المغرب والمغاربة في مذكرات جزائري لأحمد طالب الابراهيمي:
كان في مؤسسة القرار وقت الازمة الجزائرية ـ المغربية ولكنه تجنب حرب الرمال وحمل المغرب المسؤوليةاعتزاز بعائلته العلمية ومبالغة في الحديث عن جمعية العلماء المسلمين الجزائر واثرها علي العلماء المغاربة المغرب والمغاربة في مذكرات جزائري لأحمد طالب الابراهيمي:عكاشة برحاب توالي في السنوات الأخيرة نشْـرُ مذكرات من طرف بعض رموز الحركة الوطنية ورجال المقاومة في بلدان المغرب العربي، وهي ظاهرة يطمئن إليها المؤرخ، لأنها توفر المادة التاريخية من وجهات نظر مختلفة، تكون في بعض الأحيان مكمّلة لبعضها البعض، وتارة أخري تتعارض في التفاصيل والجزئيات، وفي أحيان أخري تكشف عن تباين في المواقف وتعكس تقييما لصورة الآخر في الذاكرة الجماعية لهذا الطرف أو ذاك، وقد يكون هذا التعارض ذا أبعاد مختلفة ومتعدد الوجوه، كلما تعلق الأمر بتقييم مضمون مذكرات مغربية وأخري جزائرية بشأن قضايا مشتركة، وقد سبق أن كشفنا عن بعض خصوصياتها في أبحاث سابقة، ونحاول اليوم سبْـرَ أغوار آخر ما صدر من مذكرات جزائرية، ونخص بذلك مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي، التي نُشـر منها الجزء الأول باللغة الفرنسية تحت عنوان : (مذكرات جزائري)، وهي من منشورات القصبة بالجزائر في شهر نيسان (أبريل) 2006. يقع الكتاب في حوالي 254 صفحة من الحجم المتوسط، ويغطي الفترة الممتدة من سنة 1932 إلي سنة 1965، وقد ضمّنه صاحبه مجموعة من الصور التاريخية لعائلته ولبعض وجوه جبهة التحرير الجزائرية، وذيّله ببعض الملاحق وبهذه المناسبة أجدد تقديري وشكري لأحد الزملاء الجزائريين، الذي أمدني بالكتاب المذكور إثر صدوره بالجزائر، ويجد هذا التقدير مغزاه وكل أبعاده، إذا ما رُوعي ما يعانيه الباحثون المغاربة من صعوبات في سبيل الحصول علي المنشورات الجزائرية، وخاصة منها التي تمسّ الحقل التاريخي بحكم إغلاق الحدود البرية، وصعوبة التواصل بين باحثي البلدين في كل ما يتعلق ببعض القضايا التي تخص الفترة المعاصرة علي وجه الخصوص.يكشف أسلوب السرد في هذه المذكرات عن تمكّن كبير باللغة الفرنسية، حيث يمتاز بالسلاسة وحسن التبليغ بلغة تبدو بسيطة وعادية لأول وهلة، غير أنها تدخل في باب السهل الممتنع. ويتبيّن من قراءة المذكرات أن صاحبها ضليع أيضا في اللغة العربية، وهذا ليس بغريب عن نجل الشيخ البشير الإبراهيمي رفيق ابن باديس، والذي غرف أصول اللغة العربية من نبعها، ويتبيّن للقارئ من خلال السرد تعلّق المؤلف بالإسلام والثقافة العربية الإسلامية، ويتمني لو كُتبت هذه المذكرات بلغة القرآن أوّلا قبل تحريرها بلغة المستعمر الفرنسي، وقد وعد المؤلف بتعريبها مستقبلا. ولعل تحرير المذكرات باللغة الفرنســـية وراءه قصد خاص للمؤلف.لا نطمح في هذا العرض الموجز تقديم الكتاب بالشكل المعتاد، وإنما نسعي إلي إبراز الجوانب الخاصة بالمغرب في هذه المذكرات، ومحاولة استجلاء صورة المغرب والمغاربة عند صاحبها، ورصد أخبارهم مرتّبة حسب الأهمية والقيمة التاريخية، خلافا للترتيب الذي وضعه المؤلف، وهو ما نروم الكشف عنه في هذه السطور، لكن ذلك لن يحول دون إعطاء ملخص لمجمل القضايا المرصودة في الكتاب لتنوير عموم القراء، وخاصة من تعذّر عليهم الاطلاع عليه، وتجدر الإشارة هنا إلي أن بعض الصحف الجزائرية قد قدّمت عرضا موجزا للكتاب إبّان صدوره (انظر علي سبيل المثال جريدتي الخبر و الوطن الصادرتين يوم 6 نيسان (أبريل) 2006 ).سيرة ذاتية نستخلص من قراءة الكتاب أنه سيرة ذاتية للمؤلف، ممزوجة باستحضار القضايا الوطنية الجزائرية، التي كان لها تأثير حاسم في مسار صاحب المذكرات، حيث استحضر مرحلتي الطفولة والشباب في بيئة مطبوعة بالثقافة العربية الإسلامية في مدينة تلمسان ثم في مدينة الجزائر، دون إغفال مرحلة الدراسة في باريس، التي انخرط خلالها في جبهة التحرير الجزائرية، وتمرّس علي تحمّل المسؤولية بصفته رئيسا لـ الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ، ووقف مطوّلا عند معاناته بالسجون الفرنسية منذ سنة 1957، حيث تعرّف علي القادة التاريخيين للجزائر (بوضياف، وبن بلـّة، وآيت أحمد…)، وكشف عن بوادر الخلاف الذي برز بينهم آنذاك. غير أن ما يشدّ انتباه القارئ هو التعمّق في تحليل عهد أول رئيس للدولة الجزائرية، وقد مهّد لذلك بوصف الحالة التي عاشتها الجزائر في بداية الاستقلال، ولعل المسافة الزمنية الفاصلة بين تاريخ الوقائع المرصودة في المذكرات سنوات 1932 ـ 1965 وتاريخ استحضارها سنة 2006، كان لها تأثير في تقييم حكم الرئيس بن بلـّة، وترجيح سداد آراء المؤلف وتبصّره، وتبدو الذاتية طاغية في القسم الأخير من الكتاب، خصوصا وأن المؤلف اقتيد إلي السجن ومورس عليه التعذيب في عهد بن بلة، ومن ثمّ تنكشف أسباب التنافر التي طغت علي علاقة آل الإبراهيمي مع أول رئيس للجزائر المستقلة، حيث بارك المؤلف انتصار الرئيس هوّاري بومدين علي غريميه، وكان ضمن التركيبة الحكومية التي كوّنها ثاني رئيس للجزائر، غير أن الصورة تظل غير واضحة في بعض جوانبها، حيث يعترف أحمد طالب الإبراهيمي أنه من غير الممكن أن يبوح المرء بكل ما يعرفه، وهذا تعبير يكشف أن الرجل ظل يحتفظ لنفسه بكثير من الأسرار.هذه هي مجمل القضايا التي أثيرت في الكتاب، وجلُّها مرتبط بحياة المؤلف وبالأحداث التي عرفتها بلاده في ظل الاستعمار الفرنسي من جهة وفي بداية عهد الاستقلال من جهة ثانية، لكن بحكم ارتباط مصير الجزائر بجيرانها، أثار المؤلف بشكل مقتضب في مناسبات نادرة المغرب والمغاربة، ويتبيّن أن معايشته للتوتر الذي ساد بين المغرب والجزائر أيام حكم هواري بومدين كان حاضرا في ذهنه كلما تحدث عن المغرب، ويتجلي ذلك من أسلوب السرد المستفز أحيانا.فقد صادف وصول المؤلف إلي باريس اندلاع الثورة الجزائرية في فاتح تشرين الثاني (نوفمبر) 1954، فكان استحضار هذا الحدث مناسبة للرد علي الذين أعابوا علي الجزائريين تقاعسهم عن الانخراط في مقاومة المستعمر، بينما سبق للمغرب وتونس أن انخرطا في المقاومة المسلحة، وهو ما كان يتردد كثيرا في القاهرة، (ص 85 ـ 86)، ويتضح من قراءة ما بين السطور أن المؤلف يستهدف بعض المغاربة والتونسيين المقيمين بمصر. وفي الوقت نفسه لا يستبعد المؤلف انعكاس ما كان يجري في المغرب علي الوضع بالجزائر، حيــــث استحــــضر مظاهرات 20 غشت 1955 بالدار البيضاء وما كان لها من أصداء في الجــــزائر (ص 94). وارتباطا بذلك طــــلب المؤلــــف في أحد لقـــاءاته مع فرانســـوا مورياك Fran‡ois Mauriac أن يندّد بالتعذيب الذي كان يُمارَس بالجزائر أسوة بما قام به الشخص ذاته، لما ندّد بشجاعة بقرار عزل سلطان المغرب محمد بين يوسف (ص 96). في حضرة سلطان المغربوارتباطا بذكر سلطان المغرب، استحضر أحمد طالب الإبراهيمي عودة محمد بن يوسف من المنفي ومروره بباريس، حيث أبدي العمال الجزائريون المنتمون لجبهة التحرير رغبتهم في زيارة السلطان بمقرّ إقامته، رغم أن الوفد الجزائري كان له تمثيل رمزي لا غير، وقد وصف طالب الإبراهيمي مشهد الباشا الكَـلاوي وهو ينحني لتقبيل قدمي السلطان، معلنا توبته ومترجّيا العفو والصفح، وهو ما أنعم به عليه السلطان، وفي هذا الوقت بالذات كانت نظرات ولي العهد (الملك الحسن الثاني لاحقا) تعبّـر بوضوح عن حقد واحتقار تجاه الكَلاوي. وقد شبّه المؤلف هذا المشهد بلوحات كبار الرسامين الأوروبيين في القرن التاسع عشر. كما استحضر المؤلف بهذه المناسبة استقبال السلطان للوفد الجزائري، حيث ألقي احمد طالب الإبراهيمي كلمة بصفته رئيسا للوفد المذكور، فعبّر فيها عن فرحة وتضامن الشعب الجزائري مع المغرب، وقد هنأه الملك، الذي أُعجب بفصاحته وتمكّنه من لغة الضاد، وبعد أن علم أنه نجل الشيخ البشير الإبراهيمي، أبدي اعترافا وتنويها بالمقالات التي كانت تنشرها جريدة البصائر ، التي ساندت الملك في أوقات الشدة، كما وجّه العاهل دعوة للشيخ الإبراهيمي ـ الذي كان يقيم آنذاك بالقاهرة ـ من أجل الاستقرار في المغرب. (ص101). وقد سبق للمؤلف أن أبرز دور جريدة البصائر في الدفاع عن سلطان المغرب وعن القضية المغربية بشكل عام، وجاء ذلك في سياق استحضار تاريخ جمعية العلماء الجزائريين (ص 53ـ 57 )، ويمكن اعتبار تذكير المؤلف بتنويه ملك المغرب بالجريدة المذكورة من باب التأكيد علي أهمية دور منشورات جمعية العلماء في التضامن والتوعية والعمل المشترك بين بلدان المغرب العربي. وندّد أحمد طالب الإبراهيمي بسكوت الملك الحسن الثاني عن دور جريدة البصائر في الدفاع عن القضية المغربية، وانتقد تنويه الملك المذكور بكل الفرنسيين الذين ساندوا والده، بينما لاذ بالصمت إزاء تضامن العالم الإسلامي مع المغرب، كما أعاب عليه الاستخفاف بحدث فاتح تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 وآثاره علي السياسة الفرنسية في المغرب (ص 57).تقييم ايجابيوقد يستخلص القارئ من ذكريات المؤلف عن محمد الخامس، تقييما إيجابيا لعهد هذا الملك الذي كان مثاليا في علاقته مع الجزائر، حيث لم يتعكّر صفو العلاقة بين المغرب وجبهة التحرير الجزائرية، بينما احتفظت ذاكرة المؤلف بنظرة سلبية عن الملك الحسن الثاني، ويستمدّ هذا التباين في التقييم أسسه من المشاكل التي اعترضت علاقة المغرب مع الجزائر في عهد الملك الحسن الثاني، والتي تجد تفسيرها في الظروف الدولية آنذاك، فضلا عن مشكل الحدود ثم مشكلة الصحراء المغربية منذ سنة 1975، وهذه هي أهم العناصر التي أثرت علي نظرة المؤلف المختلفة من هذا العاهل إلي ذاك، خصوصا وأن المؤلف كان ضمن المكونات الجزائرية المسؤولة والمؤثرة في كل الملفات المرتبطة بعلاقة المغرب مع الجزائر. غير أنه لا يفصح عن هذه العوامل، مما قد يؤدي إلي تأويل مُجانب للصواب ومخالف للواقع لدي القارئ العادي.