خيري منصور
في واحدة من أكثر قصائد نزار قباني السياسية تداولا في النطاق الشعبي، يتحول عنترة الي رمز للديكتاتور، فصوره وتماثيله تملأ الساحات، وهزائمه تصبح انتصارات حسب الكيمياء الاعلامية التي عثرت علي حجر أصم من حجر الفلاسفة، يحول القصدير الي ذهب، والنحاس الي ماس والقزم الي مارد، وأخيرا المهزوم الي منتصر بحيث يصبح العار غارا اذا أضفت اليه نقطة دم واحدة!
توظيف نزار للرمز الذي يمثله عنترة في الثقافة العربية، كان مضادا للواقعة التاريخية، ويبدو أن الخلط بين مفهوم البطل ومفهوم الطاغية قد أدي الي هذا الالتباس، عنترة كما يقدمه التاريخ في صورته الخام عبد أنكره شداد لأنه ولد من رحم احدي جواريه السود، لكن قوته واستثنائيته هي ما فرض علي القبيلة الاعتراف به ابنا من صلبها، لأنه ذاد عن نسائها وأملاكها عندما تعرضت للغزو، وقد يكون أجدر بالتحول الي أمثولة مضادة للتي قدمها نزار فهو بشكل أو بآخر الانسان العادي الذي واجه النكران ثم نال الاعتراف بفضل فائض امتيازه وقوته كفارس بمقاييس زمنه!
والحوار الشهير الذي دار بين العبد وأبيه الذي كان مولاه يختزل الحكاية كلها، فقد طلب شداد من ابنه أن يكر، وكانت الاجابة انه عبد لا يحسن الكر، بل يحسن الحلب والصر، وهي مهن جاهلية رعوية معروفة في ذلك الزمن.
ولا أدري لماذا خطرت ببالي فور سماعي لقصيدة نزار مسجلة، احدي قصائد يانيس ريتسوس، ربما لأنه قلب الأسطورة كي تتناغم مع حساسية أهل عصره، وكان ريتسوس اول شاعر يهدم اسطورة يوليسيز وبنيلوب، فبدلا من أن يجعلها تنتظر عودة البطل التائه في البحار وهي تنسج الطيور علي قطعة قماش فعل العكس، فقد أتاح ليوليسيز أن يعود لكن بصورة شائهة لا تليق بالبطل الموعود، ساقان نحيلتان وندوب تغطي الجلد، وأطلال شباب آفل، لهذا أصابت بنلوب نوبة من الندم، لأنها بددت عمرها في انتظار شيء وهمي، وحسب ما يقول ريتسوس فان بنلوب كانت تنظر حولها عندما رأت يوليسيز فتري العشاق القتلي يملأون المكان، والمقصود بالعشاق القتلي، العشاق الممكنون، أو الذين كانوا قيد الاحتمال، أما الطيور التي نسجتها علي القماش فقد سحبت نفسها برشاقة وحلقت عاليا وبعيدا عن المكان!
وكان من الممكن لنزار أن يعيد انتاج حكاية عنترة التي تراوح بين الواقعة والاسطورة بعد ان أضاف اليها الرواة والخيال الشعبي الكثير من الاسقاطات والتفكير الرغائبي الذي يستعيض به الناس عن واقع ناقص، الفارق بين تحطيم ريتسوس لاسطورة يوليسيز واعادة بنائها وبين تحطيم نزار لاسطورة عنترة، هو أن الأول اضاف الي الاسطورة بعدا عصريا، وأغناها، أما الثاني فقد أفرغها من مضمونها، ولم يضف اليها بقدر ما حذف منها، ذلك ببساطة لأن عنترة كما رسمه الخيال الشعبي وتوارثته الأجيال ليس طاغية أو ديكتاتورا. انه عبد متمرد وليس آبقا كما كان يحلو لقبيلته أن تسميه، وهو بهذه الرؤية سبارتاكوس من طراز آخر، يلائم نسق الحياة العربية في الجاهلية ونمط الانتاج السائد فيها، لهذا فان التأثير الذي أحدثته قصيدة نزار عن عنترة الديكتاتور كان مؤقتا وذا مفعول موضعي انتهي بالتصفيق علي الطريقة البافلوفية المعروفة في الأمسيات الشعرية، لأن الناس غالبا ما يصفقون علي ما يعرفون أو ما يتوقعون حسب المتواليات النفسية، فالقصيدة مضادة لما ترسب في ذاكرتهم من مفهوم البطولة، لأن عنترة هو صورتهم حتي في هذا الزمن.
فالشعوب التي لا تكر ولا تحسن غير الحلب والصر بحاجة الي اعتراف من الباتريارك سواء كان نظاما سياسيا أو منظومة من الأعراف الأشد نفوذا من القوانين والمنطق!
أذكر ان الناقد فراي الذي ينسب اليه منهج النقد الاسطوري كان قد سخر من هذه التسمية، وقال انه لم يكن يتبع أي منهج وهو يقرأ قصائد لوليم بليك، وهذا القول ينسجم مع مقولة شائعة عن ماركس الذي لم يكن ماركسيا أو عن المسيح الذي لم يكن مسيحيا كما قال برنارد شو، فثمة علي الدوام ملكيون أكثر من الملوك جميعا، ولا أظن أن ريتسوس كان قد اتخذ قرارا بتحطيم اسطورة يوليسيز لكن وعيه التاريخي وادراكه لحساسية الناس في هذا العصر، دفعاه الي التعبير الصادق فهو يعيش في زمن لا يحزن الناس فيه علي موتاهم أكثر من يوم وليس عاما كما قال ناظم حكمت في احدي رسائله الي زوجته نوار. ان ما تبدل هو مفهوم الزمن، وبالتالي الانتظار فمعظم الشعراء الذين استخدموا اسطورة يوليسيز بالمعني الكلاسيكي فاتهم الاحساس بالتاريخ والزمن، لكأن يوليسيز سيبقي بعد سنوات الضياع شابا معافي، وكذلك زوجته بنلوب.
لقد أحس ريتسوس بأن ثلاثين عاما ليست جملة زمانية عابرة في أعمار البشر لهذا جاءت عودة يوليسيز متأخرة كثيرا عن موعدها ولهذا ايضا أصيبت الزوجة المنتظرة بالخيبة، وقد لا تشبه رؤية ريتسوس هذه الا رؤية كفافي عندما كتب عن الطريق الي ايثاكا باعتباره أجمل وأبهي وأبقي من بلوغها، والشعراء العذريون أيضا فعلوا ذلك، لكن علي نحو مغاير عندما حولوا الحرمان الي مطلب عاطفي وافتعلوا العقبات كي لا يتم الوصال بينهم وبين النساء اللواتي كتبوا عنهن، لأن الكتابة في هذا السياق تشهير وهو سبب كاف للحيلولة دون الوصال المعترف به اجتماعيا!
ولو بقي يوليسيز غائبا، وزوجته بنلوب تنتظر، لكانت الحكاية ذات مذاق آخر، لأنهما عندئذ سيكونان معا في الطريق الي ايثاكا، ولا يصابان بصدمة الوصول.
لكن ما الذي دفع شاعرا كنزار قباني الي تقديم رؤية شعرية مضادة عن عنترة دون اعادة انتاج أو تفكيك ينتهي الي أطروحة مضادة؟ أرجح أن انحياز شاعر ما للمزاج الشعبي السائد في زمنه قد يدفعه الي التأقلم وليس العكس أي يكون ذا وعي مطابق وليس مفارقا.
واختيار عنترة كرمز للطاغية العصري أو النظام الأبوي المتسلط في عصرنا يقع في خطأين دفعة واحدة، فعنترة أسود وغلام في قبيلة لا تعترف بأبناء الجواري والغلمان، لهذا فهو المعادل التاريخي لمفهوم الثورة ومحاورة الشروط والتغلب عليها، فهو دفع شجاعته وذكاءه ومجازفته بحياته ثمنا لحريته ولولا ذلك لبقي يحلب ويصر مع عبيد القبيلة.
ان هذا المثال رغم أهميته، ليس مكتفيا بذاته فهو مفتاح لأبواب ما تزال مواربة وبعضها موصد في هذا السياق النقدي المتعلق باعادة انتاج الماضي شعريا.
فما فعله نزار مع عنترة، فعله بشكل آخر شعراء عرب اتخذوا من اسطورة يوليسيز وبنلوب معادلا للتراجيديا الفلسطينية، الشاعر عبدالرحيم عمر علي سبيل المثال لا الحصر، وظف هذه الاسطورة للتعبير عن عودة اللاجئين حيث يقول في احدي قصائده علي لسان بنلوب!
هو في الطريق اليّ ياليلي الطويلاني أكاد أري محياه الجميلقد أعجز الأنواء والموج المثاروأطل يبسم في انتظارولو قام ناقد بمقاربة نقدية بين قصيدة ريتسوس عن الاسطورة وقصيدة عبدالرحيم عمر لتوصل الي ما توصل اليه سلامة موسي وهو يقارن بين استخدام كل من توفيق الحكيم وبرنارد شو لاسطورة بيجماليون.
فأحيانا لا يعي الشاعر المفاعيل الهاجعة تحت سطح الوعي والذاكرة بحيث يجد نفسه مسوقا بقوة المترسب من ثقافته ومرجعياتها للتعبير عما ينتظره المجتمع، وقد لا تنفرد قصيدتا نزار قباني وعبدالرحيم عمر بهذا التخارج بين الاسطورة والتاريخ.
فثمة من القصائد وأحيانا من الدواوين الشعرية العربية الحديثة ما يغري النقد باستقرائه واعادة فحصه بعيدا عن القراءات الآنية والمدرسية لأن بعض هذا الشعر علي الأقل يصلح عينات نموذجية للتعرف علي رؤي وبصائر، وتعامل مع التاريخ والوجود والأساطير يكشف اشكاليات فكرية وفنية مسكوت عنها في ثقافتنا المعاصرة!
الزمن في الاستخدام الشعري العربي الاكثر شيوعا لاسطورة يوليسيز متخثر، ومتوقف عن الجريان، لكنه بالنسبة لشاعر مثل ريتسوس علي العكس من ذلك، فهو المجال المزدوج الذي يتنامي فيه الحب ويموت فيه أيضا، وتلك جدلية يدين بها هذا الشاعر الاغريقي لثقافة زاوجت بين أثينا عصر بركليس وأثينا الحديثة، أما عنترة فقد هاجر من سياقه الجاهلي الي سياق شعري معاصر، وفقد في الطريق لا ريشه فقط، بل صوته وهويته ولونه.
فهو عندما تحول من عبد متمرد يشهر سواده في وجوه البيــــــــــض الي طاغية تملأ صوره وتماثيله الشـوارع والساحات، اضاع المشيتين معاً، مشية الاسطورة ومشية التاريخ بمعناه الحدثي!