معقل زهور عدي
أسفر سقوط بغداد أمام الدبابات الأمريكية عن انبعاث تيار ليبرالي جديد في سورية والمنطقة العربية، تيار بدأ يتبلور شيئا فشيئا ويطرح أفكاره في البداية متفرقة وعلي استحياء الي ان جاء الوقت الذي وجد فيه هذا التيار من يعبر عنه صراحة بصورة مباشرة أمثال السادة: شاكر النابلسي، بشير البكر، جورج كتن، وليد مبيض وغيرهم، وبصورة غير مباشرة مثل بعض أطراف قوي اعلان دمشق وبعض المثقفين والكتاب الذين لا يتعبون من النوسان بين الخط الليبرالي والخط الوطني الديمقراطي.
لسنا الآن في وارد استعراض أفكار تيار الليبرالية الجديدة ومناقشتها وسبق ان تعرضت لهذه المسألة في عدة مقالات ابتداء من (الليبرالية السورية الجديدة في طريق التكون ـ نشر في عام 2004) وصولا الي (أثر الحرب في لبنان في المعارضة السورية ـ ايلول / سبتمبر 2006)، المسألة التي أود اثارتها في هذا المقال هي السياق الموضوعي الذي يدفع هذا التيار نحو الطائفية.
للوهلة الأولي يبدو الميل الطائفي مناقضا للمبادئ العلمانية والديمقراطية للتيار الليبرالي، ويبدو الحديث عنه شكلا من أشكال الاتهام والتجني غير المستند لمبررات منطقية.
من أجل ذلك أرغب في مناقشة الموضوع بقدر من الهدوء والروية.
يولد التيار الفكري ـ السياسي بفعل مؤثرات خارجية وعوامل داخلية (اقتصادية ـ اجتماعية ـ سياسية ـ ثقافية) ويسعي مع تشكله لانتاج وعي يجد ملاذه النهائي في القيم والمثل الانسانية، لكن مسار التيار لا يتحدد بنمط الوعي الذي أنتجه في لحظة تشكله ولكن عبر الممارسات السياسية الواقعية بالتفاعل مع القوي الاجتماعية والسياسية الأخري في سياق تاريخي محدد.
هكذا نشهد في كثير من الأحيان تعديلات متلاحقة تبعد تيارا سياسيا معينا عن أفكاره الأولية ليصنع تراكم تلك التعديلات خطا سياسيا واقعيا لا يعبأ كثيرا بمرجعيته النظرية.
القومية يمكن ان تتدهور الي شوفينية، وديكتاتورية البروليتاريا الي ديكتاتورية الحزب والأجهزة الأمنية، والديمقراطية الي مؤسسة لانتــــاج الحكام من طبقة واحدة وبخيارات محدودة للغاية، ما نرغب في متابعته هنا هو السياق الممكن لتحول الليبرالية الجديدة نحو الطائفية.
ليس الجوهري في الليبرالية الجديدة سعيها نحو الديمقراطية والحريات كتيار سياسي يستند الي قوي اجتماعية محددة ويعبر عن مصالحها وثقافتها، ولكن الجوهري هو الاعتماد علي القوي السياسية العالمية لتحقيق المهمة الليبرالية، فالليبرالية الجديدة تعترف ضمنا بان حاملها الاجتماعي الداخلي غير موجود وبالتالي تسعي للاستعانة بحامل خارجي (المتغيرات العالمية أدت لتآكل السيادة المطلقة للدول وأعطت المجتمع الدولي حق مراقبة الدول المخالفة لشرائعه الانسانية والتدخل لتخليص الشعوب من أنظمتها المستبدة المتذرعة بالسيادة الوطنية لمنع محاسبتها – اقتراحات لبرنامج ليبرالي سوري ـ وليد المبيض وجورج كتن). من تلك النقطة يغدو أساسيا تكيف الليبرالية الجديدة مع القوي الدولية النافذة والتي ليست في نهاية المطاف سوي الولايات المتحدة الأمريكية.
وبصورة أكثر وضوحا لا يجد مشروع الليبرالية الجديدة للتغيير أية فرصة له للحياة خارج تمفصله مع مشروع الولايات المتحدة للتغيير في المنطقة العربية.
وبحساب توازن القوي لا يملك تيار الليبرالية الجديدة أي ثقل حقيقي ذاتي في تحالفه التاريخي مع مشروع التغيير الأمريكي لذا فهو معرض بقوة للانجراف وراء مشروع التغيير الأمريكي ما ان يبدأ ذلك المشروع في مباشرة الوضع الداخلي السوري.
لقد أماطت الحرب علي العراق اللثام عن حقيقة مشروع التغيير الأمريكي بالنسبة للعراق، ونحن لا نتحدث هنا عن الايديولوجيات أو العواطف ولكن عن التجربة الواقعية، فبغض النظر عن دعاوي الديمقراطية الجوفاء، ظهر مشروع التغيير الأمريكي في العراق كمشروع تدمير للدولة وتفكيك للمجتمع بتغذية الانقسامات العرقية والطائفية وتغذيتها ورعايتها (اقترح توماس فريدمان احد منظري السياسة الأمريكية اعطاء جائزة نوبل للسيستاني! لماذا؟ للدور الذي لعبه في تفريق الشيعة عن السنة، وقال فريدمان في مقال آخر: اذا اتحد السنة والشيعة انتهت اللعبة) وقد عبر مارتن اندك بصراحة عن الموقف ذاته: (ينبغي للولايات المتحدة استخدام سياسة قديمة جديدة في العراق هي سياسة فرق تسد). من المعروف علي نطاق واسع ان الدستور العراقي الحالي الذي يكرس الطائفية ويؤسس لانفصال الجنوب فعليا قد وضع في الولايات المتحدة واقتصر دور العراقيين علي ترجمته والموافقة عليه (يمكن مراجعة دراستي المنشورة حول الدستور العراقي في موقع مركز دمشق للدراسات الحقوقية)، كما ان ميليشيا بدر وغيرها من الميليشيات الطائفية تعمل بتنسيق مع الاحتلال الأمريكي عن طريق وزارة الداخلية.
فاذا كان الأمر كذلك بالنسبة للعراق فلماذا سيكون مشروع التغيير الأمريكي بالنسبة لسورية شيئا مختلفا في الأهداف؟
هل هي صدفة ان يطل علينا السيد فريد الغادري أوثق السياسيين السوريين صلة بالادارة الأمريكية من قناة الحرة التابعة للحكومة الأمريكية ليبدأ مرحلة غير مسبوقة من بث السموم والشحن الطائفي البغيض؟
دعونا من السيد الغادري، ولكن اذا اتخذ مشروع التغيير الأمريكي تجاه سورية ذات المنحي العراقي فماذا بمقدور تيار الليبرالية الجديدة ان يفعل سوي التماهي معه بعد ان ربط مصيره به في تحالف تاريخي.
الخيار الآخر هو السعي لتعديل السياسة الأمريكية لجعلها أكثر ديمقراطية وأقل طائفية، ولكن الوزن السياسي للتيار الليبرالي لا يجعله في موضع التأثير في السياسة الأمريكية بل التكيف معها.
بهذا المعني لا يتمثل خيار تيار الليبرالية الجديدة في تفادي الانزلاق نحو الطائفية فهو مسار اجباري ولكن خياره يمكن ان يكون في كيفية انتاج ليبرالية ـ طائفية تحتفظ ولو بنكهة الليبرالية.
مثلا يمكن ان يتحول تيار الليبرالية الجديدة في أي وقت لطرح الديمقراطية ـ الطائفية علي الطريقة اللبنانية كنموذج (ليس كاملا ولكنه واقعي). أما التيار الوطني ـ الديمقراطي فلديه خيار آخر هو خيار الديمقراطية ـ الوطنية، خيار مقاومة مشروع التغيير الأمريكي الذي هو مشروع استعماري جديد لا يحمل سوي التدمير والتفكيك والهيمنة، وفضح كل أدواته ومرتكزاته والوقوف بصلابة في وجهها حتي لا يجد الأمريكي حصان طروادة جديدا أو معبرا للدخول يكمل ما فعله الاستبداد من نخر في بنية المجتمع وتدمير لقواه الحية طوال عقود طويلة.
كاتب من سورية8