مقدمة في البحث عن الكتلة التأريخية
صباح علي الشاهرمقدمة في البحث عن الكتلة التأريخيةشهد القرن الماضي، وبالأخص في نصفه الثاني، بروز تيارات كبري، تركت بصماتها علي الحياة السياسية العربية، استقطبت واستوعبت الأغلبية المطلقة من الناس، سواء عبر الانتماء المباشر أو التأثير والموالاة، أو التبني لبعض اطروحات التيارات المذكورة، بحيث تضاءل الحيز الذي تتحرك فيه العناصر الليبرالية المتغرّبة بشتي أنواعها، وان كانت الفئات التابعة أو الموالية أو المعتمدة علي الغرب تتحكم عملياً وفعلياً باغلبية الوطن العربي، سواء عبر حكم أغلبية البلدان العربية، أو عبر التحكم بالجماهير، اقتصادياً وعشائرياً، طائفياً أو دينياً، مناطقياً أو أثنياً، ولكنها كانت مضطرة لهذا السبب أو ذاك، الي ترديد بعض شعارات ومنطلقات التيارات المذكورة، واستغلال الخطاب اليساري أوالقومي أو الديني لدعم مواقعها التي كانت مُهددة تهديداً حقيقياً.كان القرن العشرون، قرن التحرر. قرن الانتصارات الكبري، والهزائم الكبري. قرن المواجهة والتحدي، وقرن الاحتراب والتناحر الداخلي الدموي، وبالأخص في النصف الثاني منه. كان هذا القرن العجيب الشيء ونقيضه، التوّحد والفرقة، التقدم والتخلف، التنوير والظلاميّة، النضال والخنوع، التحرر والتبعية، الثورة والثورة المضادة، الحرية والاستبداد.بالترافق مع بدء العد التنازلي للامبراطورية العثمانية، ومع طرقات الغرب علي أطراف الوطن العربي، ومن ثم في خاصرته، بدأت تتبلور وتتشكل ثلاثة تيارات سيقيّض لها فيما بعد تحديد مصير هذا العالم، الذي سُمي بالعالم العربي، وستترك هذه التيارات بصماتها ربما علي زمن أطول مما يتصوره أكثر المتفائلين أو المتشائمين. لقد بحث رواد هذه التيارات عن جذورهم في تاريخ الأمة. بعضهم بحث عن هذه الجذور منذ زمن مبكر، كالقوميين والاسلاميين، وبعضهم بحث عن هذه الجذور في وقت متأخر وفي النصف الثاني من القرن تحديداً، وهم اليساريون. الجذور القومية لدعاة الفكر القومي، الذي هو شئنا أم أبينا تشكل بتأثير الغرب ونهوضه القومي، مبثوثة في مفاصل التاريخ العربي برمته، وفي تراث العرب الفكري، أما جذور الفكر الاسلامي فالتاريخ العربي كله، تاريخ اسلامي. ظلت الصعوبة في التأصيل مختصة بالتراث اليساري، الذي اعتمد ولفترة طويلة من عمره القصير نسبياً، علي مفاهيم، تصوّر أنها أساسيّة ومطلقة في مجمل التفكير اليساري الثوري، وقد تبين فيما بعد، أنها ليست كذلك بالمرّة، لكن جوهر الفكر اليساري المتمثل بالعدالة الاجتماعية، والانسانيّة، والمساواة، موجود بتأصيل لا نظير له في الفكر الاسلامي، وفي تاريخ أمة العرب منذ أن عُرف هذا التاريخ، وأحسب أن الفكر اليساري والاشتراكي تحديداً، لو أصّل نظريته اعتماداً علي ميل الانسان الفطري في الشرق (كل الشرق) الي العدالة والمساواة، والتفاعل بين الأمم والشعوب، لكان قد غيّر مجري حركته المعاصرة، ولأعطي مصداقيّة تامة لنضاله ضد الغرب الرأسمالي الاستعبادي، لكنَّ هذا الفكر كان مأزوماً وبشدّة في قضيّة التأصيل هذه، لذا جاءت محاولته للتأصيل مفبركة في الأغلب الأعم. لقد استمرت قضية التأصيل لدي الاسلاميين والعروبيين، لكنها توّقفت في السبعينات بالنسبة للفكر اليساري، بعد أن فقد هذا التيار أبرز رموز التأصيل الا وهو الدكتور المغدور حسين مروة، وكذلك الدكتور المفكر مهدي عامل، وبعد انحسار اليسار من الساحة العربية، بعد بروز المد الاسلامي، الذي غطّي علي بقية التيارات. من المؤكد أن ديمومة أي فكر في أي تربة، تستلزم أول ما تستلزم التأصيل في هذه التربة، والا عدّ هذا الفكر طارئاً ومستورداً، ومفروضاً، والأهم أن مثل هكذا فكر غير متأصل، وغير باحث عن التأصيل، وهو المسوغ الشرعي لبقائه، لا يمكن أن ينمو ويعيش، تماماً مثل أي شُجيرة لا تمد جذورها في التربة الملائمة لنموها، اللهم الا اذا كان هذا الفكر انتباذيا واستئصاليا، ومجتثا لكل البناء الفوقي والمنظومة الفكرية لأمة ما، وفي هذه الحالة لا ينخرط هذا الفكر في نسيج الأمة، ولا يُحسب منها ومن نتاجها، وانما هو البديل عن المدافع والطائرات والصواريخ، التي تدّك معاقل الأمة، لا التي تسعي لاعادة بناء هذه الأمة، وهو لن يكون في هذه الحالة سوي شكل من أشكال الاستعمار الفكري، الذي يمهد للاستعمار أو يترافق معه.ابتداء من العقد الخامس من القرن الماضي قيّض للتيار القومي، أن يحكم في أكثر من بلد عربي، مصر، وسورية، والعراق، وقيّض للتيار اليساري أن يحكم في بلد عربي واحد هو اليمن الجنوبي، وحكم التيار الاسلامي في العقد الأخير من هذا القرن في بلد عربي واحد هو السودان، ومن الواضح أن تجارب حكم هذه التيارات لم تكن مشجعة بشكل عام، اذ لم تخل تجربة أي منها من مظالم واستبداد وتقصيرات مريعة، وهزائم متلاحقة، وان لم تنعدم المكاسب، هنا وهناك، وبالأخص بالنسبة لتجربة الحكم القومي في مصر، تحديداً زمن الراحل الكبير جمال عبد الناصر، ولكن بالمقابل كان القرن الماضي قرن حكم المرتبطين بالغرب والمتأثرين به، والتابعين له، والمستندين في وجودهم وبقائهم علي دعمه والتنسيق معه، وحكم هؤلاء القسم الأعظم من الدول العربية، وغطي حكمهم القرن الماضي كله تقريباً، ولم يكن حال الدول المحكومة من قبل هؤلاء باحسن من حال الدول الأخري، بل هي اسوأ من نواح عديدة، لذا فان وضع النكسات والهزائم، والتخلف عن ركب التقدم، وعدم بناء الديمقراطية، وعدم تكريس حقوق الانسان، وانعدام الشفافية، وفقدان التداول السلمي للسلطة، في خانة الدول القومية أو الدولة اليسارية الوحيدة أو الاسلامية الوحيدة، تجن ٍ غير مقبول وغير مبرر بالمرّة، اذ لا يمكن لعاقل أن يصدق أن ديمقراطية السعودية كانت أكثر تطوراً من ديمقراطية النظام الناصري، وأن التداول السلمي للسلطة في الأردن أو عُمان أفضل منه في بقية الدول ذات النزوع القومي، أو أن تكريس حقوق الانسان في زمن الأمام في اليمن الشمالي، أفضل منه زمن اليمن عهد الثورة. المؤكد أن الأنظمة، بمختلف اشكالها، والتيار الغربي، الذي لم يأخذ من الغرب ليبراليته، وانما أخذ منه فقط عداءه للشيوعية والتحرر، ومعاداة من ينادي بمحاربة الاستعمار وعملائه، هذا التيار المنتفع الذي كان ينضوي تحت عباءة الحاكم المطلق، الذي كان ـ ويا للمفارقة ـ اما عشائرياً أو اقطاعياً، أو وسيطاً تجارياً، أو قومسيونجياً ، أو وكيلاً لمنتجات الغرب، هذا التيار يتحمل، الي جانب الحكام، المسؤولية الكبري، عن اشاعة التخلف، وتكريس انظمة الاستبداد، ملكية كانت أم جمهورية، وتسويغ التبعيّة، واجهاض أحلام الجماهير بالانعتاق والتحرر والوحدة، وبناء تنمية وطنيّة مستقلة، تكفل لشعوب المنطقة كرامتها، وتضعها علي طريق التطور. ان انبراء بقايا هذا التيار، بعد أن دبت به الروح، اثر تدنيس المحتل لارضنا، وهيمنته علي مقدرات الغالبية العظمي من أقطارنا، لتوجيه التهم للتيارات الأخري، وهي تيارات، رغم كل ما يُقال عنها، تظل تيارات جماهيرية حقاً، والزعم بانها هي المتسبب فيما آل اليه مصيرنا، انما هو كذب صراح، ومغالطة من العيار الثقيل. العميل القديم الذي جاء مع طلائع الغزو البريطاني والفرنسي، والذي سلّط علينا، وجعلوه يحكمنا رغماًُ عنا، يعود أبناؤه وأحفاده لحكمنا الآن عبر الدبابة الأمريكية، وليس غريباً أن 80% من حكام العراق الآن، هم أبناء وأحفاد وأتباع من كان يحكمنا في ظل هيمنة أبو ناجي، أو أبناء السراكيل، أو أبناء من ناصبوا ثورة الرابع عشر من تموز التحررية العداء. هذا التيار المُتغرّب، الشعوبي، المعادي قلباً وقالباً لكل ما هو عربي، والذي ترتبط مصالحه بمصالح الغرب، فكرياً وعملياً، والذي دق أسفين الفرقة والتناحر بين أقطارنا، وأشاع الطائفية والعشائرية والمناطقيّة، وسن نهج السلطة المنعزلة عن الشعب، سلطة البيروقراطيين، المتطلعين لرضا الغرب، والذي فشل فشلاً ذريعاً في الماضي، وطُرد مصحوباً باللعنات وغضب الشعب، هذا العميل القديم الجديد يحاول الغربيون الآن تلميعه وتزيينه وتسويقه، عبر مساحيق مستحدثة، في اطار مفاهيم منافقة. ونحن اذن ننشد في مقالات لاحقة تلمس صيروة ما نود تسميته بالكتلة التاريخيّة، نجد أنه من الضروري أن نوضح، أن هذه الكتلة الحيويّة، كتلة المستقبل، تقف علي الضد تماماً من نهج هذا التيار المشايع للاحتلال، والمرتبط عضوياً وفكرياً، مثلما كان سلفه القديم، بقوي الهيمنة الغربيّة، ونعتقد أن الدعوات التي تُطلق هنا وهناك لتشكيل جبهة وطنيّة للخلاص الوطني، اذا لم تضع في اعتبارها عزل هؤلاء، فانها ستستنسخ ما هو حاصل الآن، وما كان حاصلاً في مجلس الحكم. 9