الرباط ـ من زكية عبدالنبي:
اثارت فتوي اصدرها داعية اسلامي بارز للمغاربة بجواز الاقتراض من البنوك التقليدية جدلا واسعا حول خصوصية المغرب الاسلامية، وهو جانب حساس في البلاد علي خلفية ان الملك باعتباره أمير المؤمنين هو أعلي سلطة دينية في المملكة.
وكان الشيخ يوسف القرضاوي الداعية المصري المقيم في قطر قد أفتي أثناء زيارة للمغرب في الشهر الماضي بأنه يجوز للمغاربة الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل شراء المساكن في غياب بنوك اسلامية في البلاد. لكن ما أثار الجدل هو قوله انه في هذا الشأن ما ينطبق علي الاقليات المسلمة في اوروبا ينطبق علي الاخوة المغاربة. وكان المجلس الاوروبي للافتاء قد أباح للاقليات المسلمة في اوروبا شراء بيوت السكن عن طريق القروض البنكية مراعاة لظروفهم. ورأي البعض في عبارة القرضاوي نفيا لهوية المغرب كدولة اسلامية فيما وجدها الكثيرون فرصة لمناقشة مدي فعالية سياسة اصلاح الشأن الديني الحكومية. واختلف السياسيون والمحللون والفقهاء حول سياسة الحكومة الدينية بعد ثلاث سنوات من شروع السلطات في التسريع بوتيرة اصلاح الشأن الديني بهدف ما سمته تحصين الهوية الدينية المغربية من نوازع التطرف. واعادت الفتوي الي الواجهة الحديث عن مدي نجاعة هذه الاصلاحات للوقوف في وجه التيارات التي توصف بالغلو خاصة في ظل العولمة والانفتاح علي وسائل الاعلام. وانتقد المجلس العلمي الاعلي فتوي القرضاوي وحذر من ان المغرب الذي يتميز بالاعتدال الديني والوسطية يخشي من تأثيرات التيارات الدينية المشرقية التي توصف بالغلو في الدين خاصة مع الانفتاح الاعلامي.
وسارع المغرب الي وضع خطة لاصلاح الشأن الديني بعد التفجيرات الانتحارية التي وقعت في ايار/مايو من عام 2003 والتي حملت السلطات المسؤولية عنها لجماعات متطرفة تتبني افكار تيارات كالسلفية والوهابية. وأعيد تنظيم بعض المؤسسات الدينية كالمجلس العلمي الاعلي (هيئة رسمية) كما أعيدت هيكلة وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالاضافة الي مراقبة المساجد واغلاق بعضها. وقال محمد ضريف المحلل السياسي المختص في الجماعات الاسلامية لرويترز ان فتوي القرضاوي تستمد خطورتها من انها تريد ان تقول ان المغرب ليس دولة اسلامية وان النظام المغربي كالنظام الموجود في الدول الاوروبية والعلمانية، والذي يزيد من تعقيد الامر أن النظام المغربي كله مبني في شرعيته علي امارة المؤمنين اذ يعتبر العاهل المغربي أمير المؤمنين حسب الدستور. وأضاف ضريف أن الحديث عن الخصوصية الدينية لن يفيدنا كثيرا في تحصين البلد. لا بد من وجود سياسة دينية وثقافية فاعلة وفي نفس الوقت نترك للناس القدرة علي التأثير والتأثر لان من الصعب الحديث عن خصوصية تجعلنا منغلقين علي انفسنا.
وقال ان الخصوصية تكون بغير معني اذا لم يكن للمجتمع القدرة علي تحصين نفسه من المذاهب الدخيلة.
وقال محمد الفران استاذ الاتصال بجامعة محمد الخامس بالرباط وباحث في الشأن الديني لرويترز ان هذه الخصوصية هي واقع لكن يجب علي المؤسسات الدينية المغربية ان تخلق نوعا من الثقة بينها وبين المواطن كي لا يجري وراء تيارات خارجية.
وأضاف أن العلماء لا يجب أن يبقوا في أبراجهم العاجية. يجب ان يختلطوا بالمجتمع.
ويحدد الفران هذه الخصوصية في كون النظام المغربي يستمد شرعيته من امارة المؤمنين بالاضافة الي قيام الممارسة الدينية علي ثالوت متمثل في العقيدة الاشعرية والمذهب المالكي و التصوف. وتحت عنوان اعادة هيكلة الحقل الديني والفشل الذريع لقت جريدة يومية الناس قائلة بعد احداث 16 ماي (ايار/مايو) كثر الحديث عن اعادة هيكلة الحقل الديني والخطاب يبطن تحصين هذا الحقل ضد التطرف وضد الاسلام السياسي عامة الا ان الملاحظ هو فشل السياسة المتبعة بالنسبة لكل الاهداف المسطرة.
واضاف المقال ان المساجد العشوائية فتحت ابوابها من جديد ولم يقو المسؤولون المحليون علي تهمة اغلاق بيوت الله. وتجارة أقراص الحقد والتكفير والكراهية في ازهي ايامها. وجريدة التجديد تفتي قرضاوي وتتشبت بحقها في ذلك لان هيئة الافتاء لا تقوم بدورها.
وكانت جريدة التجديد المقربة من حزب العدالة والتنمية وهو حزب اسلامي معتدل معارض قد نشرت فتوي القرضاوي التي أدلي بها ردا علي سؤال لاحد الحضور في لقائه مع شبيبة الحزب. ويتفق كثير من المحللين علي أن هناك حلقة مفقودة بين المغاربة ومؤسساتهم الدينية وهو ما يفسر اتجاههم الي مفتي ودعاة المشرق الذين ينتمون الي مذاهب اخري غير المذهب المالكي الذي يتبعه المغرب ويوصف بالاعتدال. ويقول ضريف في ان المعركة عندنا الان هي الانتشار الواسع لرموز الشرق في المغرب… نحن لا نتوفر علي علماء لهم طابع كاريزماتي مؤثر مثل القرضاوي.
ويدعو علماء المغرب الي ملء الفراغ ليتخلي الناس عن طلب الفتوي والنصح من جهات خارجية. وقال عضو بالمجلس العلمي طلب عدم نشر اسمه نعم هذه المؤسسات مدعوة الي العمل الجاد لمد جسور التواصل الكافية بينها وبين المواطنين وكسب الثقة واسترجاع الاعتبار فان ذلك شرط اساسي وضروري لاقبال المواطنين عليها.
واضاف هذه الثقة التي يجب العمل من اجل استرجاعها وتقويتها تفيد المؤسسات الدينية علي الوجه الاكمل وتفيد المواطنين لانها ترفع معنوياتهم وتشعرهم بانهم في دولة اسلامية علي رأسها امير المؤمنين تعمل كل ما بوسعها لتوفير الامن الروحي لهم وتنقذهم من فتاوي لا تناسبهم ولا تراعي خصوصياتهم.
ويضيف للاسف انبهر المغاربة بالفضائيات المختلفة وانبهروا ببعض الاسماء اللامعة التي ابرزتها الشهرة دون ان يعلموا ان ما يتلقونه من هذه الفضائيات ومن تلك الاسماء قد وضع علي مقياس غير مقياسهم وبيئة غير بيئتهم وان الفتاوي تضر اكثر مما تنفع اذا جلبت كما تجلب السلع من مناطق بعيدة.
واضاف عن التفاف عدد كبير من المغاربة حول علماء من خارج المغرب ان مغني الحي لا يطرب.
وقال ان هناك خطة عملية استوجبتها اعادة هيكلة الحقل الديني عامة واعادة تنظيم المجلس العلمي الاعلي والمجالس العلمية المحلية… من شأنها اذا طبقت بجد واخلاص ان تشعر المغاربة قاطبة ان مؤسساتهم الدينية تغنيهم عن مؤسســـات الغير.(رويترز)