تونس: المخاض الصعب لولادة الجمهورية الثانية

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

الشعب التونسي، والشعب التونسي وحده، هو من دفع بن علي إلى نهايته، ولكن الجيش كان القوة التي عجلت لحظة النهاية. إن كان بن علي وصل مساء 13 كانون الثاني/يناير إلى حافة الهاوية، فقد كان الجيش، الذي رأى أن استمرار وجود الرئيس في موقعه بات يهدد كيان الدولة التونسية وإمكانية الحفاظ على مقدراتها، دفع الرئيس المخلوع إلى الجانب الآخر من الحافة، إلى الرحيل من البلاد والهرب من غضبة التونسيين. الدور الذي قام به الجيش، مضافاً إلى قرار قيادة المؤسسة العسكرية بعدم التورط في حملات القمع والانغماس في دماء الشعب، أهل الجيش لتعهد دور حارس المرحلة الانتقالية والقيم عليها. مثل هذا الدور لا يجب أن يحسد عليه أحد، نظراً للقوى المتعددة التي تعمل على تشكيل هذه المرحلة، للحراك الشعبي الكبير والشامل لكافة أنحاء البلاد وقواها الاجتماعية وفئاتها، وللطبيعة الديناميكية للمرحلة الانتقالية.

ما تشهده تونس الآن هو أشبه بتدافع هائل بين قوتين رئيسيتين: قوة الحركة الشعبية المطالبة بتحقيق إصلاح سياسي عميق، وجذري، وشامل، وغير قابل للارتداد؛ وقوة أخرى تعمل على احتواء الحركة الجماهيرية، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من النظام السابق، بتقديم حزمة من التنازلات وإجراء جملة من الإصلاحات الملموسة أحياناً والشكلية في أحيان أخرى، والتي لا يوجد ضمان لاستمرارها. في مساء الرابع عشر من كانون ثاني/يناير، تخلصت تونس من بن علي، ولكنها لم تتخلص من نظام الحكم، الذي يبدو واضحاً أن الحركة الجماهيرية لا تريد استمراره بأي حال من الأحوال، مع حرصها على المحافظة على مقدرات الدولة واستمراها. وهذا ما يضفي على المشهد التونسي قدراً كبيراً من التعقيد.

تحافظ الدولة الحديثة، أية دول حديثة، على سيطرتها وتحكمها بوسائل’رئيسية ثلاث: الخطاب الذي تستخدمه، والأداة الأمنية، والقوة العسكرية، ولأن تونس وقعت منذ نهاية السبعينات في قبضة نظام استبدادي، ديكتاتوري، مركزي، فقد عمل نظام بن علي على إلغاء الفاصل بين الدولة ونظام الحكم، بحيث لم يعد من الممكن التمييز، مثلاً، بين جهاز الخدمة المدنية والحزب الحاكم، أو بين قصر الرئاسة والمؤسسة القضائية. بعد سنوات قليلة من التفاؤل والترحيب الشعبي التي تلت تخلص بن علي’من الرئيس بورقيبة، بدأ بن علي في فقدان سلطة خطابه السياسي وقدرته على التحكم الطوعي في التونسيين، وبتفاقم الأزمة الإجتماعية في العام الماضي، وإحكام أسرة الرئيس وحاشيته قبضتها على الشأن الاقتصادي، لم يعد لهذا الخطاب من سلطة تذكر، اللهم إلا على صفوف المنتفعين من النظام في جهازي الدولة والحزب الحاكم والقلة الملتفة حوله أو المشاركة له في حلقات النهب والفساد. باندلاع الانتفاضة في نهاية كانون أول/ديسمبر، دفع النظام بذراع الدولة الأمني لمواجهة الجماهير وقمع انتفاضتها. ولكن الثورة الشعبية كانت أكبر بكثير، سواء في شمولها لفئات المجتمع وقواه السياسية أو في دائرتها الشعبية، من قدرة الأجهزة الأمنية على القمع والتحكم، بالرغم من أن أجهزة الأمن التونسية، مثل الكثير من الدول العربية الأخرى، قد وصلت حداً من التضخم غير المسبوق خلال السنوات القليلة الماضية. عجز الأجهزة الأمنية أدى’إلى أن يستدعي الرئيس الجيش، آخر مؤسسات التحكم لدى الدولة الحديثة، لإنقاذ النظام ورئيسه من الغضبة الجماهيرية. وهنا صنع بن علي، من حيث لا يدري، لحظة نهايته.

رفضت قيادة الجيش أن تنغمس في دماء الجماهير، وقامت بواجبها في حماية مقار الدولة، وفي حماية المظاهرات الشعبية من قوات الأمن، ما استطاعت. وهذا ما عزز من موقع الجيش لدى جماهير الشعب التونسي. وعندما أصر الرئيس على دفع الجيش إلى’اتون الصدام الدموي، أصبح على قيادة الجيش أن تختار بين دفع الرئيس إلى مغادرة البلاد أو أن تخضع للضغوط وتتورط في حركة القمع. أدركت قيادة الجيش حجم العبء الذي بات الرئيس يمثله، وحجم العواقب التي يمكن أن تنجم عن إصرار الرئيس على البقاء على أمن الدولة التونسية واستقرارها، ومدت للرئيس يد النهاية. ولكن مؤسسة الجيش، كما القوة الجماهيرية، لا تريد المس بكيان الدولة واستمراريتها. السؤال المعلق في سماء المشهد التونسي الآن هو إلى أي حد ترغب المؤسسة العسكرية في انقاذ ما يمكن انقاذه من نظام الحكم كذلك. تدرك المؤسسة العسكرية، كما أغلب الطبقة السياسية التونسية، في حزب التجمع الدستوري وفي كافة أحزاب المعارضة، المعترف بها وغير المعترف بها، التي تعاونت مع بن علي والتي عارضته براديكالية ووضوح كافيين، إن إصلاحات سياسية وقانونية دستورية واجتماعية لابد أن تجري، ولكن السؤال الآن هو حول طبيعة هذه الإصلاحات وحجمها. وهذا ما يدور حوله التدافع.

لانقاذ ما يمكن انقاذه من نظام الحكم أعلن رئيس الجمهورية المؤقت، الذي لا يبدو أن موقعه ودوره محل نزاع كبير، عن تولية رئيس الحكومة السابق محمد الغنوشي مقاليد الحكومة الانتقالية. وسرعان ما أعلن الغنوشي عن تشكيلة حكومة مثيرة للريبة، تضم عدداً كبيراً من وزراء حكومته السابقة وأعضاء حزب التجمع الدستوري، الذين تسلموا الوزارات’السيادية الأربع في الحكومة الجديدة، وعدداً من ممثلي أحزاب المعارضة والمستقلين الذين وافقوا على المشاركة. كما أعلن الرئيس عن تسمية أستاذ القانون الدستوري العياض بن عاشور رئيساً للجنة وطنية تتعهد دراسة وتعيين الإصلاحات الدستورية والقانونية، بدون أن يعلن عن الكيفية التي سيتم بها اختيار أعضاء هذه اللجنة، والمدة الزمنية لبداية ونهاية عملها، والعلاقة بين أعمال هذه اللجنة والبرلمان الحالي، أو العلاقة بينها وبين الانتخابات الرئاسية المتوقع عقدها خلال شهرين. ما ظهر، باختصار، أن ثمة تسرعاً مقصوداً في تشكيل حكومة انتقالية، تحمل سمة واضحة لاستمرارية النظام، وتسرعاً في بحث ملف الإصلاحات القانونية والدستورية وتعيين الهيئة المكلفة بها. وهذا ما أثار ردود الفعل وأطلق الطور الثاني من الثورة الجماهيرية. وربما يمكن القول أن ردود الفعل على مستوى النخبة السياسة الحزبية والمدنية قد تبلورت في ثلاثة مواقف. يدافع الأول عن الحكومة المؤقتة، ويستبطن الدعوة إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية النظام؛ وليس من الواضح بعد مدى دعم الجيش لهذا التوجه. أما التوجه المقابل فتمثله جملة من الأحزاب اليسارية والقومية الراديكالية التي تطالب بقطيعة عميقة، ليس مع النظام السابق وحسب، بل ومع الدولة ككل، بأجهزتها الأمنية والقضائية والاقتصادية والإدارية. ولكن ما تطالب به أغلبية الجماهير التونسية، وعدد من’أحزاب الوسط السياسي، بما في ذلك حزب النهضة ذو الخلفية الإسلامية، فالقطيعة مع النظام السابق وحكم الحزب الواحد، الذي مارس القمع والإقصاء طوال عقود وأوصل تونس إلى ما وصلت إليه، مع الحفاظ على جهاز الدولة ومؤسساتها، والعمل على إصلاح هذه المؤسسات، والفصل الكامل والقاطع بين مؤسسات الدولة ونظام الحكم، مهما كانت القوة السياسية الحاكمة بمعنى إقامة نظام ديمقراطي ودولة تستند إلى حكم القانون.

تونس، بالطبع، هي دولة عربية صغيرة، ولكنها لأسباب عديدة مثلت دائماً مركز إشعاع بالغ الأهمية والتأثير على جوارها العربي في شمال إفريقيا، كما احتلت موقعاً بارزاً في الساحة العربية ككل. وبانطلاقة ثورتها، أصبحت تونس أكثر تأثيراً في محيطها الإقليمي وفي الفضاء العربي ككل؛ وهذا ما يجعل الشأن التونسي محل اهتمام إقليمي وعربي وغربي. ترى الدولتان العربيتان المحيطتان بتونس، ليبيا والجزائر، أن تغييراً جوهرياً في طبيعة النظام التونسي سيؤدي إلى ازدياد الضغط الشعبي عليهما من أجل توسيع مساحة الحريات والتداول السلمي على الحكم، والتعامل الجاد مع قضايا الفساد واحتكار الثروة. ولذا، تضغط كل من طرابلس والجزائر من أجل تخفيض سقف حركة التغيير في تونس. وبالرغم من أن الدول العربية الأخرى التي تعيش مناخاً سياسياً واقتصادياً شبيهاً بالمناخ التونسي السابق لا تتمتع بوسائل الضغط التي تمسك بها كل من تونس والجزائر، فالواضح أنها تشترك مع الجوار التونسي في الخوف من إشعاعات الثورة الشعبية التونسية وتبذل جهوداً متفاوتة من أجل احتواء الثورة وآثارها. وليس ثمة شك، بالرغم من ادعاءات الحياد، أن فرنسا ما زالت الدولة الغربية الأكثر نفوذاً في صفوف النخبة التونسية الحاكمة. لم تعلن فرنسا، التي كانت قيادتها الوحيدة التي عقدت اجتماعاً طارئاً للبحث في تطورات الوضع التونسي، عن موقف واضح من’مطالب التغيير الشعبية في تونس. ولابد أن يثير هذا الغموض في الموقف الفرنسي الريبة أكثر مما يثير من الارتياح.

في النهاية، كانت المراهنة بعد رحيل بن علي على أن تتراجع الحركة الشعبية مراهنة خاطئة بلا شك، ليس فقط للحيوية الهائلة التي يتمتع بها المجتمع التونسي، ولكن أيضاً لأن التقدم التدريجي من المطالب الاجتماعية نحو المطالب السياسية الجذرية ينم عن وعي وتدبير جمعيين لدى الحركة الجماهيرية. بمرور الساعات، وليس الأيام، تحقق الثورة التونسية المزيد من مطالبها وأهدافها. والمؤكد أنه مهما كانت حسابات النخب الحاكمة وضغوط الخارج العربي والغربي فإن استمرار الحراك الجماهيري سيصل بالثورة التونسية أخيراً إلى غاياتها: بناء الجمهورية التونسية الثانية، بدون الإطاحة بمؤسسات الدولة. وسيكون أمام الشعوب العربية الأخرى، التي تنشد إحداث التغيير والإصلاح، نموذجاً تستلهمه في حراكها المتصاعد من أجل’بناء عالم عربي جديد. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية