المُسْتَدْرَكُ عَلَي شِعْرِ أبي العَبّاسِ الجَرّاويّ : نصوص من الشّعر الموحّدي تُنشر لأول مرّة
أحمد السعيدي المُسْتَدْرَكُ عَلَي شِعْرِ أبي العَبّاسِ الجَرّاويّ : نصوص من الشّعر الموحّدي تُنشر لأول مرّةهذا فتح ذو بال في مجال تحقيق الشعر المغربيّ القديم عامة، والموحّدي خاصة، والجرّاوي منه علي الأخص، ذلكم هو صدور مؤلَّف تضمن قصائد لم يسبق نشرها لشاعر الخلافة الموحّدية أبي العباس الجراوي (609 هـ/1212م)، مستخرجة من مخطوط غميس بعنوان: جني الأزاهر النضيرة، وسني الزواهر المنيرة، في صلة المطمح والذخيرة، مما ولدته الخواطر من المحاسن في المدة الأخيرة ، لأبي الحسن الرُّعَيني الاشبيلي المعروف بابن الفخّار (666هـ) بتحقيق الأستاذين: البشير التَّهالي، ورشيد كِناني. وقد وقفا عليه بالخزانة الأزاريفية بسوس، جنوب المغرب، حيث يقولان: وكان منها مخطوط عتيق، مبتور الأول والآخر، عرَّفه لنا الشيخ (قيِّم الخزانة الأزاريفية سيدي محمد بن الحسن الأزاريفي، حفظه الله، بوصفه مجموعا في الشعر الأندلسي.. ويتبيّن لنا أنه من كتب الاختيارات الأدبية الأندلسية الموسومة بالفقدان، ولا ذكر لها في الفهارس . (الكتاب: 9)ويأتي هذا العمل لتوكيد أمور ثلاثة:1 ـ أن منطقة سوس ما زالت تحبل بالغميس والنادر من النصوص المخطوطة، وهذا يعزز ما ذهب اليه العلامة محمد المختار السوسي خلال تآليفه وجولاته في الخزائن السوسية، ومن ذلك عثوره علي سِفرين نادرين، وهما: ديوان ابن الأحمر، ورسائل سعدية.2 ـ أن السوسيّين تحفّوا بالأدب العربي والأندلسي منه تحفيًّا كبيرا، فهذا الأستاذ الحسن البونعماني (1402 هـ/1982م) يدبج مقالا بعنوان: الأدب الأندلسي في سوس أو المدرسة الالغية ((2 لتوكيد بعض سمات هذا التحفّي الذي من نتائجه وقوف المحققين علي هذا الكتاب.. اذ يقول: لم أدْرِ من أين اتّصل رجال العِلم في هذه الجبال السوسيّة القاحلة في الصحراء بالأدب الأندلُسي، بمعني أنني لا أدري من الذي كان أول مؤسس لتلك النهضة الأدبية الأندلسية الأولي منذ قرون في هذا القطر السوسي . (3) 3 ـ أن هذه الوِجادة الفريدة تُنبه الي امكانية تدارك المنجز الشعري المغربي القديم عبر التنقيب في الخزائن خاصة خزائن الأُسر والزوايا والمدارس عن مصادره المختلفة، كما انها تنبه الي استحالة صياغة نظرية للأدب المغربي ومن ثم العربي دون التحصّل علي مجمل نصوصه الشعرية والنثرية وجمعها وتحقيقها ودراستها، وهذا مما لا ينأي تَطلابه مع توافر ذوي الهمم والباع، يقول د. جعفر ابن الحاج السلمي: .. نري أن نشر دواوين الشعر المغربي محققَة هو واجب علمي، ثم واجب وطني أيضا، وقد يقع الاعتراض علي أن الدواوين الشعرية المغربية قليلة أو نادرة أو أكثرها ضائع غير أن هذا أدعي الي نشر ما وصلنا منها نشرا علميا محققا . (4) غِبَّ هذا كله، ما مسوّغات هذا المستدرك؟اهتُبِل بشعر الجراوي تحقيقا ونشرا من لدنْ جماعة من الباحثين والمحققين، مغاربة ومشارقة جهِدوا ـ مشكورين ـ في جمع أشعار الجرّاوي والاعتناء بها، فخرّجوا ما وصلوا اليه منها بالتماسها في المصادر المطبوعة والمخطوطة، وهم: د. محمد الفاسي سنة 1986م (447 بيتا)، ود. محمد ابن تاويت سنة 1982م (607 أبيات)، ود. حسن الشبيهي سنة 1986م (625 بيتا)، ود. علي ابراهيم كردي (636 بيتا) الذي كان كتابه ديوان الجراوي آخر ما نُشر سنة 1994م بدمشق. وكأنّا بالمحققِين قد نفضوا أياديهم من الجرّاوي طوال عقد من الزمان، وهو الشاعر المشتهَر بغزارة شعره، وحديث معاصريه عن ديوان له حفيل. ويكون ظهور مخطوط جني الأزاهر ضامًّا ما ضمّه من شعر الجراوي أمرا ذا بال، اذ يحتوي علي كثير من النصوص ندَّت عنها نشرات الدواوين السابقة.. (الكتاب: 9) اضافة الي نصوص غميسة لشعراء آخرين كمرج الكحل الأندلسي وصفوان بن ادريس التجيبي وابن حريق البلنسي وعامر بن هشام وأبي اسحاق الزوالي.. فالوقوف علي هذا كله بما يتسم به من جدة واستدراك واضافة.. لَيُعَد من أبلغ مسوّغات ظهور أي عمل شعري أو أدبي يراد نشره بين الناس. ما استُدرك من شعر الجراوي:ولنقصر الحديث علي شعر الجراوي في هذا المخطوط، ويقع ـ حسب المحققَيْن ـ ما بين الصفحتين 109 و 123، وهو عبارة عن تسع قصائد:ـ ست منها لم يسبق نشرها مؤلفة من حوالي مئتي بيت في مدح الموحدين ورثاء الحسين؛ ـ وثلاث قصائد سبق نشرها منسوبة الي صفوان التجيبي (598 هـ):1 ـ تخميسة لمعلقة امرئ القيس في رثاء الحسين، حيث يقول المحققان: ولعل المخطوط الذي بين أيدينا يحسم الخلاف الدائر بين دارسي أدب الغرب الاسلامي في شأن نسبة التخميسة، فالممعلوم أن محمد بنشريفة في كتابه أديب الأندلس أبو بحر التجيبي قد جزم بنسبة المخمسة الي التجيبي، بناء علي ما في نزهة النفس لصالح بن شريف، خلافا للفاسي وابن تاويت اللذين محضاها للجراوي.. (الكتاب: 13)2 ـ رائية من أربعة وعشرين بيتا، ولم يتوصل المحققان الي حكم فصل في نسبتها الي هذا الشاعر أو ذاك في قولهما: وحسبنا أن ننبه الباحثين الي هذا الاشكال، ونقدح بينهم زناد السجال (الكتاب: 15)،3 ـ دالية في سبعة أبيات نسبها بعض القدامي للتجيبي فيما لم يوردها د. محمد بنشريفة فيما جمعه من شعره.وعليه، يكون المحققان قد تحصّلا في مستدركهما هذا علي 253 بيتا مستدركا، و 652 بيتا سبق نشرها، ليكون المجموع هو 878 بيتا، أي بفارق 242 بيتا عن نشرة كردي الأخيرة.من هنا تتبدي قيمة هذا المستدرك وقدرته علي تغيير معالم شاعرية الجراوي واغنائها، ومن ثمة يتيح امكانية دراسة شعره دراسة ضافية في ضوء ما استجد، واستجلاء جانب مهم من الشعر علي العهد الموحدي.خطة التحقيق وما اليها:مما يعن للقارئ في هذا الكتاب، انصراف المحققين الي وسمه بـ المستدرك مع أنه في كليته ديوان شعر مصنوع ومحقَّق، والدليل علي ذلك أنه يجعلنا في غُنْيَةٍ عن غيره من النشرات السابقة. ولعله اقرار من لدُنهما بامكانية ظهور نصوص جديدة للجراوي تنسخ نشرتهما هذه نسخا، مع تواصل جهود المحققين والباحثين في الأدب المغربي وخاصة الشعر القديم منه. مهما يكن من أمر، يبقي أمر التسمية رهينا بتوجه المحققين المنهاجي والعلمي في عملهما..وقد قسما الكتاب الي قسمين: المستدرك، وبقية شعر الجراوي بغية تبيّن القارئ لعملهما الصرف، ولعمل من سبقهما من المحققين. ويعد الاشتغال بتحقيق النصوص الشعرية المخطوطة عموما أصعب مما يظن، وأنفق للوقت والجهد، ومما يستلزم علما ودربة ومصابرة.. وما اليه من مقومات المحقق الثبت. هذا، ولم يشر المحققان الي خطتهما في تحقيق هذا الكتاب، فانصرفنا الي محاولة استنباطها من عملهما. فأول ما يحقق في أي كتاب مخطوط نسبته الي مؤلفه ـ مع ما يعلم من كثرة الوهم والوضع في هذا الأمر ـ وعلي هذا درج المحققان، اذ يقولان: وبدأنا العمل فيه بتحري مؤلفه بوسائل البحث المعروفة، فاهتدينا الي ابن الفخار الرُّعيني الذي يذكر في ذيل برنامجه أن بين يديه كتابا سماه جني الأزاهر.. (الكتاب: 10)وقد قسم المحققان عملهما الي قسمين:أولاـ المتـن: يضم النصوص الشعرية مصدرة بتعليق المصنف، وقد رُقمت وخُرّجت بحورها ووُضعت بين معقوفين، مع شكلها شكلا تاما، لمساعدة القارئ في تبين هذا المنجز الشعري القديم، وتعرُّفه أيضا مدي حنكة المحقق وعلمه بالعروض وبقواعد اللغة العربية.. اذ لا معني لنشر نص شعري وتحقيقه وهو غُفْلٌ من علامات تضبطه وتوضحه، و لأن الكلمة اذا وُجدت مضبوطة، فان ذلك يعني في عرف البحث أنه اعتُنيَ بها وروجعت . (5) ثانيا ـ الهامش: صنع المحققان هامشين للتحقيق: 1) هامش المقابلة: حيث يقولان: أما عملنا الحالي فهو استكمال دواوين.. نقابل ما نشر منها بما في المجموع ونستدرك عليها ما ليس فيها، وهو كثير (الكتاب: 12) مما يعني أنهما يقابلان ما في المتن بما في النشرات السابقة وبعض المصادر الأدبية، وذلك واضح خلال العمل جلّه بغية التوصل الي أقرب رواية لشعر الجراوي، فيعتمدان ما يعتقدانه أقرب الي ذلك في المتن، ونظيره في الهامش، مع العلم أنهما اعتمدا نسخة فريدة. والملاحظ علي عملهما في المقابلة أنهما يُدرجان رواية الأصل في الهامش وغيرها ـ الأنسب في نظرهما ـ في المتن دون وضعها بين معقوفين أو بين قوسين ((6، ومن ذلك: قَضَواْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ ثُمَّ تَهافَتُوا حَقائِبُهُمْ بُجْرٌ مِلاءُ المَعاكِـمِفي الأصل: بحر، ولعل الصواب: بجر. (الكتاب: 44) وكذا بالنسبة لتدارك السَّقط: فَمَنْ مِثْلُنا في سالِفِ الدَّهْرِ اِنَّنا عِظامٌ دَفَعْنا في صُدُورِالعَظائِمفي الأصل: العـ….ـم، وفوق الفراغ عبارة كذا (الكتاب: 45)، يقول د. صلاح الدين المنجّد: يُسمح للمحقّق اضافة حرف أو كلمة سقطت من المتن، علي أن يضع ذلك بين قوسين . (7)2) هامش التخريج: شمل توثيق الأشعار وشرح بعض اللفظ المشكل، والتنبيه الي الاقتباسات القرآنية والتضمينات الشعرية وأوهام محققي ديوان الجراوي، مع التعريف بالأعلام البشرية والجغرافية، وبعض التعليق المركَّز.. وقد أحسن المحققان باعتماد الاختصار والتركيز في صنع هذا الهامش، وعدم اثقاله بالنقول والتعريفات المطنبة كما يفعل بعض المحققين.. ولم يغفل المحققان عن تدبيج مقدمة مركَّزة تحدثا فيها عن مخطوط جني الأزاهر ، ولمحة عن الحركة الأدبية في عصر الموحدين، مع حياة الجراوي ومصادر شعره المعروف، وذيلاها بمصوّرتين عن ورقتي المخطوط الأولي والأخيرة. أما بالنسبة للفهارس، فقد صنع المحققان فهرسا للقوافي، وفهرسا لمصادر التحقيق ومراجعه، ويا ليتهما أتَمّا عملهما بصنع فهارس للآيات القرآنية والأعلام البشرية والجغرافية والجماعية.. وان كان ذلك مما يعول عليهما استدراكه في طبعة أخري بحول الله (8).وختاما، فحسنات هذا العمل من الغزارة والتوافر بمكان قصي، من حيث قيمةُ شعر الجرّاوي، واسهامُه في المنجز الشعري الموحّدي المتسم بالندرة، وكذا من حيث عملُ المحققين في تحقيق هذا الكتاب الحفيل ونشره ليعم به النفع بين الناس، وهذا محافظ خزانة القرويين بفاس د. علي لغزيوي يقول في تصديره للمستدرك: انها لغنيمة علميّة نادرة وسارّة هذه التي آب بها الباحثان الواعدان: البشير التَّهالي، ورشيد كِناني، من رحلتهما الاستكشافية عبر الخزانات العلميّة في بعض الجهات من أرض سوس الطيّبة المعطاء العالمة. وقد أحسنا صُنعا اذ سارعا الي تقديم هذه الغنيمة القيّمة التي لا تُقدر بثمن هديّة الي القارئ العربِيّ عاشق التراث، وقد حقّ لهما أن يعتبرا غنيمتهما كشفا غير مسبوق . (ص 7) ومن شعر الجراوي هذه القطعة في المدح (ص 36): (الطويل)تَرَي شُكْرَ ما أَوْلَيْتَ أَوَّلَ واجِبِأَتَتْكَ وُفُودُ الشُّكْرِ مِنْ كُلِّ جانِبِتَمُرُّ عَلَيْهِ العِيسُ مَرَّ السَّحائِـبِتَخَطَّتْ اِلَيْـكَ الدَّوَّ يَخْفُقُ آلُـهُتَخُدُّ بِأَيْدِيها خُدُودُ السَّباسِـبِعَلـي شَدْقَمِيّـاتٍ قَلِيلٍ أَناتُهـالَهُمْ عِزَّةٌ لَوْ كُوْثِرَتْ بِالكَواكِبِجَماهِيرُ مِنْ عُلْيـا مَعَدٍّ وَغَيْرِهـاوَجَدْنا انْفِعالاً في مِياهِ المَغـارِبِاِذا أَوْقَدُوهـا بِالمَشارِقِ لِلقِـري زُهاءٌ، عَلَيْهِ المَجْدُ ضَرْبَـةَ لازِبِوَلِلْعَرَبِ العَرْبـاءِ مِنْ حِمْيَرِيَّـةٍوَأَنْفُسُهُمْ تَعْدُو أَمامَ السَّلاهِـبِأَعْدُّوا اِلَي المَلْكِ الأَغَرِّ سَلاهِبـاًوَهَزُّوا عِصِيًّا في وُجُوهِ النَّوائِـبِ (1 صدر في 149 صفحة من القطع المتوسط، تحقيق: البشير التَّهالي، ورشيد كِنانِي، تصدير: د. علي لغزيوي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1426هـ/ 2005م. وقد ناقش الباحث رشيد كناني مؤخرا أطروحته لنيل الدكتوراه في موضوع: المنجز الأدبي لسعيد الحامدي السوسي (980هـ) تحقيق ودراسة ، باشراف د. أحمد العراقي، بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس.(2 نُشِر في جريدة السعادة بالمغرب، العدد 5607 بتاريخ : 24 رجب 1357هـ/20 شتنبر 1938م.(3 ديوان الحسن البونعماني : 174، جمع وتحقيق ودراسة: د. الحسين أفا، منشوات كلية الآداب بالرباط، 1996.(4 نشر التراث الأدبي المغربي بين الواقع والمثال، مع صنع ديوان أبي الحسن الحرالي المراكشي 84، ضمن التراث المغربي والأندلسي، التوثيق والقراءة (ندوة) منشورات كلية الآداب بتطوان.(5 تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث 102، للصادق الغرياني، منشورات مجمع الفاتح، 1989.(6 تحقيق النصـــوص ونشرها 77، لعبد السلام هارون، القاهرة 1994. وتنظر في المستدرك مثلا الصفحات: 31، 32، 33، 34، 36، 38، 42، 43، 44، 45، 47، 48، 49، 54، 55، 68، 72..(7 قواعد تحقيق المخطوطات العربية 16، بيروت، 1987.(8 يعكف المحققان علي تحقيق مستدرك علي شعر مرج الكحل الأندلسي يضم نصوصا تنشر لأول مرة.كاتب من المغرب0