ماذا بعد المواجهة في أزمة دارفور؟

حجم الخط
0

ماذا بعد المواجهة في أزمة دارفور؟

ماذا بعد المواجهة في أزمة دارفور؟د. يوسف نور عوض لم يعد خافيا أن الولايات المتحدة لها اجندتها الخفية في اقليم دارفور علي الرغم من ادعاءاتها المتكررة بأنها تهدف فقط الي انهاء ما تسميه الابادة البشرية في الاقليم وهو قول لا يقوم علي صدقيته دليل بكون الولايات المتحدة لم تقدم ما يثبت أنها من أصدقاء العرب، كما أن جميع سياساتها في المنطقة يحيطها الشك وهي تخدم استراتيجيات أصبحت واضحة بالنسبة للكثيرين، وقد أدرك السودان مرامي هذه السياسات وأهدافها وتصرف علي هذا الأساس معتمدا علي خبرة متراكمة استجمعها من موقف الولايات المتحدة من العراق ولبنان وسورية وايران مدركا في ذات الوقت أن الولايات المتحدة لن تخوض مغامرة جديدة في دارفور بسبب مشكلات لوجستية وتقنية. ولم يكن ادراك موقف الولايات المتحدة قصرا علي السودان وحده فقد عارضت روسيا والصين مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الي مجلس الأمن ما أضطر الولايات المتحدة الي أن تدخل تعديلا علي مشروع قرارها بربط عملية تنفيذ القرار بقبول الحكومة السودانية له وهو قبول لم يتحقق لان الحكومة السودانية ظلت في موقفها المعارض معلنة أن الولايات المتحدة لها أهداف استعمارية وتريد تقسيم السودان لأسباب خاصة بها وبأمن اسرائيل. وقد قال نائب رئيس الجمهورية علي عثمان طه اذا كانت النتيجة في جميع الأحوال متساوية فليصمد السودان وليكن بعد ذلك ما يكون. وقال الرئيس البشير اذا قبل السودان بالقرار فمعني ذلك ضياع وحدة السودان واذا لم يقبل وقاوم فهناك احتمالان اما ألا يبقي السودان واما أن يبقي وهذا خيار أفضل. ولكن الولايات المتحدة علي الرغم من ذلك لم تيأس وجمعت بعض وزراء الخارجية العرب ـ الذين اعتبرهم وزير خارجية مصر احمد أبو الغيط من أصدقاء أمريكا ـ لبحث مشكلات المنطقة ومنها مشكلة دارفور، وعلي الرغم من هذه المبادرة فنحن نلحظ أن الموقف الأمريكي لم يتغير فهو غامض كالعادة يعد العرب بوعود يجددها دون أن يحققها بينما يطلب منهم أمورا ينفذونها بحذافيرها دون أن يتعلموا الدرس ولو لمرة واحدة.ولكننا مع ذلك لا نريد أن نقول ان الموقف السوداني المعارض لموقف الولايات المتحدة هو موقف متكامل لأنه في الحقيقة يتجاوز كل الحقائق في الواقع السوداني وهو لا يستطيع أن يعتمد علي الانشقاق الحادث في البيئة الدولية بسبب الموقف في دارفور خاصة الموقف الاوروبي الذي بدأ ينسق مع الاتحاد الأفريقي بكون التجارب علمتنا أنه علي الرغم من المعارضات التي تبديها دول مثل روسيا والصين وفرنسا فهي في نهاية الأمر توافق علي ما تريده الولايات المتحدة بعد أن تجري تعديلا محدودا في مشروع القرارات قبل أن تقبلها وذلك ما حدث مع القرار الف وسبعمئة وستة وهو القرار الذي تمت اجازته بعد أن وافقت الولايات المتحدة علي ادخال شرط موافقة حكومة السودان.ولا يعني الصمود السوداني نهاية الاشكال فقد أدركت مجموعة من السياسيين السودانيين أن الوضع اخطر مما تصوره الحكومة ولا يقتصر علي التحديات الخارجية وحدها بل علي التحديات الداخلية أيضا، اذ الملاحظ أن معظم الذين بدأوا تحركا للم وحشد الصف الوطني هم من داخل النظام ذاته ولا تشاركهم المعارضة في اطارها العريض، ولا شك أن هذه المجموعة تري أن أي خطر يتعرض له النظام هو في النهاية خطر تتعرض له مصالحهم وبالتالي فان لم الصف لا يكون بتوجه مثل هذه المجموعة نحو حشد التأييد خلف الحكومة بل يكون بعمل وطني حقيقي يعيد الأمور الي نصابها ويجمع الصف الوطني بأسلوب آخر. ولا يعني لم الصف الوطني عقد مؤتمر جامع فقط، أو تقديم امتيازات لبعض الأفراد من أجل تقديم تنازلات لأن الحكومة اتبعت هذا الأسلوب من قبل مع حزب الشريف الهندي المنشق من الحزب الاتحادي الديمقراطي وأيضا مع حزب الأمة المنشق بقيادة مبارك الفاضل المهدي ولكن مثل هذه المبادرات الحكومية لم تنجح، كما أن العودة الي نظرية المؤتمر الجامع التي دعا لها الصادق المهدي من قبل لن تكون ناجحة لأن الزمن قد تجاوزها. والسؤال المهم هو هل معالجة مشاكل السودان تكون فقط بحشد التأييد والدعم لحزب الحكومة؟ اذا كانت الاجابة بالايجاب فان ذلك هو الخطأ الأعظم بكون حزب الحكومة لا يستطيع أن يزعم أنه يمثل الواقع السوداني بكل ألوان الطيف الموجودة فيه ، فهو حزب قد أتي بحركة انقلابية وهي حركة كانت تجد تبريرا في الثقافة التي كانت سائدة وقت الانقلاب والطموحات النظرية في بناء مجتمع حضاري علي أسس اسلامية ولكن الآن بعد ثمانية عشر عاما اتضح أن المشروع الذي اتت به الحكومة غير قابل للتحقيق بسبب تطورات دولية ولأن اقامة دولة علي أساس ديني قد لا تكون اجابة لطموحات الناس في هذا العصر ومن الخطأ أن يتماهي بعض الناس مع الحقائق الدينية ويعتبروا أنفسهم ممثلين للحقيقة الدينية مع أن كل الدلائل تقول غير ذلك، وقد عرفنا المجتمعات الغربية ذات توجه ديني قوي ومع ذلك لم يقحموا معتقداتهم الدينية في النواحي البراغماتية التي يقوم عليها المجتمع الحديث، وبالتالي نقول ان السيطرة علي الدولة ليس من أهداف الدين بكون الدين يمكن أن يتعايش مع الدولة حتي لو لم تكن قائمة علي مبادئه لان الأساس في المجتمع الحديث كما أثبتت ذلك اوروبا هو الفصل بين الدين والدولة مع وجود الاحترام الكامل بين نظام الدولة والدين. ولا شك أننا اذا قبلنا هذه الرؤية كان علينا أن ندرك أنه لكي تقوم دولة حديثة في السودان فان المطلوب هو أن يقوم في البلاد مجتمع مدني، تراعي فيه الثقافات والمعتقدات الدينية وهي مرحلة أصبحت لازمة في السودان بسبب موجة التقسيم والانفصال التي بدأت تنتعش في كثير من نواحي البلاد. وهي لا تعكس مطالب جهوية كما يعتقد الكثيرون بل تعكس طموحات النخب التي تعتقد أنها بسيطرتها علي السلطة يمكن أن تحقق المكاسب المادية لنفسها وذلك سر التركيز علي تقاسم السلطة والثروة لدي جماعات المتمردين، لأنه لوكان الأمر يقتصر علي مصالح الشعب أو الاقليم لرأينا المتمردين يبحثون عن نظام جديد للدولة. أما البحث فقط عن التعويضات والتقاسم فان ذلك يثير الشكوك حول امكانية حل المشكلات لأن الطامعين سيختلفون مع بعضهم بعضا وسيستمر الصراع دون توقف. واذا نظرنا الي الواقع السوداني وجدنا أن غياب الدولة الحديثة يجعل المطالبة بالثروة والسلطة أمرا غير مفهوم علي الاطلاق لان حكومة المركز لا تملك الثروة أو السلطة فهي لا تأخذ الضرائب قسرا من الجهات لتحولها الي مصلحة المركز وبالتالي فان أي ثروة تحولها الي الأطراف هي في نهاية الأمر اخذ من المستحقين لغير المستحقين لان الوضع الصحيح هو أن تكون لكل اقليم مجالاته الانتاجية التي يعيش عليها واذا لم تكن له هذه المجالات فيجب أن يعاد النظر في مطالب الحركات الجهوية.ولا يعني ما ذهبت اليه عدم التعاون بين أقاليم الوطن الواحد ولكن التعاون لا يعني فرض اتاوات من بعض الأقاليم علي أقاليم أخري والوضع الصحيح في هذه المرحلة من تطور السودان هو أن تقوم الدولة علي نظام جديد بحيث تكون الوحدة حقا اختياريا لكل اقليم واذا لم يرد الاقليم أن يتحد فهو حر في ذلك، وهذا هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن تقوم به دولة قوية ومتحدة وبدون ذلك فسيستمر الصراع وستنتهي حركة تمرد في مكان ما لتبدأ حركة جديدة في مكان آخر خاصة في بلد كالسودان يتميز بتنوعه الثقافي والعرقي والاقليمي.ويبدو لي في هذه المرحلة في ظل التحديات التي تواجه السودان ـ بسبب أزمة دارفور ـ ضرورة أن يبدأ الحزب الحاكم التفكير في هل هو يريد مجرد دعم شعبي من أجل الاستمرار في الحكم أم يريد نظاما يؤسس لبناء دولة يشارك جميع أبنائها في دعمها ومساندتها. المسألة هنا لا تتعلق باجابات نظرية بل باجابات مسؤولة تعلو فوق المطامع الشخصية لأن الأخطار التي تواجه السودان كبيرة ولا شك أن السودان أضاع كثيرا من الفرص وتأخر في مجال التنمية ومجال بناء الدولة الوطنية المتماسكة وبات عليه أن يعوض ما فات ولكن ذلك لن يتحقق الا اذا تغير أسلوب التفكير ونضجت الرؤية من أجل بناء دولة يتعايش فيها الجميع وتحفظ فيها الحقوق بقوة القانون والحق والعدل. كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية