رهط من الأكاديميين يتناول تجربة الباحث الشاب وعبدالمنعم تليمة يأسف علي ما وصل اليه حال البحث العلمي المصري!
في الذكري الأربعين لرحيل حاتم عبدالعظيم:رهط من الأكاديميين يتناول تجربة الباحث الشاب وعبدالمنعم تليمة يأسف علي ما وصل اليه حال البحث العلمي المصري!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: الحب في زمن المرايا تنأي شقته أميالا عن الحب في زمن الكوليرا ، فسحرية القارب الذي جمع عشيقين بعد فرقة أقرب للأبدية في رواية ماركيز ، لا تشبه ـ علي الاطلاق ـ سحرية القارب الذي أخذ حاتم عبدالعظيم ورفاقه الي الموت ومرادفاته منذ ما يربو علي الربع قرن، ان الحب الذي اكتمل بهذه القدرية المشرقة في رحلة هروب عجوزين من الموت لا يشبه ذلك الهروب الذي كابده عبدالعظيم في طريق سعيه الي رحلة تطمح الي خلود، بدا الآن شديد الاضحاك من فرط سخريته.كانت المرايا هي تلك الجماعة الأدبية التي أخذت اكثر من خمسين شابا الي رحاب جامعة بني سويف، كنا شبانا صغارا، الغالبية كانت من فقراء الريف ومعدميه، والجميع يغالب انكساراته، ويطمح لوجود انساني يغير العالم أو علي الأقل يجعله أكثر قبولا غير أن الخطوات الأولي بالجامعة التي تزامنت مع اللائحة الطلابية الساداتية التي قضت علي العمل السياسي والثقافي بالجامعة، بدت الساحة الجامعية مكتظة بانتهاكات صارخة لكل الحقوق والمواثيق والأعراف، كانت تلك الانتهاكات ممعنة في وطنيتها فكانت محروسة بضباط وجود يحملون شارات مصرية، وتقدم نفسها باعتبارها قلعة الأمن الوطني.كانت جامعة بني سويف مولودا غض الأطراف والاهاب، كنا نتعارك حوله بصوت مسموع، يؤازرنا وسط ضجيجه أساتذة ضجوا بالأوضاع المتردية التي وصلت اليها الجامعة والبلاد برمتهـــــا فلم يكن بامكان أحد منا أن يرفع مجلة حائطية الي مستوي الرأس، سوي بعد الحصول علي العديـــــد من التواقيع ذات الرائحة الأمنية التي كانت تتعثر عادة.فقررت جماعة المرايا التي كان حاتم عبدالعظيم أبرز مؤسسيها، الهروب الي خارج أسوار الجامعة حيث كان ذلك والطريق الأول للحرية والسعي الجدي لامتــــلاكها وقد تحقق ذلك بالفعل، وتحولت الجماعة الي مفرزة حقيقية بجلساتها الأسبوعية الصاخبة والمؤتمرات القليلة التي عقدتها ونالت جماهيرية غير معتادة في المحافل الأدبية، كانت الحركة تضم أبناء نوادي الأدب في كليات الجامعة، وكان حاتم عبدالعظـــــيم بوعيه النقدي والسياسي المبكر في مقدمة المشاركين في الاعلان وأحد الذين عملوا فعليا علي انضاج تصورات مبكرة، رغم ان الجمــاعة لم تتعـلق في البداية بشعارات أيديولوجية، سوي تلك الشعارات التي ربطت بين قضية الدور الاجتماعي والتنويري وبين النص الابداعي.بدأ حاتم عبدالعظيم شاعرا يكتب العامية والفصحي ويمتلك في كلتيهما حسا رومانسيا فريدا وموهوبا، ومن الطرائف ان حاتم كان طالبا بكلية التجارة ففشل بها فشلا ذريعا وتم فصله، فالتحق بكلية الآداب ـ وياللغرابة ـ اجتاز سنواتها الأربع بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولي وكانت المعضلة الحقيقية تكمن في تعيينه معيدا بالجامعة، فقد كانت القبضة الأمنية تحول دون ذلك بسبب الصوت العالم حاتم في صفوف حزب التجمع ثم الحزب الشيوعي المصري، وكذلك نشاطه الدؤوب داخل الجامعة وخارجها.وهنا لا بد ان نذكر أن الدكتور سيد حنفي عميد كلية الآداب آنذاك وهو شقيق الدكتور حسن حنفي، أخذ علي عاتقه تعيين عبدالعظيم مهما كانت النتائج المترتبة علي ذلك في طريقة تعيد الي الأذهان استقالة أحمد لطفي السيد بسبب اقالة طه حسين من كلية الآداب دون وجه حق في ثلاثينيات القرن الماضي بسبب مواقفه.في الوقت نفسه، كان المستشار طارق البشري مستشارا قانونيا للجامعة في ذلك الوقت، وعرض عليه الموضوع فسطر مذكرة تاريخية عرض فيها بالانتهاكات الأمنية للجامعة، ورأي في مجملها أنه من العار علي دولة تدعي لنفسها الديمقراطية ان تجعل من سلطة الأمن فيها مرجعا يعلو علي سلطة العلم والعلماء والنوابغ من أبناء هذا الوطن، وهكذا أصبح حاتم عبدالعظيم معيدا بالجامعة، رغم أنف القبضة الأمنية الرهيبة.كانت جماعة المرايا قد بدأت تحللها مع حلول نصف الثاني من الثمانينيات بعد ان تخرج معظم ناشطيها وعادوا الي قراهم أو شقوا طريقهم الي حيواتهم الجديدة، وانطلق حاتم عبدالعظيم بدوره في عمله الجامعي فأنجز رسالته للماجستير عن السرد في رسالة حي بن يقظان لابن طفيل، ثم شارك في تحرير مجلة الكتـــابة مع الشاعر هشام قشطة في اعدادها الأولي، وتوالت دراساته ومقالاته في مختلف المجلات والدوريات المصرية والعربية، وسافــر قبل عامين معارا الي احدي الجامعات السعودية ووافته المنية في اجازته الصيفية التي كان يقضيها بين أهله قبل حوالي الشهر.وقد خصصت مجلة أدب ونقد التي يصدرها حزب التجمع الوطني ندوتها هذا الأسبوع لتأبين حاتم عبدالعظيم، وقد شارك فيها الشاعر حلمي سالم والدكتور عبدالمنعم تليمة والدكتور سيد ابراهيم والدكتور محمد بريري والدكتور صلاح السروي وتحدث من قاعة الحضور الشاعر سمير عبدالباقي والناقد محمد بدوي والروائي فتحي امبابي وبعض الحضور، وسوف نحاول هناك الالمام بجانب من هذه الندوة.في البداية نعي الشاعر حلمي سالم الذي أدار الندوة عددا من الراحلين في توقيتات متقاربة وهم التشكيلي محمد بكري الذي رسم ديوان علي قنديل أحد الشعراء السبعينيين الذين رحلوا مبكرا، وكذلك رحيل التشكيلية رعاية النمر، ثم حاتم عبدالعظيم وقال سالم ان من عادات الأمم أن تحول الموت الي مكنة للحياة وأن تحول تذكارات الراحلين الي قيمة للبهجة وقال ان تلك الندوة ما هي الا محاولة لصناعة مثل هذه التذكارات.في البداية تحدث الدكتور سيد ابراهيم رئيس قسم اللغة العربية في كلية آداب بني سويف، وأشار الي ان حاتم عبدالعظيم ينتمي لجيل نشأ علي التفتح والبحث في آفاق كل شيء مثل أشرف عطية ومحمد مصطفي سليم، وماجدة سرور، وأشار الي انه كان مشرفا علي رسالة حاتم عبدالعظيم للماجستير، وأضاف قوله المتحسر: يبدو أننا أبناء بيئة منكوبة بالخسارات المتوالية في وطن لا يتحسر علي شيء ولا يخاف علي شيء ، وأضاف ابراهيم ان هذا الجيل تفتح علي نظريات النقد الحديثة بكل شوق واندفاع وهذا ظاهر تماما في رسالة وأعمال حاتم عبدالعظيم الذي لم يكن يعول علي الترجمات لكنه عمد الي ان يلقي بنفسه في عرض البحر فقرأ باللغة الانكليزية أصول النظريات وقد بدا ذلك جليا في دراساته وبحوثه المتعددة التي بدت فيها الجرأة البحثية، فهو ـ حسب سيد ابراهيم ـ يخالف أحد أساطين النقد الألماني ايزر في قضية القارئ الضمني ويؤسس علي ذلك رأيا جريئا، أما شعره فيصفه سيد ابراهيم بأنه يتميز بتلك المسحة الوجودية والنزوع الي التأمل الكوني الخالص، وقرأ سيد ابراهيم مقاطع من قصائد حاتم عبدالعظيم شفق و كتابة و جدلية الدماء والتوحد ، واختتم حديثه بالقول ان هذه الشعرية وتلك القصائد يحويان فرادة وموهبة مفاجئتين ومن ثم فان شعرية حاتم عبدالعظيم تحتاج الي قراءات متعددة ومعمقة.أما الدكتور محمد بريري استاذ الأدب بالجامعة الأمريكية ـ فقد تحدث عن علاقته بحاتم عبدالعظيم منذ ان كان يدرس له النثر والشعر العباسيين في كلية الآداب ووصفه بأنه كان واحدا من نشطاء الجامعة علي كل المستويات وكان جسورا وجريئا ودائم السؤال والجدل، وأشار بريري الي انه كان يقرأ علي طلبته احدي محاورات أبي حيان التوحيدي فاعترض وناقش الفكرة وقطع بأن المحاورة كانت مسجلة ولم ينقلها أبو حيان من واقع حدوثها ومدي مطابقتها له وقال بريري انه اتفق تماما مع نظرة حاتم عبدالعظيم لأنها تتفق مع قول أبي حيان من أن النحو منطق العرب، وهو ما يتناقض مع منطق المساجلة غير المتعقلة، واضاف بريري ان حاتم عبدالعظيم كان ناشطا سياسيا ووقف خلف العديد من مظاهرات الجامعة.اما الدكتور صلاح السروي فلم يخرج علي حديث سابقيه غير أنه استعرض جانبا من الشق المنهجي في رسالة حي بن يقظان التي أعدها حاتم عبدالعظيم.ثم تحدث الدكتور عبدالمنعم تليمة الذي أفاض في تناول تاريخ الجامعة المصرية وكيف أن تبني مواهب حقيقية من الباحثين في الجامعة مثل حاتم عبدالعظيم أمر صعب وشاق، واستعرض الدكتور تليمة رسالة حي بن يقظان التي كان قد حصل علي درجة الماجستير عنها هو أيضا في منتصف الخمسينيات، وأشار تليمة الي دهشته من جرأة حاتم عبدالعظيم لا سيما في فصله الذي خصصه لدراسة ابن طفيل في الأدب المقارن وتعامله مع الرسالة باعتبارها نصا أدبيا وكذلك التعامل معها في موضع آخر باعتبارها سيرة ذاتية لابن طفيل، وقال تليمة ان حاتم عبدالعظيم خلص النص من الرسالة الفلسفية الاشراقية الاشكالية وأعاد انتاجها من خلال علم اللغة الحديث وعلم البلاغة العصرية فعرض لفضاء علمي الزمان والمكان عبر أحدث المناهج وهنا تجلت موهبته كباحث.يذكر أن حاتم عبدالعظيم كان من المفترض ان يناقش رسالته للدكتوراه في كانون الثاني (يناير) القادم، وكانت حول صورة السرد في شعر العصر الأموي.0