امريكا والعالم الاسلامي: حالة انكار او استكبار ام حالة اختلال؟

حجم الخط
0

امريكا والعالم الاسلامي: حالة انكار او استكبار ام حالة اختلال؟

حمدان حمدانامريكا والعالم الاسلامي: حالة انكار او استكبار ام حالة اختلال؟قد يكون الانكار ناجما عن جهالة، وهذا في الازمنة القديمة من حياة البشرية، اما الانكار في العصر الذي نعيش، فهو العناد في التجاهل، خاصة اذا كانت الحقائق ساطعة بمثابة بدهيات لا تحتاج الي عناء البرهنة او اقامة الدليل النافل.وفي حالة الانكار الامريكية، لما يجري لسياساتها ومصالحها، في العالم، فان هناك سببا للدمج بين الجهل والتجاهل، خصوصا ونحن ازاء ادارة يمينية محافظة، كان لها نصيبها الوافر، من قصور الفهم في حقل المعرفة بتاريخ الشعوب، وتاليا، التعلم من تجارب هذا التاريخ ودروسه.ففي الاطروحات الرامية للنزاع بين الاديان، كان ثمة ما يقال، قبل صراع الحضارات (هانغتون)، فحسب مزاج الرئيس رونالد ريغان، فقد كان الرجل القادم من الكومبارس الهوليوودي، مولعا بتعقب النبوءات التوراتية طبقا لما يجري في ساحات العالم واقعيا، ولما كان لريغان، رأي في ضرورة دعم ارادة السماء، من الانسان علي محور الخير، فانه لم يكن لديه مانع، من ازاحة بعض الانحرافات من وجه النبوءة، وعلي هذا، فان ريغان، كان يحمل كتاب النبوءات (العهد القديم) بيد، وعلبة الازرار النووية بيد اخري، ولولا لطف الله في الانقلاب علي نظام هيلاميريام الاثيوبي الماركسي، لكان عليه تصحيحا لمطابقة اثيوبيا مع محور الخير حسب النبوءة، ان يضرب (اثيوبيا ميريام) بصواريخ نووية، كيما يسترد الواقع رشده، فيصبح متماهيا مع النبوءة وليس عكسها، وهي كوميديا صينية تقول بقص القدم لمواءمة الحذاء!وما من شك، ان من يؤمن بمثل هذه النبوءات، الطافحة بالدموية الي درجة انهاء الزمان (هرمجدون) عبر اقتتال كوني تصل فيه الدماء الي (شكائم الخيل) بحيث تفني ثلاثة ارباع البشرية (التي هي محور الشر) لصالح الخلود الابدي في الفية سعيدة لاخرين، وهذه الصورة المقطرة بكثافة عنصرية، الواقعة في الضمير المستتر لانخاب تدعي المدنية، انما تشكل الفضاء الخلفي، لما سمي اساسا، بالمشروع الاستباقي، لمواجهة خطر قادم من الشرق اسمه الاسلام.. وقد تم الاستعداد لهذا المشروع، مع الحجر الاول الذي سقط من جدار برلين، اذ قبل (صراع الحضارات) و(نهاية التاريخ) كان المفكرون في مدرسة المحافظاتية الجديدة، او ما هو من جنسها وعلي شاكلتها، يؤدلجون للفروق الخطيرة، بين ما كان شيوعــــيا، وما هو اسلامي قادم، ولعل المجال يسمح باختصار هذه المفارقات كما قيلت في حينه، فالشيوعية مثلا، ايديولوجية فكرية اقتصادية تاريخية وسياسية، ما لبثت ان تحولت الي انظمة سياسية في اطار توحيدي اكراهي هو الكتلة الشيوعية، وقد تم انهيارهـــــا من داخلها، نظرا لكونها باتت ايديولوجية حكومات لا ايديولوجية شعوب، اي انها سقطت بالممارسة، اكثر من سقوطها في الفكر. اما الاسلام، فتكمن خطورته، في انه يظل ايديولوجية شعوب في مرتبة عقيدة قدسية لا يجوز لحاملها، ان يرتد عليها او ينفض منها، فاذا ما سقط جدار اسلامي، فان السقوط يكون للاسلاميين وليس للاسلام في ذاته، والشاهد، ان الحراك الاسلامي، في صحوته وسباته، وفي توافقاته ونزاعاته، وفي حروبه وسلامه.. ظل دائرا من الف واربعمئة سنة ونيف، لا يتوقف عن الدوران، وفي ذلك ما يرد الي ماهيته في طاقة لا تنضب من طلب الحضور الي التاريخ، فمن عصر النهضة، الي اليقظة او الصحوة، ومن السلفية الاصولية، وما اعقبها من تفرعات واجنحة، فانها كلها وسواها، في محل اجتهادات وتصورات، تهدف الي غاية واحدة، استنهاض الامة واسترداد الهوية.اما الخطر الاسلامي الآخر، الذي نظر اليه الغرب، فكان يتمثل في صدفة غير سعيدة، امتلاك العالم الاسلامي للطاقة النووية او علي الاقل (اسلحة دمار شامل من نوع ما) اضافة الي رصد الهجرة الاسلامية الي بلاد الغرب، والعمل علي درئها ومحاربتها، بشتي الذرائع القانونية التي تصدرها الحكومات طبقا لمراحل متناوبة.. فالاسلام بهذه المعاني اخطر من الشيوعية بما لا يقاس، وهكذا مع انتهاء الحرب الباردة اواخر الثمانينات، فقد استعد الغرب الامريكي، لملاقاة عدو مباشر هو في المخيلة وليس في الواقع، والمشكلة في تاريخ امريكا، ان الامريكي (الساكسوني) يقتل عدو المخيلة في الواقع، وذريعته انه في استباقه الي القتل، كان في حالة دفاع عن النفس، ففي مثل هذه الحالة مثلا، حالة الدفاع عن النفس، كان يتم تطهير امريكا من سكانها الاصليين، وهي فرصة مواتية لتكرار التجربة في التاريخ.لقد صادف ان ما كان ينقص امريكا للخروج الي العالم، هو احداث ايلول (سبتمبر) بالضبط، اذ رغم العيون الباكية علي الضحايا في الداخل، فانها في الشبكية ما تحت البؤبؤ، كانت تنظر الي الحدث المأساوي، علي انه اهتبال مناسبة، اذ لا وقت للاحزان والعواطف، ويؤكد بوب ودوورد في كتابه بوش في حرب انه علي مائدة الافطار التي جمعت بين جورج تينت مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، وديفيد بورين رئيس لجنة الامن القومي في الكونغرس، في فندق سان ريجيس، الساعة الثامنة والربع من صباح يوم ضرب الابراج، وفيما يتقدم الوقت مع مشهد الافطار، واذا بحارس تينت يتقــــدم قليلا: سيدي، هناك كارثة، فقد تم ضرب ابراج التجارة فـــي نيويورك) وعلي الفور يلتفت تينت الي بورين وبصوت مشحون ذلك عمل بن لادن ولا احد غيره ! وكان الفارق الزمني بين الحدث والتعليق، لا يتجاوز ربع الساعة فقط.ثم ما لبثت ان تحولت الاحزان الي خطة شاملة لمطلوبات عاجلة وضرورية، منها، تصدير الصدمة المفاجئة الي خارج الولايات المتحدة قبل انتظار التفاصيل، اي لا بد من تحديد عدو خارجي علي الفور، تلقي عليه المسؤولية، لان التفاصيل لا بد ان تشير اليه، ومن المطلوبات ايضا، استدعاء الوطنية الامريكية في اطار جامع، تقطع الطريق علي اي تساؤل، بحيث يصبح مجرد الشك في مرتبة الخيانة، كما ان هناك حاجة روحية الي (استدعاء الدين) ليلعب دوره الايماني في الاصطفاف الجماعي، حيث ظلت خطة المطلوبات تتوالد، الي ان انتهت مع الليلة الثانية لحدث 12 ايلول (سبتمبر) مع بزوغ الشمس علي البيت الابيض. ومن هذه الخطة التي صيغت بدموع الاحزان علي ضحايا ايلول (سبتمبر)، تخلقت الفكرة لغزو افغانستان، بوابة العبور الي الشرق الاوسط الكبير، ومن بعده العراق، واسطة العقد الذهبي في الاوسط الكبير نفسه.وفيما تنقلب الاحزان، الي استراتيجية حاملات وطائرات، وصواريخ ذكية وغير ذكية، فان احداث ايلول، تنقلب الي مجمع ذرائع، وقد عززت الوقائع اللاحقة، باعترافات امريكية رسمية وبرلمانية جمهورية وديمقراطية، الا صلة للعراق في كل ما تم تضمينه من ذرائع الغزو، (اسلحة دمار، صلة بالقاعدة، يورانيوم النيجر.. الخ)، اما محاربة الديكتاتورية وتصدير الديمقراطية علي الطريقة الامريكية، فذريعة لاحقة لاسعاف ما تم اخفاقه في الذرائع السابقة.ومع المشهد المأساوي الفظيع، في العراق منذ بدايات الاحتلال، وفي افغانستان اليوم، فان الرئيس بوش، يعاند الواقع بازدراء مؤسف، واحيانا اخري، بعصبية واضحة، فكما لم يهمه بالامس من الدماء، سوي الافتتان بوهج النفط، وهي قضية وراثية عائلية، باضافة ضمان امن اسرائيل، وهي قضية عقيدية ومتوارثة ايضا، فانه اليوم، وامام ست عشرة وكالة امنية امريكية لا يهمه من تقريرها الجامع والمشترك، سوي التسريب، فبوش ناقم اشد النقمة، علي مسربي الاسرار الي الصحافة الامريكية، اي ان الحقائق التي جاء عليها التقرير، لا اهمية لها بالنسبة لرئيس تعاني بلاده، ما لم تعانه في تاريخها من قبل، فاذا ما استمر هذا الاتجاه في السياسة الامريكية، كما يقول التقرير في فقرة من فقراته (فان الهجمات ضد المصالح الامريكية في الداخل والخارج، ستزداد عنفا) وعن الوضع في العراق فقد اصبح النزاع العراقي (قضية شهيرة) تغذي ضغينة عميقة حيال الوجود الامريكي في العالم الاسلامي، كما تؤدي الي تزايد متعاطفين مع الحركة الجهادية علي مستوي العالم، ويشكل الجهاد في العراق، جيلا جديدا من القادة والعناصر (الارهابية) فيما يستغل تنظيم القاعدة، الوضع العراقي لاجتذاب متطوعين وممولين، فاذا ما لاح في الافق، انتصار للجهاد في العراق، فان ذلك سيلهم مزيدا من المقاتلين لتوسيع الجهاد في اماكن اخري من العالم.. وسوف تتفق تنظيمات متطرفة سنية اخري، كالجماعة الاسلامية وانصار السنة ومجموعات اضافية في شمال افريقيا، فتصبح اكثر فاعلية لتنفيذ هجمات اشد كثافة خارج المناطق التقليدية لعملياتها.وامام هذه القراءة الجادة والمسؤولة من كامل مجموع الوكالات الامنية الامريكية، فان رد الفعل السريع للرئيس بوش، وفي موتمر صحافي مشترك مع الرئيس ـ الصورة ـ كرزاي، كان في قوله (في اعتقادي انه لو لم نكن في العراق، لكانوا وجدوا عذرا آخر) ويضيف (ان وراء التسريبات دوافع سياسية، وان الهدف هو ضعضعة الامريكيين).وهكذا، فان الهدف الذي لم يقله بوش في النفط، يقوله هنا في الانتخابات النصفية للكونغرس، فمصلحة النفط، قضية غير قابلة لا للتسريب ولا الاعلان، اما مصلحة الحزبين في الانتخابات، فقضايا قابلة للتسريب والاعلان، وهناك ـ في مجال هذه المصلحة ـ ما هو اكثر قابلية للفضيحة والاعلان، فمن اجل حرق السفير الامريكي السابق في النيجر، تم فضح الوظيفة السرية لزوجته كعميلة استخبارات، ورغم ان الفضيحة انطلقت من مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، فان التسريب هنا، لا اهمية له، او في اعلي الحالات، استقالة مدير مكتب تشيني مع ملاحقة قضائية لم نعرف نتائجها لما احيط بها من صمت اعلامي.ان ما يثير الدهشة، ان مثل هذه التسريبات في عرف الرئيس بوش، هدفها ضعضعة الامريكيين، اما حقائق امريكا في العالم وخاصة الاسلامي منه، فانها لا تضعضع الوضع الامريكي برمته، وفيما تتزايد حالة الانكار البوشية، فان حالة امريكا الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، تزداد تضعضعا في الواقع والارقام، فامريكا لم تحظ بمثل هذه الكراهية، من شعوب العالم، مثلماحظيت به في الزمن البوشي، وامريكا لم تغرق في ديونها الداخلية والخارجية، مثل مديونياتها في الزمن البوشي، ولا نعرف ما الذي يدفع بمجلس النواب الامريكي، علي الموافقة علي مشروع قانون من البنتاغون (وزارة الدفاع)، يقضي بتقديم سبعين مليار اضافية لحربي العراق وافغانستان، اذ ما الذي فعلته اربعمئة مليار سابقة للعراق وحده، ما الذي فعلته، غير ارسال المزيد من النعوش الملفوفة بالعلم الامريكي، وعشرات الوف اخري من الجرحي والمضروبين بعاهات دائمة، تحرج اصحابها من حياة السوية الانسانية.من جانبنا، ما الذي فعلته هذه المليارات الامريكية، سوي قتل مئات الالوف في العراق وفلسطين وافغانستان.. وبلا طائل.فالمقاومة في العراق تشتد (افظع اسبوع دموي كان في العراق منذ بداية الاحتلال، كان الاسبوع الماضي من كتابة هذه السطور)، والمقاومة الفلسطينية لا تهدأ، حتي مع مرحلة التهدئة المطلوبة رئاسيا، والمقاومة الافغانية تولد وتتصاعد من جديد.وما لم يفهمه بوش، هو انك تستطيع قتل العربي والمسلم، لكنك لا تستطيع ان تقتل روحه، ففي روحه عقائدية لا تموت، من حيث هي الوراثة في الارث، والجينات في الخلية، فالعالم العربي الاسلامي، ما زال يقارع منذ الحملات الصليبية، وربما ابعد، وهو لا بكل حتي في الفوات بين المراحل، فهو ما يكاد يموت، حتي يعود الي الحياة من جديد، والشاهد اننا نموت فرادي في المعارك، لتعود جماعات في معارك مقبلة، فاذا كان السيد بوش، واسلافه الغابرون، قد اعتادوا شراء الولايات، والسيطرة علي جمهوريات الموز، والعوم عند بلاجات هاواي، والنوم علي غطرسة القوة الاحادية التي ترعب العالم، فان في الشرق الاوسط الكبير، شعوبا اخري، ومع هذه الشعوب، فان حالة الانكار لا تطول، فالرئيس بوش ينظر الي دماء الاخرين وفقرهم وادقاعهــــم وبؤسهم (وهم ثلاثة ارباع البشرية)، من ثقب الانتخابات النصفية، او من نافورة البئر النفطية سيان.. ولا يدرك السيد بوش، ان العالم كله، يريد حياته وكبرياءه وحقه في المواطنة والعيش الكريم.. ولا يعنيه ما يعني بوش لا علي الصعيد الرئاسي والحزبي والمالي وحتي الشخصي، فما يعني الشعوب ان تترك حرة في مصائرها، وما يعنيها ان يذهب بوش مع حالة انكاره او اختلاله. كاتب من فلسطين يقيم في سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية