منه مختارا ليزور هذا المكان.. وهذا الزمان! يقول صديقي مبتسما.. رغم ذلك ستحبين موريتانيا وتعودين، يا عزيزي.. أحببتكم فعلا لأنكم دافئون لكنني.. لكنني لن أعيدها!ہ كاتبة من مصر [email protected]