الشرعية الضالة بين الناقد والمنقود
خيري منصورالشرعية الضالة بين الناقد والمنقودامتاز جيل الستينات العربي اضافة الي المغامرة وهاجس التجريب بتناغم مشهود بين مبدعيه وناقـــــديه، فمعــــظم نقاد ذلك الجيل غامروا بالكتابة عن زملائهم، وحلقوا بعيدا وعاليا معهم، واجتـرحوا آفاقا نقدية رغم حصار الاتباعــــــيين لهــــــم، وحين نعود الآن الي مجلات مثل حـــــــوار وشعر والاداب علي ما بينها من تباين في الـــــــرؤي والايديولوجيا نجد ان الباب التقليـدي في الآداب وهو نــقـد نصوص العدد الماضي قد لعب دورا كبيرا في ترسيخ قيم جمالية، وتأشير خصوصيات لشعراء وقصاصين وروائيين وهذا ما فعلته شعر وحوار لكن بمنهج آخر.فالشعر الجديد المحاصر يومئذ كان بحاجة الي نقد جديد، رغم ان افراز النقد اكثر تعقيدا من الشعر لانه حضاري بامتياز ومتعدد المرجعيات، ويسعي الي عقد المقارنات والرصد بهدف البحث عن الاضافة او ادانة التكرار واعادة الانتاج!ان معظم مقدمات الدواوين التي اصدرها شعراء ذلك العقد كتبها زملاؤهم الشعراء والنقاد ليس فقط تبشيرا بالحساسية الجديدة او دفاعا عن ظاهرة تواجه الانكار، بل لان الجيل برمته رقص علي الموسيقي ذاتها. وكانت حيويته الابداعية وثيقة الصلة وعلي نحو عضوي مع حيوية العالم كله، خصوصا بعد ان مهدت السنوات الاولي من الستينات لثورة ايار (مايو) 1968 التي خلخلت الثوابت، ورمت اكواما من الحجارة في المستنقعات والابار الراكدة!لكن الغلبة هذه الايام هي لكتابات تبدو كما لو انها تستمد شرعيتها من المكتوب عنه، اذ تشترط كونه معروفا ومكرسا، لهذا فهي تعفي نفسها من اهم شروط النقد الكاشف والفارز وهو مشرط الشـــــروع في طرقات وعرة وغير معبدة، فأول ما يجرب الناقد نفســه فيه الان هو التسلل الي كاتب او شاعر مشهور ومعروف علي نطاق قومي، وهو بذلك يتخلي عن دوره في الكشف لصالح مسألة اخري مغايرة تماما، خصوصا وان المنابر الداجنة التي تتحكم بها ذهنيات مشلولة علاها الصدأ بسبب البطالة والترهل تشجع مثل هذا الاختيار، واحيانا تحكم علي صلاحية المكتوب او عدم صلاحيته وفقا لمعيار غريب، وليس من صميم النقد وهو قيمة المنقود والمساحة التي يحتلها في الثقافة.لهذا لم نقرأ منذ عقدين او ثلاثة نقدا كاشفا، كالذي قدمه رجاء النقاش مثلا لمحمود درويش والطيب صالح وآخرين، ومعظم ما ينشر من نقد يراوح بين الاستثمار بالمعني البدائي للكلمة وبين البحث عن شرعية مستمدة من النص المكتوب عنه، وهذا ما تردت فيه ايضا الحوارات فبالرغم من ان معظم الحوارات تجري علي وتيرة واحدة من بضعة اسماء الا ان الجيل الجديد لديه ما يقوله، وهو اكثر طزاجة وربما طرافة واثارة للاسئلة البكر غير المكرورة حد الغثيان!النقد الاكاديمي وفقا لتاريخه ونزوعه الدائم للمحافظة والبعد عن المغامرة قرر منذ البدء اعفاء نفسه من مجازفات غير مضمونة النتائج، لهذا فهو يحفل بالموتي اكثر من الاحياء، حتي لو كان مفهوم الموت رمزيا وبالمعني الابداعي، ونادرا ما يقرأ طلاب الجامعة العربية شيئا من المبدعين الاحياء، وبالتحديد عن الذين يمثلون تيارات الحداثة والتجريب!والنقد الصحافي ليس اسعد حالا لانه هو الاخر ارتهن لمعادلات ومقايضات تجسدها امثلة يومية في مختلف الصحف العربية. ولا ندري ما الذي يبقي للنقد اذا فقد هاجس الكشف والمغايرة؟ وتحنط عند حدود السير علي الطرقات المعبدة التي قضمتها الحوافر المتعاقبة؟وقد يكون الامر ابعد من اي توصيف عابر فغياب هاجس المغايرة عن الحياة بكل مناحيها وليس عن النقد فقط سببه الهجوع والانسحاب، والتأقلم مع الامر الواقع وفقدان ما يسميه ارنولد توينبي القدرة علي الاستجابة للتحديات علي اختلاف مصادرها، والارجح ان النقد العربي الآن لا وقت لديه كي يستقريء ويفحص ويعاين، ما دامت هناك موضوعات معلبة، والكتابة عنها لا تحتاج اكثر من اعادة انتاج المكتوب بلغة اخري واحيانا باسلوب آخر.ان ابسط تعريفات النقد منذ الآمدي حتي ستانلي هايمن هو انه يعين المتلقي علي الارتقاء بذائقته الجمالية ويدربه علي التعامل مع النصوص بطرق غير استهلاكية بحيث يصبح شريكا، ويتصادي مع المؤلف بحيث يصغي الي صوت انفاسه.كم هو عدد الشعراء والقاصين والروائيين الذين قدمهم النقد خلال العقدين الاخيرين؟ وهل هناك اكتشافات يعتد بها علي هذا الصعيد؟ ام ان النقد المستغرق في كتابة المكتوب، لا يتردد في السخرية ممن لم تسلط عليهم الاضاءة الساطعة بعد.. وقد يكون الكلام العام والمجرد حول الظواهر الابداعية هو بمثابة الفرار من مواجهة نصوص بعينها، لان النقد في بعده التطبيقي يفتضح هشاشة التنظير، والنسخ الآلي لنظريات ومفاهيم مترجمة.وبامكان اي استاذ جامعي ان يفعل ما فعل د. ريتشاردز، ويمتحن تلامذته حول نصوص المشاهير لكنها معفاة من التواقيع، لقد كانت تجربة ريتشاردز مثيرة، ووجد ان حذف التواقيع يحرر الطلاب من سطوة الاسماء اللامعة.وقد ساهم في التقليل من مغامرات النقد الكاشفة امــــــران، اولهما الترميز الذي عوملت به اسماء كتاب وشعراء وروائــــــيين عرب، بحيث يتحـــــولون الي مشاجب تنــــوء بما يعلق عليها، وقد اعترف ناقد انكليزي بأنه عندما كتب مقالته الاولي عن اليوت حشد كل ما لديه من معارف وعاطــــفة وكأنه يكتب المقالة الاولي والاخيـرة، لكنه بعــــــــد ذلك راجع نفســـــه واعترف بأنــــــــه كان يتدرب علي النقد وهو مغمض العينين، ومغلول اليدين.يحدث هذا لمرة واحدة او مرتين وعلي سبيل البحث عن شرعية النشر التي تستمد من المكتوب عنه والمنقود وليس من الكاتب او الناقد، لكن حين تتحول هذه الحالات الاستثنائية الي ظاهرة تجتذب حتي المحترفين فان النقد يصبح في خطر، ويتعرض للشك في ضرورته وجدواه معا!ولو سئل عدد من المشاهير العرب في حقول الشعر والرواية والمسرح عما افادوه مما كتب عنهم وهو غزير، لاجابوا بأنهم يشعرون احيانا بالضجر من التكرار، وان كان بعضهم يستمريء هذا التكرار لانه يبقيه حيا وحاضرا، حسب ادبيات الثقافة الاستعراضية والموسمية، ويجـــــب علينا ان لا ننكر بأن عزوف الناس عن قراءة الشعر اعتمادا علي احصاءات الناشرين ساهم فيه النقد الكسول الذي يشعر بالخوف من ملامسة النصوص الجديدة خصوصا عندما يكون اول من يحاول الكتابة عنها، فهو محروم من المراجع ومن الحوافز التي تستبقه علي الطريق المطروقة حد الاذلال!ہہہتقدم المهرجانات والمواسم الثقافية ذات الواجهات الاعلامية تجليا ميدانيا لهذه الظاهرة، فكما ان النقد يبتعد عن النصوص الجديدة ولا يغامر بالكشف عنها، فان القائمين علي المهرجانات يفعلون ذلك، لكن بمستوي ادني، لانهم قلما يضيفون او يحذفون اسما من زمرة الزبائن المزمنين، ولا نتوقع من الناس ان يعودوا في كل موسم لسماع الاصوات ذاتها، والعزوف ذاته علي الاوتار التي اشتدت حتي تقطعت اوصالها.ان هذا الدفاع عن اصوات ابداعية في الشعر والقصة علي امتداد العالم العربي لا تمليه نوازع اخلاقية بالمعني التقليدي، انما هو استجابة لهاجس معرفي، ولرؤية تحاول استشراف المستقبل اكثر مما تجتر الماضي، وحالة الاستنقاع السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي نعيشها افرزت فسادا متعدد الرؤوس.قد يكون الفساد الثقافي اضافة الي توأمة التربوي من اخطر سلالاته، لان هذا الفساد هو ما سماه السيد المسيح فساد الملح، والذي لا يرتجي بعد غفرانا لمن يعرف او تبرئة لمن اقترف الجرائم كلها بقفاز حريري !وان المرء ليعجــــب وهو يري هــــذا الركام من المجموعات الشعــــرية والقصصية التي تصدر عن مختلف دور النشر الرسمية والشعبية في عواصم العرب، ثم لا يقرأ عن معظمها اكثر من خبر محايد هنا او تعليق عابر هناك. فهل من المعقول انها لا تستحق الاستقراء النقدي؟فهي ان كانت كذلك، فان الرداءة تصبح مجالا حيويا لنقد يفرز ويقيم ويتوصل الي شروط الجميل والمضيء من خلال القبيح والمعتم.اذن، ما من مبرر علي الاطلاق لهذا الكسل النقدي رغم وفرة النقاد، اللهم الا اذا سلمنا بأن المكتوب يستمد شرعيته من الاسماء التي يتوجه اليها، وان صح هذا فان العقل العربي اضافة الي الوجدان يكونان في مرحلة انحسار مروعة.0