وقد استحضر المؤلف زيارته لتونس في شهر تشرين الاول (أكتوبر) 1956، حيث أسندت إليه مهمة النظر فيما كان يخطط له المغاربة والتونسيون وبعض قادة جبهة التحرير الجزائرية، والتقصي أيضا عن دور فرنسا في هذه القمة المزمع عقدها بالعاصمة التونسية، ويُستخلص من رواية المؤلف أنه لم يكن مطمئنا لهذا الاجتماع. وصادف الحال آنذاك اختطاف الطائرة المغربية التي كانت تقل القادة الجزائريين، فكان رد فعل الإبراهيمي أن طالب بلقاء الوزير الأول المغربي امبارك البكاي ومدير ديوان الرئيس التونسي عبد الله فرحات، وتحدث أحمد طالب الإبراهيمي عن مسؤولية مغاربية، تستوجب رد فعل قوي تجاه فرنسا يتجاوز الاحتجاجات المرتجلة. (ص 111).حرب الرمالأما بخصوص حرب الرمال سنة 1963، فتعمـّد المؤلف عدم الخوض في تفاصيلها، واكتفي بتحميل المغرب كل المسؤولية في ما وقع بشأن الحدود، متهما الحكومة المغربية بأنها فرضت حربا علي الجزائر سنة 1963، وحاولت استغلال الظروف الصعبة التي كانت تعرفها بلاده، وذلك بهدف استرجاع بشار وتندوف، بدعوي أن الموقعيْن كانا في وقت من الأوقات تحت السيادة المغربية، متـّهما المغرب بأطماع توسعية، ومذّكرا بأن هذه الحرب اندلعت مباشرة بعد عودة الملك الحسن الثاني من زيارة رسمية للجزائر (ص 179).ومن حسن الحظ، فإننا نتوفر علي رواية أخري عن هذه الحرب، تضمّنها كتاب التحدي ، الذي هو بمثابة مذكرات للملك الحسن الثاني، فضلا عن الندوات الصحافية بخصوص هذه الحرب، إلي جانب ما ورد في مذكرات بعض كبار المسؤولين المغاربة من أمثال عبد الهادي بوطالب، دون إغفال ما صرّح به الرئيس أحمد بن بلـة لبعض الفضائيات العربية بشأن الموضوع نفسه. وبالنظر إلي كل هذه المعطيات، يتبيّن أن أحمد طالب الإبراهيمي لم يفصح عن كل ما يعرفه عن أسباب هذا الحرب.شخصيات مغربيةأما بخصوص ذكريات المؤلف عن بعض الشخصيات المغربية، فقد رسم لها في غالب الأحيان صورة إيجابية، وهذا ما نصادفه لمّا استحضر تاريخ تأسيس دار الحديث بمدينة تلمسان سنة 1937 بمبادرة من جمعية العلماء الجزائريين، حيث حضر حفل التدشين إبراهيم الكتاني، الذي كان موفدا من طرف حزب الاستقلال حسب رواية المؤلف، فكان هو الشخصية الوحيدة غير الجزائرية التي عاشت حدث افتتاح المؤسسة المذكورة، فاعتبر المؤلف ذلك بمثابة اعتراف من طرف الوطنيين المغاربة بمساهمة جمعية العلماء الجزائريين في دعم القضية المغربية ، فكان تمثيل قادة الحركة الوطنية المغربية في حفل التدشين يعكس تقديرهم للحدث. ويؤكد المؤلف أن إبراهيم الكتاني كان يقوم بزيارات منتظمة للشيخ الإبراهيمي، حيث كان ينقل إليه نشاط حزب الاستقلال وما كان يجابهه زعيمه علال الفاسي من متاعب مع المستعمر، كما كان يبصّره بجهود الإصلاح التي قادها الشيخ محمد بن العربي العلوي. وكان مبعوث الحزب ينقل أيضا إلي الشيخ الإبراهيمي أخبارا ثقافية، من قبيل نشر المخطوطات النادرة وإصدارات الكتب والمجلات والجرائد المغربية .ومن باب التوضيح نسجل أن المؤلف تحدّث عن حزب الاستقلال سنة 1937، بينما واقع الحال يؤكد أن المقصود هو الحزب الوطني لتحقيق المطالب المغربية ، أما حزب الاستقلال فقد تأسس في 11 كانون الثاني (يناير) 1944 كما هو معلوم .ونستشف من رواية هذه الوقائع محاولة المؤلف إبراز دور جمعية العلماء والعلاقة الوطيدة التي كانت تجمعها برواد الحركة الوطنية في المغرب. أما بخصوص علاقة المؤلف ببعض الشخصيات المغربية، فقد أثني علي عبد العزيز بن عبد الله، باعتباره الشخصية الوحيدة من المغرب العربي التي استجابت لدعوته من أجل المساهمة في الجريدة التي أسسها سنة 1952 تحت اسم المسلم الشاب ، والتي أفردت عددا خاصا عن المولد النبوي (ص 73)، وكان المؤلف يروم من وراء دعوته إعطاء بُعْـد مغاربي للجريدة.وقد استحضر المؤلف بعض لقاءاته مع ثلة من قادة الحركة الوطنية بمصر سنة 1953، ومن بينهم علال الفاسي ومحمد بن عبد الكريم الخطابي (ص 75)، كما أثني علي المساعدات التي كانت تقدمها السفارة المغربية بباريس لجبهة التحرير الجزائرية بفرنسا، وأثني بالخصوص علي أحمد الطيب بنهيمة الذي ساعد علي طبع المناشير (ص 114 ). ولم يفت المؤلف تقديم الشكر للمغاربة الذين ساندوه لما كان مريضا بمعتقله بفرنسا. وبهذه المناسبة استحضر لقاءه بالدكتور عبد الكريم الخطيب بصفته قائدا لجيش التحرير، وجاء هذا اللقاء في أعقاب زيارة قام بها هذا الأخير لأحمد بن بلة، وكانت الجزائر علي وشك الحصول علي استقلالها، فأسرّ إليه الخطيب مشروع تأسيس حركة إسلامية مغاربية بتنسيق مع الرئيس الجزائري، وقد صاغ المؤلف هذه الواقعة في أسلوب بليغ ينمّ عن انتقاد للرئيس أحمد بن بلة (ص 139).كما بادر أحمد طالب الإبراهيمي إلي عقد عدة اجتماعات مع طلبة مغاربيّين، بصفته رئيسا لـ الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بباريس، فأثمر ذلك في ما بعد صداقات مع المهدي العلوي من المغرب وغيره من التونسيين، وفي هذا السياق استحضر زيارة محمد الفاسي إلي باريس يوم 18 كانون الثاني (يناير) 1956 بصفته وزيرا للتعليم (ص 100). ويشد انتباه القارئ انتقاد المؤلف لما آلت إليه الأوضاع في المغرب وتونس مباشرة بعد حصولهما علي الاستقلال، خصوصا تلك الصراعات الحزبية وما رافقها من تصفيات جسدية، ويستحضر الوضعَ نفسه الذي عاشته الجزائر مباشرة بعد حصولها علي الاستقلال ( ص 149 ـ 150 )، واستطرد في هذا السياق في وصف معاناته الشخصية من نظام الرئيس أحمد بـن بلة، بحكم تعارض أفكاره مع سياسة أول رئيس جزائري.وقد يخرج القارئ بانطباع عن قصْد المؤلف من هذه المذكرات بخصوص كل ما ذكره عن المغرب والمغاربة، وهو إبراز دور جمعية العلماء الجزائريين في نصرة القضية المغربية، وكذا تأثيرها الكبير حسب زعم المؤلف علي الوطنيين في المغرب، وفي السياق ذاته يسعي المؤلف إلي إبراز دور ثورة فاتح تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 في تطوّر مسار الحركة الوطنية المغربية.ويتبيّن من السرد أيضا اعتزاز المؤلف بالانتماء إلي أسرة عريقة في العلم والجاه، وهو ما جعله من بين الجزائريين المحظوظين، الذين توفرت لهم فرص التكوين والترقي والصدارة، مما أهله لتولي مسؤوليات علـــيا في جهاز جبهة التحرير الجزائرية.وبالنظر إلي القضــــايا المرصودة في المذكرات، فقد شوّقنا المؤلف إلي التطلع لقراءة الجزء الثاني،الذي ما زال في طـــــور التحرير ، خصوصا وأنه سوف يتناول أحداث الفترة الممتدة من سنة 1965 إلي سنة 2000، وهي فترة طغي عليها التوتر في العلاقة بين المغرب والجزائر، وكان المؤلف عنصرا فاعلا فيها، وبـــــدون شك فإنه سوف يميط اللثام عن أسرار كثـــيرة، قد تساعد علي فهم الأسباب الحقيقية لهذا التوتر، الذي طال أمده بشكل غير مسبوق في علاقات الجوار بين الدول.7