أنظر اليهم، انهم يكتشفون بهاء الدولة!
مريد البرغوثيأنظر اليهم، انهم يكتشفون بهاء الدولة! هناك أناس يفكرون فيما يرون، وهناك أناس يرون ما يفكرون فيه.عند كل منعطف، في الماضي والآن، تكشف لنا الدنيا عن هذين الطرازين من الناس في ثقافتنا العربية. ولن أتعرض في هذا المقال للفريق الأول، لأنه في غني عن مديحي، لكني سأسرع باعلان غضبي واشمئزازي من كل مثقفي الفريق الثاني (وبعضهم للأسف من كنا نظنه أقل سوءاً) الذين ارتفعت أصواتهم أعلي من أصوات الاسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين في مهاجمة حزب الله والسيد حسن نصر الله، وفي السخرية من مؤيدي المقاومة. ويبدو للمتابع لما تكتبه الصحف غير العربية أنها كانت أقدر من مثقفينا هؤلاء علي الانصاف. بل ان بعض أصوات المثقفين الاسرائيليين كانت، علي قلتها، أقرب الي الواقع من كثير من مثقفينا الذين انفطرت قلوبهم المرهفة والعادلة والحداثية حزناً علي ضحايانا الذين ما كانوا سيفقدون بيوتهم وحياتهم لولا مغامرة المقاومة. كنا سنصدق دموعهم لو أن موتنا الكثيف لم يبدأ الا يوم 12 تموز (يوليو) 2006. كنا سنصدق حرصهم علي العمائر والمدن والجسور لو أن بيوتنا لم تهدم الا يوم 12 تموز (يوليو) 2006. نحن نموت منذ أقام العدو دولته علي الأرض العربية. لم نر دموعهم الحزينة علي ضحايانا ما داموا مجرد ضحايا وما دام ردنا قليلا أو متأخراً أو فاشلاً او عاجزاً، وما دامت الغلبة الواضحة للعدو فان موت العربي أمر عادي لا يستحق دموعهم، فدموعهم لها توقيتاتها. دعا مثقف مصري قليل الانتاج للاستسلام لأن قلبه لا يستطيع رؤية الدماء (كأن قتلانا قبل 12 تموز (يوليو) ينزفون عصير القصب)، ودعا مثقف لبناني شديد الحداثية وغزير الانتاج الي ادانة حزب الله وسخر من المقاومة لأنه حداثي كوني لا يحب موت الأبرياء ، لا يحب موتهم في هذه الحرب بالتحديد وفي هذه الحرب فقط. وهل من قتلتهم اسرائيل من أهلنا طوال ما يقارب الستين عاماً من عمرها المكتظ بالمذابح كانوا مجرمين ؟ ما الجديد اذن؟ الجديد أن لبنان والمقاومة وحزب الله والسيد حسن دخلوا مواجهة منتصرة ضد العدو الحقيقي. بينما لوردات الطوائف يبحثون عن أعداء في دليل التليفون! فأي احراج هذا لمن سحقت أرواحهم الهزيمة حتي أصبحت طبيعة ثانية لهم، بحيث أن لحظة قوة او لحظة ثبات أو لحظة نصر نحققها تتركهم مذعورين هكذا؟ هؤلاء قوم عاشوا عمراً كاملاً تعودوا فيه أن اسرائيل دائماً تنتصر. أي اهتزاز أصابهم من كونها لم تنتصر هذه المرة؟ ليس للأمر علاقة بعلم النفس الفردي ولا سيكولوجيا الجماعات بل للأمر علاقة بأنهم مغرضون، لا يفكرون فيما يرون بل يرون ما يفكرون فيه. انهم يرون الحقيقة ولكنهم يقلبونها رأساً علي عقب خوفاً من التفكير فيها وخوفاً من التفكير في مدلولات ما جري.ومن مدلولات ما جري أن عملية السلام التي ناموا علي مخدتها طويلاً قد انفجرت تحت رؤوسهم جميعاً. المسألة مش ماشية يا عمي! كامب ديفيد وأوسلو وخريطة الطريق أوجعتنا نحن ولم توجع العدو. عملية السلام قتلت من العرب أكثر مما قتلت كل حروب اسرائيل. ومن مدلولات ما جري أن القيم المهجورة التي بات الكثيرون لا يشيرون اليها الا في معرض التندر والسخرية، كنظافة اليد والقلب والسلاح، والشجاعة والصبر والايثار قد انتصرت هذه المرة. عجيب. أليس كذلك؟ وأن لوردات الطوائف وأبناء العائلات والاقطاعيات وجمهوريات الأب والابن وباقي أفراد الأسرة لم ينتصروا مرة واحدة علي العدو وان كان من الضروري التذكير بقدرتهم الفذة علي الفتك بأهلهم، وببعضهم بعضاً. من مدلولات ما جري أن بعض مثقفينا بوغتوا بأن معشوقتهم الأثيرة التي اسمها الحداثة وما بعدها ، لا تقتصر علي قصيدة النثر ولا علي النظريات الأدبية، بل ان هناك حداثة أخري اتقنها حزب الله تماماً في علم الحرب والدبلوماسية والتنظيم ومخاطبة الوطن والمواطن ونبرة الصوت وانتقاء المفردات، والتعامل مع الحليف والخصم والبين بين دون تبديل الخطاب كل مرة. من مدلولات ما جري سخف هذا الاختراع الجديد القائم علي بلدنا أولاً هذه العبارة التي تفشت بين عواصمنا كلها من المحيط الي الخليج ولا يعلم مرددوها المتحمسون أنها الوصفة الأعظم لخراب المحيط والخليج وما بينهما من بلاد ستضيع مجتمعةً ان ظلت تتوهم أن بوسعها أن تنجو منفردة. فقد أصبح لدينا الآن جوقة من المهرجين ذوي الوجوه العابسة تمضغ كالعلكة مدائح لضرورة بناء الدولة ، الدولة التي تبسط نفوذها علي كل شبر من الوطن، الدولة التي فيها سلاح واحد، الدولة التي تختار هي وحدها أن تقاوم أو لا تقاوم وفي التوقيت الذي تراه هي وحدها . هل نملك نحن العرب مثل هذه الدولة الآن؟ الجواب نعم. الجواب أن كل الدول العربية هي الآن هكذا بالضبط. هي هكذا تماماً، وماذا فعلت بسيادتها الواحدة وجيشها الواحد وقرارها الواحد؟ ها هي كل عاصمة تجلس القرفصاء تتفرج في الفضائيات علي سقوط العاصمة المجاورة (وبالتصفيق أحياناً) وعلي المذبحة المجاورة، (وبالمساعدات الغذائية بعدها) وها هي كلها تسلم قرارها لواشنطن، وتتوسل لاسرائيل أن تتكرم بالحديث اليها، وها هي تتمتع بنعاسها اللذيذ في سرير عملية السلام منذ سنين. هذه الجوقة العابسة الوجه لم تكتشف جديداً باكتشافها بهاء الدولة ، بل ان أصحاب الصوت الأعلي الداعين الي الدولة كانوا هم أنفسهم رؤساء الدولة ووزراء الدولة وسلاطين الدولة، جربناهم وجربنا ادارتهم للدولة فعززوا الاحتلال الاسرائيلي ولم يعززوا الدولة . انهم يريدون تعميم النعاس العربي بحيث لا يتبقي أي مجال لأي استثناء مفتوح العينين. الذي جري بالضبط هو انكشاف أمر هذه الدولة العربية الزائفة وانكشاف أنها غير ضرورية الا لطمأنة اسرائيل وحفظ الاستقرار أي حفظ الاحتلال وحمايته من أي تهديد. لقد سقطت هذه الدولة التي معناها الوحيد ودورها الوحيد الغاء ذاتها لصالح العدو. ان حلمكم متحقق أيها السادة. للأسف. في كل قوم ثقافتان. وما نراه اليوم هو ما رأيناه أمس: لدينا، الي جانب أعداء الخارج، ثقافة عدوة تعيش بيننا. هذا عنوان معركة جديدة بعد أن يهدأ الغبار. أو ربما قبل أن يهدأ. شاعر من فلسطين8