صاروا خمسة!
سهيل كيوانصاروا خمسة! منذ خمسة عشر عاما يحاول أهالي بلدة مجد الكروم الجليلية أن يجدوا حلا لإيواء جثامينهم بعدما ضاقت مقبرتهم القديمة بهم ، وكلما قُبضت روحٌ أثيرت المشكلة .. أين سندفنه! حتي أن بعض الأحياء صاروا يجاهرون بقلقهم من قضية الدفن أكثر من الموت نفسه! تقع المقبرة وسط القرية ومسوّرة ولا مجال لتوسيعها إلا عمودياً ، وإياكم والإعتقاد أن الدفن العمودي علي طريقة قدامي الرومان لم يخطر في بال أهالي هذه البلدة! كذلك فكروا بالدفن علي طريقة الطوابق، أو طمّ المقبرة بطبقة عالية من التراب وبدء الدفن فيها من جديد إلا أن كل هذه الإبداعات لم تُستسغ.كثيرا ما تدخل أحدهم ليوقف الحفر لأن هناك رفات أحد أحبائه وهولا يريد أن يدفن في هذه الحفرة سوي أبناء أسرته، وبالمقابل هناك أهل نخوة رحّبوا باستضافة جثامين غريبة في أضرحة أحبائهم .. تفضلوا يا عمي أهلا وسهلا أدفنوه عندنا! ولعل المعري عندما قال شعره في الأضرحة ( المتمرقحة ) لجمعها بين الأضداد زار مقبرة كهذه! كثيرا ما اكتشف الحفارون بعد فتح ضريح ما أن الجثمان لم يبل بعد، وهذا يعني ذهاب عملهم لساعات هباء ولكنها زيادة في الأجر عند الله والحفر ثانية . هذه المشكلة تتفاقم عندما يعمل سيدنا عزرائيل ساعات إضافية وبوتيرة عالية. السلطة المحلية حاولت إيجاد قطعة من الأرض”المتروكة” جنوبي شارع عكا صفد وهي بالأصل لأهل البلدة المهجّرين منذ النكبة ، ولكن رئيس بلدية كرمئيل الجارة دائماً بالمرصاد لأن المخطط هو أن تمتد مدينته غربا لتتصل بالمستوطنات الأخري حتي عكا،وهذا يعني عدم السماح لأهل البلدة بموطئ قدم جديد جنوبي الشارع الذي صار خطاً أحمر، هكذا تحولت هذه القضية الي مادة إعلامية وكتبت عدة تقارير عنها، وقد جاء في موقع يديعوت أحرونوت الألكتروني علي لسان أحد الصحفيين أن ما يحدث تقشعرله الأبدان باعتبار أن اليهود أكثر حساسية من غيرهم لنبش القبور كما هو مفروض حسب ديانتهم،أما ردود قراء الموقع فقد كانت بأكثريتها وبالمئات مستهترة وكثيرون اقترحوا إحراق الجثث لأن العرب لا يستحقون قطعة الأرض التي يدفنون فيها. القضية رفعت للنقاش في لجان الكنيست المختلفة حتي توهم أهالي البلدة أن المشكلة قد حُلت بالفعل إذ نوقشت في لجنة الداخلية قبل سنوات وعُمم خبر في الصحف في حينه بأنه بإمكان أهل هذه البلدة البالغ عددهم ثلاثة عشر ألف نسمة أن يموتوا مطمئنين، ولكن عند شروق الحقيقة تبين أن الأمر لم يكن سوي دعاية انتخابية لصالح حزب يقول أنه حزب العمال! طبعا رفعت شعارات ونظمت تظاهرات علي ضفتي الشارع بمبادرة نشطاء محليين ولكن كل هذا لم يُجد الي أن تدخل حزب الله! طبعا لم يكن تدخل حزب الله في الحسبان، ففي الحرب العدوانية الأخيرة علي لبنان فوجئ أهالي البلدة بصواريخ الكاتيوشا تسقط بين ظهرانيهم وما لبث أن أصبح سقوطها أمراً مفروغاً منه خصوصا في عصر أيام الخميس والجمعة، الصواريخ كانت تستهدف الجبال المحيطة وما تخبّئه في بطونها ولكن الدنيا حظ ونصيب، فقد أصاب أحدها سيارة في وسط القرية وأدي لتحول شابين كانا فيها الي شهيدين، وفورا اتخذ قرار بدفنهما جنوبي الشارع! وزف الشهيدان ليفتتحا مقبرة جديدة بهتافات تحتج علي الحرب ومشعليها وبالروح بالدم نفديك يا شهيد، الأمر الذي أغاظ نائبة رئيس بلدية كرمئيل فحرّضت إعلاميا بادعاء أن السكان العرب من القري المجاروة رقصوا علي السطوح وأطلقوا ألعابا نارية احتفاء بسقوط الكاتيوشا علي مدينتها، وطبعا اقترحت طرد أمثال هؤلاء وإلحاقهم بأخوانهم المهجّرين منذ عام 48!بعد الحرب توفي عدد من المسنين، ولأن الموت بين الناس نعاس كانت وصية بعضهم أن يدفن في زحمة المقبرة القديمة بينما أوصي البعض أن يدفن في الموقع الجديد رغم الوحدة والغربة لضمان الهدوء. يوم الجمعة الأخير رحل مُسنٌ كان قد أوصي بدفنه بين أهله في المقبرة القديمة، أما زوجته التي رحلت بدون وصية بعد أقل من أربع وعشرين ساعة علي فراقه فقد دفنها أبناؤها في المقبرة الجديدة! كم صار عددهم هناك! صاروا خمسة!يعدّون القبور الجديدة وهم متخوفون من أن تنبشها السلطات،هناك من يعتقد أن المستراح الأخير لأهل هذه البلدة صار واقعا بينما يزعم آخرون أن هذه السلطة لا يؤتمن جانبها، ولهذا علينا تجنيد المزيد من المتطوعين ليدفنوا هناك..وألف مبروك. ہ كاتب من فلسطين 0