التقدم في عملية السلام يستوجب تحسين الأجواء الاقليمية والارتكاز علي السياق الاقليمي والدولي
التقدم في عملية السلام يستوجب تحسين الأجواء الاقليمية والارتكاز علي السياق الاقليمي والدولي هناك مقولة معروفة في النقاش الجماهيري الاسرائيلي ومفادها أن مدريد واوسلو قد فشلا . هذا الادعاء شائع لدرجة أن أحدا لا يشكك فيه، والجدل يدور فقط حول اسباب الفشل. اليمين يتهم اليسار بتوقيع اتفاقات سيئة، واليسار يتهم اليمين بعرقلة العملية. كل جانب يدعي أن الآخر مسؤول عن قتلي الانتفاضة.ما من شك أن عملية السلام في العقد الأخير قد فشلت في تحقيق أهدافها. مؤتمر مدريد لم يفض الي حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي، واتفاق اوسلو لم يتطور ليصل الي مستوي التسوية الدائمة، ولا حتي لوقف اطلاق نار طويل بين اسرائيل والفلسطينيين. إلا أن هذه الصورة جزئية فقط. اذا أمعنا بنظرنا الي ما وراء حدودنا الهائجة، نحو المستوطنات ومخيمات اللاجئين، لوجدنا أن اسرائيل قد استخدمت العملية كرافعة للارتقاء بمكانتها الاقليمية والدولية.الانجاز البارز الذي اقتطفته اسرائيل من عمليتي مدريد واوسلو كان اتفاق السلام مع الاردن الذي أفضي الي تعاون استراتيجي قوي، وتحول الي لبنة مركزية في الرؤية الأمنية الاسرائيلية. صحيح أن العرش الهاشمي والصهيونية كانا يتشاطران المصالح واللقاءات السرية من قبل، إلا أن معاهدة السلام أخرجت تلك العلاقة الي النور ووسعت حدودها.بعض دول الخليج والمغرب اقتربت من اسرائيل بعد الاردن، وإن كان بحذر أكبر. لقاءات تسيبي لفني مع نظرائها العرب في الامم المتحدة، وتلك التي أجراها سلفها سلفان شالوم، تحولت الي مسألة طبيعية لا تحظي بالتغطية الاعلامية تقريبا. قبل مدريد واوسلو لم يحلم أحد بذلك.قبل مدريد كانت لـ م.ت.ف تحت غطاء دولة فلسطين سفارات أكثر مما يوجد لدي اسرائيل. وبعد أن صافح اسحق رابين ياسر عرفات طبعت اسرائيل علاقاتها الدبلوماسية وعقدت تحالفات استراتيجية واقتصادية مع الهند وتركيا حيث صمدت وبقيت قوية ابان الانتفاضة.لا مجال لتناسي هذه الانجازات عند الحديث عن استئناف عملية السلام إثر حرب لبنان. الآن ايضا مثلما حدث بعد حرب الخليج في 1991 تبلور لقاء مصالح بين اسرائيل والولايات المتحدة وحكومات عربية مؤيدة لامريكا في مصر والاردن والسعودية. كل هذه الأطراف تخشي من تنامي قوة ايران وتستعد لليوم الذي سيصبح فيه لديها سلاح نووي. كل هذه الأطراف تعتبر الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لغما خطيرا يتسبب في تأجيج الشعوب في الدول العربية. كلهم يفضلون عزل سورية، حليفة طهران، وتعزيز قوة محمود عباس علي حساب حماس في السلطة الفلسطينية. هذه خلفية التقارب السعودي الأخير مع اسرائيل بوساطة اردنية.الوضع الحالي في المنطقة يختلف عما كان عليه قبل 15 سنة. في ذلك الحين كانت هناك أهمية دراماتيكية لمجرد عقد اللقاءات بين اسرائيل وعرب ولاستعداد اسرائيل للتحدث مع م.ت.ف. الآن لم تعد مثل هذه اللفتات كافية. في عام 1991 بدت واشنطن كدولة عظمي وحيدة من دون منازع وقادرة علي فرض التسويات والخطوات. أما الآن فيحكم في واشنطن زعيم ضعيف، واولمرت وعباس كذلك يتأرجحان في مقعديهما. الفجوة بين المواقف أصغر مما كانت عليه سابقا وليست بين الطرفين رواسب من مخلفات الماضي. إلا أن ذلك لن يكون كافيا بالنسبة لهما اذا أقدما علي مواجهة معارضي التسوية في الجانبين.هذا هو سبب اعتماد إحياء عملية السلام علي السياق الاقليمي. المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية المباشرة سرعان ما ستتحطم اذا تجاوزت وقف اطلاق النار واطلاق سراح السجناء وفتح المعابر وتطرقت الي مسائل أكثر جدية. تحسين الأجواء الاقليمية وحده والذي يتجسد في جبهة المعتدلين في مواجهة ايران مع الانفتاح العربي في مواجهة مبادرات اسرائيلية لافتة ومظلة إسناد امريكية هي وحدها القادرة في الظروف الحالية علي اعطاء فرصة للتقدم في حل الصراع، السؤال هو اذا كانت اسرائيل ستحاول المبادرة الي مثل هذه العملية أم أنها ستنتظر العروض والاقتراحات من الخارج.الوف بنمراسل سياسي في الصحيفة(هآرتس) 28/9/2006