مخاوف السيد القلمجي ليست في محلها

حجم الخط
0

مخاوف السيد القلمجي ليست في محلها

د. محمد بشار الفيضيمخاوف السيد القلمجي ليست في محلهابعث لي احد الاصدقاء عبر الايميل مقالا للسيد عوني القلمجي نشر بتاريخ 25/8/2006م، بدا فيه متخوفا من مواقف الهيئة باتجاه مصالحة وطنية، وعرض فيه الي مفهوم المقاومة السلمية، وانه معني يضاد موافقة الاحتلال في سياساته، وطلب الي الصديق الاجابة علي هذا المقال. واود ان اسجل ابتداء انني اشاطرالسيد القلمجي الرأي في كل ماخطر بخلده من قلق، فالقضية العراقية خرجت عن اطارها القطري لتغدو اليوم قضية العالم العربي والاسلامي، والانساني.واذا كان الاحتياط في اطارها الاول لازما فانه في اطارها الآخر اكثر لزوما.لكنني اود ان اذكره ان ما أبداه من خشية التستر خلف دعوي المقاومة السلمية، دون ممارسة حيثيات هذه المقاومة من مقاطعة الاحتلال، ورفض كل الصيغ السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تنتج عنه، والتظاهر ضده والاعتصامات، امر درجنا علي تبنيه في الهيئة، وكنا نحاجج به الذين يزعمون انهم يمارسون مقاومة سلمية ضد الاحتلال في وقت يطاوعونه فيه علي كل مايرسمه للبلد من سياسات، فلا خلاف في هذا الفهم.لقد ذكر السيد القلمجي في مقاله ان الهيئة وضعت شروطا في سبيل أية مصالحة، وأقول: المتأمل فيما سماه شروطا، يجد انها تتضمن ثوابت دينية ثم وطنية، وهذه الثوابت صمامات امان، ومع الالتزام بها وعدم التنازل عنها، لا خوف من أي اقتحام، واذا استطاعت الهيئة ان تقود الآخرين اليها، وتحملهم علي الالتزام بها فما المانع من ذلك، بل ان هذا هو النصر بعينه. لكن السيد القلمجي عاد فاستدرك قائلا ان الهيئة وبقية القوي المعنية قد قدمت شروطا قبل دخولها الي مؤتمر الوفاق الوطني ثم جري التنازل عنها لاحقا، وحذر من الوقوع في الفخ.ولست ادري من كان يعني بذلك، فالهيئة لم تتنازل عن شيء ابدا، ونحن مازلنا في طور اللجان التحضيرية للمؤتمر، وسنمضي في هذا الطريق حتي نهايته، مادامت الثوابت نبراسنا وهدانا.أما اذا عد السيد القلمجي مجرد اجتماعنا في القاهرة للمرة الثانية تنازلا فهو واهم، ففي هذا اللقاء جري التأكيد علي الالتزام ببيان لقاء القاهرة الاول، والذي تضمن اعتراف الساسة بحق الشعب العراقي في المقاومة والتفريق بينها وبين الارهاب الذي يطال المدنيين الابرياء، والاتفاق علي ضرورة جدولة لانسحاب قوات الاحتلال، كما توصلنا فيه الي مكاسب جديدة في غاية الاهمية، منها التفصيل في طبيعة الجدولة، وهو ان يتزامن ذلك مع بناء قوات امنية علي اسس وطنية ومهنية، وهذا يعطي فرصة لابتداء جدولة الانسحاب من الآن، ومنها ضرورة حل الميليشيات، والاهم من ذلك كله ان يكون الدستور ونقاطه الخلافية موضع مراجعة واعادة نقاش، وهذا يعرض العملية الدستورية برمتها الي الشلل، فأين التنازل!!قد يقول السيد القلمجي وغيره: لكن هؤلاء الساسة لايلتزمون بما اتفقوا عليه معكم كما فعلوا في لقاء القاهرة الاول حين تنصلوا من بنود البيان بعد ساعات من انفضاض اللقاء، واقول له: اننا علي يقين انهم لن يلتزموا، لكننا في كل الاحوال نكسب جولات لقضيتنا، وهم يخسرونها، وهذا جزء من وسائل النصر في الصراع، فلماذا نفرط به؟وهنا لابد من الاشارة الي المكاسب التي تحققت لنا في لقاء القاهرة الاوللقد اخذ موضوع المشاركة في هذا اللقاء من عدمه وقتا طويلا من مناقشات اعضاء الهيئة، حتي هدانا الله الي قرار المشاركة..لقد بدا لنا أن مجرد المشاركة مع التزامنا بثوابتنا فيه مكاسب؛ لأننا كنا نعلم أن هذا اللقاء الذي يجري برعاية الجامعة العربية وحضور من الأمم المتحدة والمفوضية الأوربية ووزراء خارجية العرب سيلقي متابعة دقيقة من كل القوي السياسية العالمية، والاعلام العالمي، والمجتمع الدولي بشكل عام. اذن فهو فرصة ذهبية لإيصال صوت القضية العراقية إلي أكبر مساحة في العالم. هذا الصوت الذي مورس عليه حصار شديد لأكثر من سنتين ونصف السنة ليبقي العالم يجهل حقيقة ما يجري، وقد واتته فرصة ربما لن تتكرر ليصل إسماعاً تجهله، ومن السذاجة إضاعتها. ولذا عكفت الهيئة علي صياغة كلمة الأمين العام بمتابعته ومشاورته علي نحو كفيل بإيصال القضية وكسب التأييد لها، وهذا ما نعتقد أنه حصل. وأذكر أن الأمين العام لما فرغ من كلمته قال له بعض أعضاء الهيئة ملاطفاً: سيادة الأمين العام بإلقاء كلمتكم انتهت مهمتنا هل نعود؟!وهناك مكسب آخر، وهو أن هذا الاجتماع يعد أول لقاء يتم بين القوي السياسية التي تتباين في مواقفها من الاحتلال، فهناك ـ كما نعلم ـ قوي أقل ما يقال فيها أنها تواطات مع الاحتلال في وجوده علي ارضنا وانخرطت في مشروعه السياسي، وأخري سخطت علي وجوده ورفضت التعامل معه جملة وتفصيلاً، وقوي ثالثة أعلنت عدم رضاها عن وجوده من وجه ورضيت بالتعامل السياسي معه من وجه آخر.هذه القوي اجتمعت لأول مرة علي طاولة واحدة، وتباحثت بالشأن العراقي بشكل مباشر بعد أن كانت تتبادل المواقف عبر وسائل الإعلام. والحديث المباشر مع الآخر لا يعني ـ كما ظن البعض ـ الرضا عنه أو تناسي ما فعله، ، فما فعله هؤلاء لاينسي، وسيبقي محفورا في ذاكرتنا، وذاكرة التاريخ، إنما فيه فرصة أن يفهم الآخر موقفك، وتفهم موقفه علي الحقيقة بعيداً عن الأوهام التي يصنعها الإعلام أحياناً، أو جهات لها مصلحة في إبقاء الضبابية علي المواقف، وبذلك تقيم الحجة علي الآخر، واذا امكنك الله سبحانه من ان تنزع من الخصم حججه، فانت قد انتصرت في خطوة مهمة لايستهان بها.وثمة مكسب ثالث، وهو أننا أوصلنا رسالة إلي شعبنا ـ الذي يتعرض يوميا الي القتل والتهجير ـ تتضمن حرصنا علي حل المشكلة العراقية، وإن اقتضي ذلك الاجتماع بمن لا نرغب الاجتماع بهم لمواقفهم المسيئة إلي الحق الوطني خلال فترة الاحتلال، وأننا ـ في الحقيقة ـ لسنا العقبة كما حاول الإعلام المغرض إيهام شعبنا بذلك، وقد بدا للجميع ـ بعد هذا اللقاء ـ أن العقبة متمثلة في الجهات التي ترفض الاعتراف بالمشكلة الحقيقية وهي الاحتلال، وترفض مغادرته البلاد بحجج واهية، والتي تنصلت مما تم الا تفاق عليه بهذا الصدد في القاهرة.مع حراجة وضع شعبنا الي الحد الذي اصبح فيه كالغريق يتشبث باي شيء من اجل الخلاص، تكون خطوة من هذا النوع حكيمة للغاية.ولقد دفعت هذه النتائج ومن قبلها المكاسب التي حصلنا عليها السفارة الامريكية في العراق لتعلن بعد يومين فقط من انتهاء لقاء القاهرة الاول انها غير معنية بنتائجه، مع اننا علي يقين ان هذا اللقاء لم يكن لينعقد دون معرفة مسبقة منها. ومن هنا نقول: ماالمانع من ان نضيف الي رصيد اسلحتنا ضد الاحتلال اسلحة اخري ان تنصل الاطراف السياسية الاخري من نتائج مثل هذه اللقاءات، ليس مرا، بل هو نصر للقضية العادلة التي نحملها، وهزيمة للقضية الباطلة التي يحملها الآخرون.لقد سعي الاحتلال بما يملك من قوة ونفوذ الي عزل الهيئة والقوي الوطنية الاخري عن العالم كله، ولفت الانظار الي القوي السياسية العاملة معه، والايحاء بانها وحدها من يمثل العراق، لكن لقاء القاهرة فوت عليه هذا الغرض، وانفتحت بسببه امام هذه القوي ابواب لم تكن مشرعة في وجوههم من قبل، وبدا للعالم كله ان هناك قوي اخري، تمثل الشعب العراقي بحق، وتعمل لصالحه بعيدا عن مطامع الاحتلال واجندتهاما بالنسبة الي مبادرة المالكي التي نوه بها السيد القلمجي، فقد كنا ازاءها واضحين، وقلنا حينها ان اية مبادرة للصلح اذا اريد لها النجاح فيجب ـ في اقل تقدير ـ ان تحظي بثلاثة اوصاف: ان تكون واقعية، وان تكون منافعها شاملة لاطراف الخصومة، وان يكون صاحب المبادرة قادرا علي تنفيذ بنودها، ومبادرة المالكي لاتتحلي باي من هذه الصفات، فهي اولا ليست واقعية، لانها تجاهلت المشاكل الاساسية في ازمة العراق، ومنها الاحتلال، وضرورة جدولة انسحابه، والاعتراف بالمقاومة الوطنية، وهي ثانيا تقتصر في منافعها علي اطراف دون اخري، وفسرنا ذلك حينها بالقول: ان هناك خصومتين، خصومة بين الكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية، وهذه عادة تحل بتدخل السفير الامريكي، واقطاب تلك الكتل، وخصومة اخري، وهي بين هذه الكتل مجتمعة وبين القوي المناهضة للاحتلال ومنها المقاومة العراقية، وهذه هي الخصومة الحقيقية، وحين تريد صلحا فينبغي ان تشمل منافع الصلح الاطراف كلها، وضربنا مثلا، بوجود فقرة في المبادرة تنص علي اعتبار الحكومة والبرلمان والدستور هي الممثل الوحيد للشعب العراقي، في حين ان الطرف الآخر من الخصومة، لايقر بذلك، فالدستور عنده ـ علي سبيل المثال ـ مرفوض جملة وتفصيلا، وهكذابالنسبة لما انبني علي الدستور من خطوات سياسية، ومن ناحية اخري ان صاحب المبادرة غير قادر علي تنفيذ بنودها، لانه لايملك من الامر شيئا، فالكلمة الفصل في القرار السياسي للاحتلال، ثم للميليشيات التي كانت تعيث في الارض فسادا اثناء القاء المالكي مبادرته امام البرلمان.ومن هنا لانري في المبادرة أملا لايجاد حل للقضية العراقية، وهذا بالتالي يحول بيننا وبين ان نكون طرفا فيها.اما بالنسبة الي الحكومة، فان الهيئة مع البداية لتشكيلها اصدرت بيانا برقم 275 بينت فيه موقفها من الحكومة بوضوح، وسأقتطع منه الفقرة الاولي فقط، جاء في البيان (علي هذه الحكومة أن تدرك أنها وليدة ظروف الاحتلال وبرنامجه السياسيّ وغير السياسيّ، وبالتالي لا يكفي انبثاقها عن عملية انتخابية عبر دستور فاقد للشرعية ومؤسسات طعن في نزاهتها ومصداقيتها كالمفوضية العليا للانتخابات وغيرها، ليجعلها ناطقة باسم الشعب ومقررة لمصيره، فهي ـ في تقديرنا ـ لا تختلف كثيراً عن الحكومة التي قبلها، فلا يحقّ لها أن تتصرف تصرفات حكومة ذات سيادة فتبرم ـ مثلاًَ ـ اتفاقات طويلة الأمد ذات مساس بالمصالح العراقية علي الصعيد الأمنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ وغيره؛ لأنها ليست كذلك، ولا تملك من الشرعية ما يؤهلها لذلك).هذا موقفنا، وقد عرض علي موقعنا في الانترنت لعدة اسابيع، في الصفحة الرئيسية، ومايزال موجودا ضمن ارشيف البيانات، فما ادري ما الذي حال دون اطلاع السيد القلمجي عليه.وفي كل الاحوال فان موقفنا من الحكومة شيء، وسعينا الي ايقاف نزيف الدم العراقي، او التخفيف منه شيء آخر مختلف تماما.اما بالنسبة للمقاومة، فهي تاج رأسنا، وقرة اعيننا، وهي من رفع رأس العراقيين عاليا، بعد ان ظل مطأطئا لأيام بسبب ما روجته وسائل الاعلام، مما بدا انهيارا امام الاحتلال، وانشغالا بالسلب والنهب، ولذا جندنا انفسنا لمناصرتها من الايام الاولي لانطلاقها، وسعينا للتمييز بينها وبين الارهاب، وسنبقي علي هذا الدرب حتي تحقق اهدافها او نهلك دون ذلك. وبناء علي ماتقدم اقول للسيد القلمجي عليه ان يطمئن، فنحن علي وعي كامل بقضيتنا، ولن يكون بمقدور أي نظام عربي او منظمة ما ـ كما ألمحت ـ ان تستدرجنا الي ما فيه تفريط بحقنا في الحرية والاستقلال، وبالتالي لا اري مبررا لدعوتنا ان نحسم امرنا، كما حسم بوش امره، وان نعلن قرارنا من غير ان نخشي لومة لائم، لان قرارنا بهذا الصدد محسوم ومعلن منذ اليوم الاول من الاحتلال، وقد دفعنا ومازلنا ندفع ثمنه من دمائنا، وهذا ما يزيد ثقتنا بأنفسنا، وبتوفيق الله لنا.وقبل ان اختم مقالي اود الاشارة الي ان السيد القلمجي كان قد اخطأ فهمنا في قضية أخري سابقة، وتعجل في الحكم علينا قبل ان يتثبت، وهي قضية الفلوجة، وأري من المناسب هنا ذكرها بايجاز، فقد زعم حينها اننا ساومنا الاحتلال، علي دخول العملية السياسية مقابل ان يتجنب ضرب هذه المدينة، ولاادري من اين له هذا الاستنتاج، فنحن لدينا موقف ثابت من العملية السياسية في ظل الاحتلال، وهو اننا لن نقربها مهما كلف الثمن.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية