مدخل الي خمسين عاماً علي حرب السويس: مقدمة شخصية عن أزمة منسية (1 من 3)

حجم الخط
0

في لندن عشت تجربة اكبر حدث غير معالم المنطقة العربية.. وكلمة السويس كانت تصفعني في كل مكان الغارديان و الأوبزرفر لعبتا دورا كبيرا في فضح التواطؤ مع اسرائيل وكشف كذب ايدن

رياض نجيب الريسعندما وصلت الي انكلترا في مطلع شهر آب (اغسطس) من عام 1956 كان السير أنطوني ايدن رئيساً لوزراء بريطانيا وزعيماً لحزب المحافظين الحاكم، خلفاً لونستون تشرشل، وسلوين لويد وزيراً للخارجية البريطانية. أما هيو غيتسكيل فكان زعيماً لحزب العمال المعارض. وكان جمال عبد الناصر رئيساً لمصر وزعيماً للعرب وقائداً لفكرة القومية العربية، وكانت غيوم أزمة قناة السويس والحرب التي تبعتها قد بدأت تتلبد، والسماء السياسية في العالم مكفهرة.

وكان غي موليه، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، رئيساً لوزراء فرنسا، وكريستيان بينو وزيراً لخارجيتها. وكان الجنرال الجمهوري دوايت أيزنهاور رئيساً للولايات المتحدة وجون فوستر دالاس وزيراً لخارجيتها. وكان خروتشوف وبولغانين زعيمي الاتحاد السوفييتي وأندريه غروميكو وزيراً للخارجية. وكانت الحرب الباردة، القريبة من السخونة باستمرار، علي أشدها. ووجدت نفسي، وأنا الشاب اليافع في حدود الثامنة عشرة من العمر، المسافر لأول مرة خارج بيته وبلده، وسط عالم سياسي يغلي بالأحداث الجسام ويضج بالمتغيرات التي لم يألفها.

كانت ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي في أوجها. وكانت الثورة ضد النظام الشيوعي في المجر ومشهد الدبابات السوفييتية وهي تضرب العاصمة بودابست في كل صحف العالم. وكانت ثورات التحرر في أفريقيا السوداء وحركات الاستقلال من الاستعمار البريطاني والبلجيكي والبرتغالي والفرنسي تنتشر كالنار من شمال القارة في تونس والمغرب الي جنوبها في موزمبيق، ومن شرقها في زنجبار الي غربها في ساحل الذهب (غانا اليوم)، ومن وسطها في الكونغو الي أسفلها في جنوب أفريقيا ذات النظام العنصري. كان العالم كله يغلي وأنا ألتهم الصحف الانكليزية والعربية في صقيع انكلترا القاسي. كان نهمي لقراءة كل ما تكتبه الصحافة البريطانية عن الشرق الأوسط تحديداً، في أوجه. كما أخذت أتابع مواقف الأحزاب البريطانية من القضايا العربية والتعرف الي الشخصيات الحزبية والبرلمانية البريطانية.

قبل خمسين عاماً كنت شاهد عيان علي أهم حدث وقع علي العالم العربي في القرن العشرين، غير جذرياً من معالم الشرق الأوسط، سياسياً وتاريخياً، وأدي الي تطورات لم تكن بالحسبان. هذا الحدث هو حرب السويس أو العدوان الثلاثي في عام 1956. كانت مياه القناة تمر من تحتي كل يوم، ومشهد السويس يملأ ناظري وصوت جمال عبد الناصر يشنف أذني وصوَر أنطوني ايدن تطالعني في كل مكان. وكنت أنا العربي أرصد أحداث هذه الأزمة التاريخية الكبري وأعيش تداعياتها وأتابعها عن طريقين: طريق الصحف، قراءة ومتابعة، وطريق الصحافيين الذين تعرفت اليهم في حمأة تلك الظروف، وشكلوا لي مرجعية ساهمت في اغناء ثقافتي السياسية ووعيي التاريخي.

قبل خمسين سنة تماماً عندما وصلت لندن، وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد أعلن تأميم شركة قناة السويس في 26 تموز (يوليو)، كنت كمعظم أفراد جيلي، من المتحمسين لما قام به عبد الناصر، دون أن نعي تماماً ما سيؤدي اليه هذا الحدث من نتائج. وظل خطاب تأميم القناة التاريخي الحماسي واسم فرديناند دولاسبس، المهندس الفرنسي الذي حفر القناة، عالقاً في أذهاننا فترات طويلة من العمر. ولم يكن الكثير من أقراني يملكون الا القليل من المعرفة التاريخية السياسية، وكانت الصفة البارزة لذلك الجيل هي الحماسة البالغة التي أشعلها عبد الناصر فيه منذ قيام الثورة المصرية في 23 تموز (يوليو) من عام 1952، والتي توجها تأميم القناة. وقد حملت في طياتها كل معاني النضال ضد الاستعمار علي مختلف مستوياته. رابطة الطلاب العربانضممت بعد وصولي الي لندن الي رابطة الطلاب العرب في المملكة المتحدة وايرلندا، كما هو اسمــــها الرسمي، التي كانت المنظمة العربية الوحيدة التي تجمع الطلاب العرب في بريطانيا، خارج تنظيــــمات الأحزاب العربية، كحزب البعث والحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب، والحزب الســــوري القومي الاجتماعي وغير ذلك من التجمعات والكــــتل العربية القطــــرية التي كانت قائمة أو ناشطة الي حد ما في تلك الأيام. وعبر عدد من قدامي الطلاب العرب في الرابطة اختلطتُ بمجموعة من الشـــباب الانكليزي من طــــلاب وسياسيين أعضاء في الأحزاب، كحزبي العمال والأحرار، من المتعاطفين مع القضايا العربية. وكانت الأجواء في تلك الأيام أجواء سمحة بين الانكليز والعرب، ليس فيها من تشنج هذه الأيام. وكان أهم مَن تعرفت اليهم أيان كامبل، المحامي ومدير قسم الأبحاث الخارجية في حزب العمال، الذي كان له الفضل في تعريفي بمايكل فوت الذي بدوره عرفني الي اديث سمرسكيل وزيرة الصحة السابقة في حكومة العمال والناشطة في الحزب. وكان فوت يدعوني وزملائي من الطلاب العرب الي كل التجمعات الحزبية والنقابية التي تقام ضد سياسة حكومة ايدن لتحشد فيها التأييد لعبد الناصر وتأميم القناة. وكان هناك غاي موور، الموظف السابق في وزارة المستعمرات البريطانية منذ عام 1928. والخبير في شؤون الشرق الأوسط، الذي كان يشرح لنا خفايا السياسة الاستعمارية البريطانية. الا أن أهم من تعلقت بهم، كان فنر بروكواي، النائب العمالي في مجلس العموم ورئيس حركة الحرية للمستعمرات Movement for Colonial Freedom. وكان بروكواي، رجلاً مسناً في حينه، يأخذني معه الي اجتماعات الجمعية والي التظاهرات التي كان يخطب فيها. وتكرر ظهوري معه الي درجة أن مجلة جويش كرونيكل اليهودية، نشرت صورته وأنا الي جانبه في سياق مقال تهاجمه فيه.

في تلك الفترة المزدحمة بالأحداث يومياً، حيث أهمل معظمنا دراسته، أخذنا نزور دور الصحف لنتحدث الي القائمين علي تحرير مواضيع الشرق الأوسط فيها، الذين سبق لكامبل أن عرفنا بهم، ومنهم مايكل أدامس، الذي كان مراسلاً لـ الغارديان في الشرق الأوسط، وروبرت ستيفنس المحرر في الأوبزرفر الذي كتب فيما بعد كتاباً عن عبد الناصر، لعله الأهم في رأيي حتي الآن عن الزعيم المصري. ودعاني ستيفنس مرة الي حضور اجتماع التحرير ظهر السبت الذي كان يعقده رئيس التحرير دافيد استور لمحرري الأوبزرفر.

وكان الفضاء الشخصي والسياسي في لندن واسعاً في تلك الأيام، بين المجموعة العربية الصغيرة، ومعظمهم من الطلبة، وبين الناشطين الانكليز من السياسيين المعارضين لتوجهات حكومة ايدن والمجموعة الصحافية من الكتاب والمراسلين الصحافيين التي فتحت لنا مكاتبها لنتبادل الرأي فيها. وكان هناك راندولف تشرشل، ابن السير ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني السابق، الكاتب في مجلة سبكتاتور المحافظة، الذي كان يكره ايدن أكثر مما كان يكره عبد الناصر. وكان الحديث معه في السياسة متعة وهو يعب الشراب عباً. وكان هناك الكاتب الايرلندي أرسكين تشايلدز الذي كان يكتب في الصحف والمجلات، وأول من تصدي للدفاع عن عبد الناصر والقضايا العربية خلال أزمة السويس وبعدها. هناك كُثر من الصحافيين البريطانيين الذين تقاطعت فيما بعد الطرق بيني وبينهم في حياتي الصحافية، انما غيبتهم الذاكرة اليوم. وما هؤلاء الا حفنة من الذين عرفتهم قبل نصف قرن، وكانوا مضيئين في ثقافتي المهنية. بالنسبة لي، كان لهؤلاء الأشخاص فضل كبير في الحفاظ في ذاكرتي علي تجربة حرب السويس، كمراقب من المنظور البريطاني. ولعل أغلب مَنْ ذكرت قد رحلوا اليوم عن هذه الدنيا، انما أحفظ لهم الكثير من الامتنان والود.

تلك الأيام كانت أيام الصحافة والجرائد والراديو. لم يكن التلفزيون قد وصل بلادنا بعد، انما بالكاد انتشر وبشكل محدود، في بلاد الانكليز. كانت الصحف الصادرة في انكلترا تلك الأيام هي مصدر الأخبار الوحيد لي أنا القادم الي عاصمة الضباب، بقدر ما كانت مصدر الهامي أيضاً. وكانت كلمة السويس تصفعني في عناوين كل جريدة انكليزية يقع نظري عليها، حتي ظننت أنها تعني بالانكليزية غير ما تعنيه بالعربية. كان هذا قبل أن تصبح هذه الكلمة الجغرافية مصطلحاً سياسياً.

وما هذه المحاولة لاسترجاع قصة حرب السويس التي تعتمد في الدرجة الأولي علي جرائد تلك الفترة، الا نوع من الحنين الي الذكريات الشخصية التي رافقتني في تجوالي في تجمعات وتظاهرات تلك الأيام وتطوافي في أروقة الصحف ومكاتبها في فليت ستريت شارع الصحافة آنذاك، حيث كانت مباني الصحف ومطابعها. وحكاية أزمة السويس هي حكاية صحافة ذلك الزمان وصحافييه. أما المصادر الرسمية لتلك الفترة التاريخية فكثيرة جداً، اذ صدر خلال نصف قرن باللغة الانكليزية وحدها، مئات الكتب، ناهيك باللغات الأخري. وقد اعتمدت للدقة التاريخية آخر كتاب صدر عن السويس في آب (اغسطس) 2006(ہہ)، ومجموعات الصحف البريطانية في تلك الفترة، الموجودة في المكتبة البريطانية عامة. فقصة السويس هي قصة الصحافة. الصحافة البريطانية: التأميم والعدوانعبر جريدة محدودة الانتشار في حينه كانت تصدر خارج العاصمة البريطانية، تعرفت قبل نصف قرن علي قضيتين أساسيتين تلازمتا زمنياً وشكلتا بالتناوب قضايا ساخنة: تأميم قناة السويس و العدوان الثلاثي ـ كما اعتدنا تسميته في العالم العربي ـ الذي تلاه علي مصر، ومن جهة ثانية انتفاضة بلاد المجر علي النظام الشيوعي فيها وقمع الاتحاد السوفييتي ثورة المجريين بعنف لا مثيل له علي مرأي من العالم.

هذه الجريدة هي المانشستر غارديان التي كانت تصدر من مانشستر، العاصمة التجارية والصناعية في شمال انكلترا، وتطبع هناك. وكانت تُصنف بأنها جريدة محلية من الأقاليم Provincial علي الرغم من أنها كانت توزع في لندن. غير أن تأثيرها السياسي ونفوذها الدولي كانا أهم وأبعد من أرقام توزيعها. ففي منتصف الخمسينيات، كان ثلثا قراء هذه الجريدة من خارج مانشستر، وبلغ توزيعها 200.000 نسخة يومياً. لكن هذه الجريدة غير العادية أدت دوراً سياسياً (أساسياً ان لم يكن خطيراً) خلال أزمة السويس من بدايتها حتي نهايتها بحكم تميز مواقفها المبدئية وتغطيتها المهنية الراقية ومعارضتها لحكومة المحافظين، بالاضافة الي وجود أقنية اتصال خاصة بين وزير الخارجية الامريكي جون فوستر دالاس وبين رئيس تحريرها ا.

ب. وادزورث. وكانت ملكية المانشستر غارديان تعود الي مؤسسة عائلية لاحدي أسر شمال انكلترا التجارية، قبل أن تتحول الي شركة مساهمة كبري وتنتقل الي العاصمة في السبعينيات وتسقط اسم مانشستر من عنوانها لتصبح الغارديان فقط، احدي أهم كبريات الصحف الليبيرالية البريطانية اليوم. باختصار، لم تكن جريدة اقليمية محلية عادية. كانت واحدة من أهم صحف بريطانيا في ذلك الزمان.

كان وادزورث، رئيس التحرير منذ عام 1944، مريضاً بالسرطان وعلي فراش الموت في صيف عام 1956، ابان بدايات أزمة السويس. وكان يُعد محرر الشؤون الخارجية في جريدته، الشاب أليستير هثرينغتون البالغ من العمر 36 عاماً، الذي سبق أن كان ضابطاً في سلاح الدبابات في الحرب العالمية الثانية، لخلافته رئيساً للتحرير. وكان كلاهما وادزورث وهثرينغتون، قد رسما خطاً لـــ الغارديان معارضاً لسياسة حكومة المحافظين البريطانية تجاه أزمة السويس، مما قاد الجريدة الي دور صدامي خطير في وجه حكومة السير أنطوني ايدن أدي في النهاية الي اسقاطها. ولم يحسب الرجلان حساب الخسائر المادية التي ستصيب الجريدة من جراء هـــــذا الموقف الســـياسي المعارض. وتوفي وادزورث في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1956، في اليوم الذي بدأت فيه القوات البريطانية والفرنسية المشتركة هجومها علي مصر من قبرص.

كانت تغطية الغارديان لأحداث أزمة السويس عدائية، ومزعجة، الي درجة أن رئيس الوزراء السير أنطوني ايدن حاول منع هيئة الاذاعة البريطانية (بي.

بي.

سي) من نقل ما تكتبه الغارديان عن الأزمة في أقوال الصحف التي تذيعها كل يوم. كما منع مراسل الجريدة الديبلوماسي ريتشارد سكوت من التحدث في الاذاعة. وطرح ايدن مشروع قانون خطير يقضي باستيلاء الحكومة علي الــ بي.

بي.

سي والغاء استقلاليتها القانونية اذا تم غزو مصر. الا أن المشروع لم يتحقق.

غير أن أزمة السويس كانت قد بدأت تتصاعد منذ أواخر تموز (يوليو) من عام 1956، بعدما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة. وصدرت أول افتتاحية لــ الغارديان كرد فعل علي الأزمة (في زمن كان قراء الصحف فيه يقبلون علي قراءة الافتتاحيات قبل الأخبار) تدعو الحكومة الي التعقل، وعدم الاستخفاف بقدرات عبد الناصر، قائلة ان الغرب لا يستطيع استعمال القوة العسكرية وسيلة لضمان تدفق النفط. ووقع رئيس تحرير الغارديان، الشاب الجديد، قبل أن يتسلم منصبه رسمياً، مقالاً ضد انذار بريطانيا وفرنسا المشترك بالهجوم علي مصر، اذا لم تنسحب قواتها من منطقة القناة، رافضاً التهديدات بالحرب. وبينما كانت الافتتاحية تكتب كانت اسرائيل، الشريك السري في حينه في المشروع الانكلوـ فرنسي لمنع تأميم قناة السويس، تتقدم الهجوم علي مصر. وكان تاريخ الافتتاحية 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1956. خلال أيام من صدور هذه الافتتاحية، تلقي هثرينغتون أول اتصال عبر قنواته الخلفية من مراسله في واشنطن ماكس فريدمان، الذي كانت له صلات خاصة بوزير الخارجية الامريكي جون فوستر دالاس. وصعق رئيس التحرير بمحتوي الرسالة التي جاءته، وفيها أن دالاس قد تبلغ من سفيره في لندن، بأن الحكومة البريطانية تستعد لشن الحرب علي مصر. انطلاقاً من هــــــذه المعلومة بدأت الغارديان محاولة تغطية الاستعدادات السرية للحرب، وقد أدركت أن الولايات المتحدة لن تؤيد فكرة الهجوم علي مصر. وحاولت الغارديان التحايل في تغطيتها تجنباً للوقوع تحت طائلة القوانين البريطانية التي كانت ـ وما زالت الي اليوم ـ تمنع الصحافة البريطانية من نشر ما تعده الحكومة أسراراً عسكرية أو وطنية. وواصل المراسل النشط فريدمان من واشنطن كتابة الرسائل السرية الي رئيس تحريره، وأهمها رسالة في 10 آب (أغسطس) لخص فيها شعور دالاس مفادها: هناك استعدادات لعمل عسكري ضد مصر من بريطانيا وفرنسا، وانه (أي دالاس) يشعر بأنه من الصعب أخلاقياً الدفاع عن هذا العمل الذي لن يتفهمه العالم، والذي سيؤدي الي تحطيم الأمم المتحدة اذا تم التدخل المسلح… انها حالة خطرة جداً جداً حسب قول دالاس. الأوبزرفرلم يقف الي صف الغارديان في هجومها العنيف علي التدخل العسكري ضد مصر سوي الأوبزرفر. وكانت الأوبزرفر صحيفة أسبوعية تصدر صباح كل أحد، تمثل التيارات الليبيرالية في السياسة البريطانية والتوجهات الحرة في الثقافة والفنون، معادية للمحافظين ومتعاطفة مع شعوب المستعمرات. وكانت تمثل الوجه التقدمي لصحافة الأحد مقابل الوجه الآخر المحافظ لـ الصنداي تايمز. وكان صاحب الأوبزرفر ورئيس تحريرها دافيد أستور، ابن أول امرأة (ماري أستور) تدخل مجلس العموم البريطاني في الثلاثينيات، بعدما مُنحت النساء في بريطانيا حق الانتخاب والترشيح. وكانت الأوبزرفر مملوكة من شركة عائلية خاصة لآل أستور، قبل أن تباع لعدة جهات ثم تستقر اليوم كجزء من شركة الغارديان الجديدة، ووجهها المماثل يوم الأحد.

وانقسمت الصحافة البريطانية الي فريقين واضحين. فريق مع حكومة ايدن في استعمالها القوة لاستعادة القناة من عبد الناصر، وفريق ضد الحكومة وضد اشعال حرب من أجل القناة. علي رأس الفريق الأول كانت التايمز ومعها الاكسبرس و الميل و السكنتس و التلغراف و ايفنينغ نيوز و ايفنينغ ستاندرد و الصنداي تايمز و الصنداي اكسبرس. أما الفريق الثاني المعادي لحكومة ايدن، فكان الي جانب الغارديان و الأوبزرفر، مؤلفاً من الميرور العمالية، نيوز كرونيكل الليبيرالية مورنينغ ستار الشيوعية، بيبول الشعبوية. لكن المانشستر غارديان و الأوبزرفر وحدهما استمرتا في معارضة التدخل العسكري بلا هوادة طوال فترة الأزمة. وانضمت اليهما فيما بعد الايكونوميست، المجلة الأسبوعية الواسعة النفوذ والواسعة الانتشار اليوم في الولايات المتحدة، في أوضح موقف مباشر ضد الهجوم العسكري البريطاني علي مصر، في افتتاحية لها صدرت في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر.

وكان موقف الجريدتين الغارديان و الأوبزرفر المعاديتين لسياسة حكومة ايدن قد عرض الجريدتين لضغوط اقتصادية من أطراف عدة، أدت الي قطع عدد كبير من الاشتراكات ووقف الحملات الاعلانية فيهما، وعزوف عدد من القراء عن شراء الجريدتين. وأصبح الوضع المادي لكل منهما حرجاً، بالرغم من انضمام أعداد من القراء الجدد الذين لم يكونوا من زبائنهما.

كانت المفاجأة في الأوساط الصحافية، هي انقسام صحافة المحافظين، وأهمها مجلة سبكتاتور الأسبوعية المحافظة اليمينية، المنافسة لمجلة نيو ستيتسمان الأسبوعية العمالية اليسارية، التي كان يترأس تحريرها كينغسلي مارتن، أحد أشهر صحافيي انكلترا في ذلك الوقت. وكان أيان غيلمور، الذي أصبح وزيراً فيما بعد في حكومة مارغريت تاتشر، صاحب ورئيس تحرير سبكتاتور، قد سارع في أول عدد صدر من مطبوعته بعد الهجوم علي القناة، الي كتابة افتتاحية يدين فيها الاعتداء وينذر رئيس الوزراء أنطوني ايدن بأنه سيواجه اتهامات بالخداع لاعتداء جائر، اذا فشل الهجوم العسكري. وكان موقف غيلمور أول خروج عن الصف.

بعد موقف غيلمور في سبكتاتور، أخذ عدد من السياسيين والديبلوماسيين المحافظين من الصف الثاني يستقيلون من الوزارة ومن الخارجية اعتراضاً علي مخططات ايدن، بدءاً بوزيري الدولة أنتوني تاتينغ من الخارجية وادوارد بويل من المالية مروراً بسواهما من أعضاء السلك الديبلوماسي. واتضح أن موقف المحافظين لم يكن متماسكاً وخاصة كريستوفر سومز وزير دولة لشؤون الطيران، والأهم صهر السير ونستون تشرشل زعيم المحافظين ورئيس الحكومة السابق، الذي أبدي شكوكه في موقف ايدن ورفض دعوة عمه تشرشل الي تأييد ايدن علناً، علماً بأن تشرشل نفسه كان له اعتراضات علي خطة ايدن. وكان راندولف تشرشل، ابن ونستون، المعادي لايدن، من كتاب سبكتاتور.

وسط هذه الأجواء المرتبكة داخل المحافظين، الحزب الأكثر تشتتاً، تولي هارولد ماكميلان الحكم، فتحول من أحد الصقور الي كبير الحمائم، وبدأ عملية تصفية الامبراطورية البريطانية، التي قال عنها أيان غيلمور: ان ثورة العراق في تموز (يوليو) 1958 واغتيال الأسرة المالكة العراقية في بغداد كانا المؤشر الأكيد علي انسحاب بريطانيا النهائي من الامبراطورية. بعدها، وبسبب السويس، جرت عملية التسلم والتسليم بين بريطانيا والولايات المتحدة، لتتربع واشنطن علي عرش امبراطورية جديدة ورثتها، لم تعد لندن قادرة علي حملها.

وظل أيان غيلمور، طوال حياته الصحافية والسياسية، من المحافظين المعتدلين المحسوبين من أصدقاء الشرق الأوسط والمتفهمين لظروفه. التايمز وايدن والازمةمقابل الغارديان كانت التايمز التي أدت، بطريقتها الخاصة، دوراً أساسياً في أزمة السويس. فكان ايدن يجتمع باستمرار مع رئيس تحريرها السير وليم هايلي ويعطيه من المعلومات والأسرار ما لا يعرفه معظم وزرائه. وكان هايلي وجريدته يؤيدان في بداية الأزمة ايدن وسياسته في أزمة السويس، لكنه سرعان ما ابتعد عن ايدن، عندما لم يعد رئيس الحكومة البريطانية يتقبل أي موقف حيادي لا يدعم سياسته مباشرة. وتوقفت اجتماعات الرجلين. وابتعد هايلي عن ايدن، ولم تعد التايمز تعبر أو تدافع عن سياسة داونينغ ستريت ومواقفه، وعم الفتور بين الجهتين حتي سقوط ايدن، وكان هذا الفتور من التقاليد الجنتلمان بين الصحافة والسياسيين في تلك الأيام، من غير أن تنتقل العلاقة من حالة التأييد الي حالة العداء السافر.

وكانت افتتاحيات دافيد أستور في الأوبزرفر الأعنف والأقوي ضد الانذار البريطاني ـ الفرنسي المشترك لمصر، وضد العمل العسكري، حتي أصبحت مقالاته توزع في التظاهرات التي كانت تنظم في حينه ضد العدوان. في ذلك الوقت، كانت صفحات الغارديان و التايمز مسرحاً لنقاش مستفيض حول قانونية الموقف البريطاني وحججه في تأميم القناة، وحول شرعية التهديد العسكري بالتدخل. ولم يكن الرأي عام البريطاني قد شهد انقساماً بهذا الشكل منذ أيام أزمة ميونيخ في عام 1938 (التي أدت الي الحرب العالمية الثانية)، ولم يكتف المؤيديون لحكومة ايدن والتدخل البريطاني بالضغوط الاقتصادية علي الأوبزرفر و الغارديان، بل أخذوا يقاطعون مراسلي الجريدتين في الاجتماعات والندوات التي كانوا يعقدونها ليمنعوا تغطيتهما، ويتهمونهما بالخيانة لأنهما لا تؤيدان أولادنا بالكاكي ـ أي الجيش البريطاني.

وتصاعد العداء للجريدتين وازداد نفور القراء المحافظين منهما، واتُهمت الغارديان علناً بالخيانة و الأوبزرفر بالتجديف. وعلي الرغم من المقاطعة الاعلانية ارتفع قليلاً توزيع الجريدتين. لكن الضرر كان علي المدي البعيد قد وقع.

هنا حدثت ثلاثة أمور صحافية أدت دوراً مصيرياً في أزمة السويس:1 ـ ازاء تطور أحداث السويس يوماً بعد يوم، استعانت الأوبزرفر بدينغل فوت، المحامي والقانوني الضليع والنائب السابق عن حزب الأحرار في مجلس العموم (وشقيق مايكل فوت، زعيم حزب العمال في سنوات لاحقة والكاتب في صحيفة تريبيون اليسارية حينها، وأيضاً شقيق هيوفوت حاكم قبرص ومندوب بريطانيا باسم اللورد كارادون في الأمم المتحدة فيما بعد). وكانت افتتاحية دينغل فوت من أعنف ما كتب في ادانة احتيال سياسة حكومة ايدن وعدم شرعيتها وتواطؤها. وهاج نواب حزب المحافظين في مجلس العموم وماجوا، وأدانوا كاتبها واتهموا الجريدة وصاحبها بالخيانة. ودخلت هذه الافتتاحية، التي كانت سبباً في تقويض حكومة ايدن فيما بعد، تاريخ حكاية السويس.2 ـ كان لــ الغارديان مراسل في الشرق الأوسط اسمه جيمس موريس(ہہ) (اشتهر كثيراً فيما بعد) بعث من قبرص رسالة نشرتها الجريدة في صدر صفحتها الأولي في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) يؤكد فيها أن فرنسا، والطيارين الفرنسيين بالذات، أدت دوراً أساسياً في التواطؤ مع اسرائيل في الهجوم علي مصر. وروي موريس علي لسان الطيارين الفرنسيين الذين التقاهم في مطار القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص، كيف كانوا يهاجمون المصريين في سيناء وهم يطيرون فوق الأراضي الاسرائيلية ويرمون المؤن والذخائر للاسرائيليين فوق سيناء. ويقول موريس في رسالته لــ الغارديان ان الطيارين الفرنسيين هم الذين كانوا يقصفون بالنابالم، وبدقة متناهية، المركبات والآليات المصرية المحملة بالعتاد والجنود، والتي رآها تحترق في الصحراء. وعزا موريس انتصار اسرائيل في حرب سيناء الي دور الطيران الفرنسي.

لكن سرعان ما نفي وزير الدفاع الاسرائيلي الجنرال موشي ديان ما ذكره موريس، كما نفت وزارتا الدفاع والخارجية لكل من فرنسا واسرائيل هذه المعلومات. وكانت الغارديان أول من أشار علناً وبوضوح الي التواطؤ البريطاني ـ الفرنسي مع اسرائيل في الهجوم علي مصر. وقد نفاه ايدن ـ كاذباً ـ أمام مجلس العموم في 20 كانون الأول/ديسمبر بقوله: ليس هناك معرفة سابقة بأن اسرائيل ستهاجم مصر.3 ـ الأمر الثالث، والذي جاء نتيجة للفتور بين التايمز وايدن لوقوفها علي الحياد، أنها نشرت خبراً هز صدقية ايدن، مفاده أن رئيس الحكومة البريطاني حاول اقناع كل من الحكومتين الفرنسية والاسرائيلية باتلاف نسخ الاتفاق المكتوب معها والموقع في سيفر بباريس، وينص علي تواطؤ الثلاثة في العدوان علي مصر، وكيف رفضت كل من باريس وتل أبيب طلب لندن.

يروي أحد مؤرخي الصحافة البريطانية، أن لورنس سكوت، مدير ادارة المانشستر غارديان دخل علي هثرينغتون، رئيس التحرير، حاملاً أخباراً سيئة عن هبــــوط التوزيع وغياب الاعلان نتيجة لموقف الجريدة السياسي. وبعدما أعطي مدير الادارة الكثير من الأرقام عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في الجريدة، التفت الي رئيس التحرير وقال له: أتمني أن لا يؤثر هذا كله فيك، فتضطر الي تغيير سياسة الجريدة. رأيك يجب أن يبقي حراً لتبقي الجريدة مؤثرة وحرة، مهما كان الثمن. القراء يعودون والاعلان يعود. لكن الحرية ستفقدها الي الأبد اذا فرطت فيها! غدا:

أسرار التواطؤ بين بريطانيا وفرنسا واسرائيلهوامش( ہہ ) Suez 1956 -The First Story of the First Oil War – by Barry Turner – Hodder and Stoughton- London 2006.(ہہہ) جيمس موريس صحافي وكاتب انكليزي، كان مراسلاً لعدة صحف بريطانية، منها الغارديان و التايمز في الشرق الأوسط، خلال الخمسينيات والستينيات، وأمضي سنوات عدة في معظم البلدان العربيـــــة. له عـــــدة مؤلفات أهمها كتاب سوق سلوقيــــا الصادر في مطلع الستينيات عن العالم العربـــــي، وثلاثـــــية وداعاً للأبواق عن سقوط الأمبراطورية البريطـــــانية. تحـــول اثر عملية جراحية الي امرأة في السبعـــــينيات وغير اسمه من جيمس الي جان. وكان قبل ذلك متزوجاً وله أولاد. وألف عدداً من كتب الرحلات والتاريخ7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية