إقلاع الدراما الرمضانية… ومطبات مزمنة علي الأثير السوري

حجم الخط
0

إقلاع الدراما الرمضانية… ومطبات مزمنة علي الأثير السوري

23مسلسلا علي الهواء مباشرة والانتاج فاق ضعفي هذا العدد:إقلاع الدراما الرمضانية… ومطبات مزمنة علي الأثير السوريدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: فيما كانت أغلب الفضائيات العربية تعلن مسبقاً عن الأعمال التي ستبث خلال شهر رمضان، واضعة المشاهدين بصورة العمل والإخراج ودعوات الممثلين والممثلات، أقلعت الدراما السورية بدون إعلان مسبق، لتضعنا شاشات التلفزيون السوري /الفضائية والأرضيتان/ أمام 23 مسلسلاً علي الأثير مباشرة، مما عرض المشاهدين لمطبات درامية، أثناء التفكير فيما يتابعون من أعمال، وأي النجوم والنجمات أحب إليهم، وكيف يتمكنون من إعادة برمجة الروزنامة الرمضانية، ما بين موائد الإفطار ومواعيد البث الدرامي.وإذا كان التلفزيون السوري لم يستوعب إلا 23 مسلسلاً علي شاشاته الثلاث، فإن الإنتاج السوري فاق ضعفي هذا العدد،إذ بلغ 47 مسلسلاً، بعضها لم يجد له متسعاً علي الشاشة الوطنية، وبعضها الآخر خضع لاحتكار العرض الأول أو شراء الحق الحصري من قبل بعض القنوات الخليجية، إما لأنها شريك ممول في الإنتاج أو لأنها قادرة علي دفع أضعاف السعر الحقيقي لثمن الحلقة الواحدة، والتي لا تتجاوز غالباً قيمة الخمسة آلاف دولار، فيما يصل سعر الحلقة الواحدة في حالة احتكار العرض الأول لمبلغ 10 آلاف دولار.ومن الأعمال التي كانت جاهزة ونأمل بمتابعتها خلال هذه الدورة مسلسل تحت السما فوق الأرض عن نص لحكم البابا، والذي حاول مخرجه مأمون البني أن يغير الاسم إلي أيام الولدنة لكن سقف الرقابة حال دون عرضه، إما لجرأته أو لموقف من كاتبه، والله اعلم، والأرجح أن السببين اجتمعا معاً في اللحظات الأخيرة فقرروا طرد تلك الأيام الجميلة من مساحة الشاشة السورية. ولو عدنا إلي اعتماد لغة الأرقام، لاستطعنا أن نكون متفائلين ونقول: إن الدراما السورية بألف خير، فالإنتاج الدرامي بلغ العام المنصرم 33 مسلسلاً، ووصل هذا العام إلي 47 مسلسلاً، كذلك التوظيفات الخاصة في حقل الإنتاج الدرامي تطورت هذا العام فبلغت مليار ونصف المليار من الليرات السورية أو ما يقارب 30 مليون دولار، توزعت علي 22 شركة إنتاج فني، وفق إحصائية لجنة صناعة السينما التابعة لغرفة صناعة دمشق، مع أن أغلب هذه الشركات لم يفكر في أي مغامرة في حقل الإنتاج السينمائي،مكتفياً بالربحية العالية للإنتاج الدرامي، خاصة مع سرعة دورة رأس المال في هذه الصناعة، والتي لا تتجاوز الستة أشهر إلي العام بأكثر التقديرات. لكن نظرة متأنية للموضوع، تشير إلي استمرار العديد من المطبات المزمنة والمستعصية علي التجاوز، والتي ما زالت تعترض مسار تحليق الدراما السورية، وأولها وأهمها علي الإطلاق هو حصر الإنتاج بالدورة الرمضانية فقط، وهذا يعود لهيمنة المعلن في المعادلة الإنتاجية والتي أقصت عناصر المسلسل الأساسية/ النص، الإخراج، التمثيل/ لصالح عناصر الإنتاج/المنتج، محطة البث،المعلن/ مع تمكن هذا الأخير من فرض شروطه وخاصة لجهة الإنتاج الرمضاني، حيث تبلغ نسبة الإعلان في شهر رمضان قرابة الخمسين بالمئة من مجموع الكتلة الإعلانية لعام بأكمله، وهذا وفق إحصائية المؤسسة العربية للإعلان. الإنتاج الرمضاني معضلة ساهمت بقتل العديد من الأعمال الهامة، فكيف سيتمكن هذا المشاهد من متابعة 23 مسلسلاً تلفزيونياً علي قنواته الثلاث، إذا كان وطنياً جداً، أما إذا شابه بعض الانتماءات العروبية أو الأيديولوجية وبحث في المحطات والفضائيات العربية الأخري فإنه سيقع ضحية أضعاف هذا الرقم، وبالتالي لن يتمكن من متابعة إلا النزر اليسير منها، وهذا النزر اليسير ليس بالضرورة هو الأفضل، لأن المشاهد لن يمتلك تقويماً مسبقاً لسوية هذه الأعمال وموضوعاتها، فالمشاهد المسكين علي الفضائية العربية يبقي خلال الأسبوع الأول من رمضان في حيرة بين القنوات، يستخدم جهاز الكونترول في القفز من محطة إلي أخري، ليتابع ما يقدم عبرها من مسلسلات ويتعرف علي مواعيدها، علي أنه قد يختلط الأمر عليه حين يشاهد ذات الممثلين في موضوعات متشابهة أحياناً، ينتقلون معه من مسلسل إلي آخر، وكأن شيئاً لم يتغير غير الاسم أو شارة العمل التي لم يتعرف عليها بعد.وهكذا يكون المشاهد و المسلسلات الدرامية الجيدة ضحية هذا التوقيت الرمضاني الإجباري، فرمضان كريم حتي بالدراما التلفزيونية، لكن هذا الكرم يسبب في بعض الأحيان تخمة قاتلة، وهذه التخمة تضع الأعمال الرمضانية أمام رهانات تسويقية تتحكم فيها عناصر المال والعلاقات ما بين المنتج والمعلن ومحطة البث أكثر مما تتحكم فيها العناصر الفنية للعمل، وبالتالي قد تحظي أعمال غير مهمة بأكبر مشاهدة أو جمهور علي حساب الكثير من الأعمال الهامة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار توقيت العرض، أو البث في وقت الذروة من المتابعة، ونقصد تحديداً ما بعد الإفطار أو بعد نشرة الأخبار بالنسبة للمشاهد العربي عموماً والمشاهد السوري بشكل خاص، فإذا قمنا بدراسة ميدانية لهذه المسألة سنكتشف أن الفضائية السورية وضعت مسلسل تحولات لعصام موسي في الساعة الثانية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة، أي في عز الظهر،كما يقال، حيث الناس في وظائفهم والطلاب في مدارسهم، بينما جاء المسلسل الكوميدي مرايا 2006 لياسر العظمة ومن إخراج هشام شربتجي في الساعة السادسة وخمس وخمسين دقيقة، ثم غزلان في غابة الذئاب لرشا شربتجي في الساعة التاسعة مساءً، ونستطيع أن نقارن ذلك مع مسلسل كسر الخواطر الذي يبث في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل، يليه أهل الغرام في الخامسة والنصف صباحاً، فمن سيتابع هذه الأعمال الأخيرة بربكم !؟ ولو حاولنا تقصي الأعمال الثمانية علي القناة السورية الأولي سنكتشف أن انتقام الوردة للمخرج محمد زهير رجب يبث في الساعة الحادية عشرة والنصف، فيما نتابع مسلسل باب الحارة للمخرج بسام الملا في الساعة السادسة وأربعين دقيقة، وبعده مسلسل الوزير وسعادة حرمه في أول تجربة إخراجية لسامر برقاوي في السابعة والنصف تقريباً، فيما يبث مسلسل ما شاء الهوي في الثانية عشرة وخمسين دقيقة، أي قبل أن يستيقظ من يريد تناول وجبة السحور من الصائمين.وأنا أعلم أن هذه المشكلة تعترض كل الفضائيات العربية إذ لا يمكن عرض كل المسلسلات في وقت الذروة من المتابعة، لكن في التلفزيون السوري تخضع هذه العملية لضغوط إعلانية من جهة، ولضغوط العلاقات الشخصية ، وبالتالي تخرج الكثير من الأعمال الهامة من حيز المشاهدة أو المتابعة المكثفة، بانتظار أن يتاح لنا لاحقاً متابعتها في عرض ثاني أو ثالث، خلال أماسي الشتاء الباردة.هناك مسألة أخري تشكل مطباً في مسار الدراما التلفزيونية السورية، لأن زحمة الإنتاج الرمضاني تضع الشركات المنتجة في ظروف إنتاجية صعبة، خاصة لجهة الحصول علي الممثل الجيد أو المناسب للدور، إذ أن الكثير من ممثلينا يرتبطون بأكثر من عمل وفق هذا البازار الرمضاني، وعلي المخرج أن يكيف أوقات التصوير وفق ارتباطات ممثليه، وهذا كثيراً ما أدي إلي انسحاب بعضهم في اللحظات الأخيرة، أو تعثر التصوير نتيجة ذلك، حتي أن بعض الأعمال يبدأ عرضها علي الشاشة الصغيرة فيما عمليات التصوير مستمرة خلال شهر رمضان، وهذا يؤدي إلي خيارات فنية ليست مثلي غالباً، تحت ضغط الزمن ، وضرورات الانتهاء من الحلقات في الساعات الأخيرة. المشكلة الثانية إن الإعلانات التي تمول الإنتاج بشكل مباشر، تصبح عبئاً علي المشاهد في هذه الدورة الرمضانية، حتي أن بعض الاعمال تصبح متابعتها أقرب إلي السير في متاهة من الإعلانات التي اعتقد جازماً أنها لن تحقق الغرض المرجو منها، فما معني أن نتابع إعلانات لعشر أنواع من الشامبو أو المنظفات خلال ساعة واحة مثلا، و تدعي جميعها أنها الأفضل؟ وهنا يتساءل البعض هل نشاهد دراما تتخللها الإعلانات أم أنها مسلسل إعلاني تتخلله فقرات درامية للتشويق فقط وإثارة فضول المتابعة؟الملاحظ في الأعمال الدرامية لهذا الموسم، أنه ومع تطور عدد المسلسلات المنتجة إلا أنها شهدت تراجعاً في الأعمال التاريخية، إذ لم تتكاثر بنفس الوثيرة، وذلك لأنها تتطلب توظيف رأس مال إنتاجي أعلي، مقابل إقبال أوسع علي الدراما الاجتماعية المعاصرة التي احتفظت لنفسها منذ سنوات بقصب السبق في هذا المجال، فهي الأقل كلفة، والأكثر متابعة، فيما ما زالت القنوات الخليجية تطلب الأعمال التاريخية، والتي كادت تقتصر علي مسلسل المحروس من إخراج نجدت أنزور، ومسلسل خالد بن الوليد من إخراج محمد عزيزية، كما يصنف مسلسل باب الحارة ضمن مسلسلات السير الشعبية، مع أنه دراما اجتماعية تعود لبدايات القرن المنصرم. فيما نتابع ضمن هذه الدورة عملين من فئة الدراما الاجتماعية البوليسية هي القضية 6008 إخراج غزوان بريجان، و انتقام الوردة للمخرج محمد فردوس أتاسي، كما نشهد هذا العام عروضا مكثفة ذات طابع كوميدي، كمسلسل الوزير وسعادة حرمه من إخراج سامر برقاوي، و كسر الخواطر للمخرج نذير عواد، إضافة لعودة مرايا العظمة 2006 في مسلسل أطلق عليه رجل الأحلام مع المخرج هشام شربتجي. وأخيراً تجدر الإشارة إلي المطب الأساسي الذي تسقط فيه كل الدراما السورية في رحلتها ما بين المنتج والمشاهد، يتمثل هذا المطب في غياب جهة تسويقية مدعومة من الدولة، إذ يبقي التسويق لدينا ارتجاليا وفرديا، فرغم الإعلان عن تأسيس لجنة لتسويق الأعمال الدرامية السورية… لكنها ظلت لجنة علي الورق، فيما يطالب بعض المنتجون باتحاد خاص بهم يتولي هو مسؤولية التسويق، ويسحب من تحت الفضائيات العربية بساط التحكم بالعملية التسويقية، مع أن شيئاً من هذا لم ير النور حتي تاريخه. تبقي الملاحظة الأخيرة بعيدا عن مفهوم المطبات الدرامية متمثلة بغياب أي عمل درامي لهذا الموسم ذي موضوع ديني، كما غابت الأعمال التي تتناول الصراع العربي/ الإسرائيلي، والتي كانت دخلت السباق المارثوني للدراما الرمضانية بقوة خلال العامين المنصرمين. 2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية