باكستان علي فوهة المدفع الامريكي
د. سعيد الشهابيباكستان علي فوهة المدفع الامريكيقبل سبعة اعوام (وعلي وجه التحديد في الساعات الاولي من يوم الاربعاء 8 اكتوبر 1999) ألقي الجنرال برويز مشرف الخطاب الاول بعد ساعات من سيطرة الجيش علي الحكم وإسقاط الحكومة المنتخبة برئاسة نواز شريف. خلال هذه الفترة تغيرت باكستان بشكل كبير، خصوصا بعد حوادث 11 سبتمبر 2001 التي وضعتها في الصف الامامي علي صعيد التطورات العسكرية في المنطقة. بعد الانقلاب العسكري أعلن مشرف انه سوف يعيد الممارسة الديمقراطية في غضون عامين، وبعد ثلاثة اعوام اجريت اول انتخابات برلمانية اتهم الجيش والاستخبارات العسكرية بالتلاعب بمجرياتها لضمان برلمان يساير سياسات الرئيس مشرف. وفي العام المقبل ستجري الانتخابات البرلمانية الثانية في عهد الجنرال الرئيس، ولكن الاجواء السياسية المحلية والاقليمية والدولية ذات الصلة بباكستان، اصبحت أكثر توترا، خصوصا مع تداخلها وصعوبة الفصل في ما بينها. وفيما يتطلع الزعماء السياسيون السابقون للسماح لهم بخوض تلك الانتخابات، ما يزال امرا صعبا التنبؤ باتجاه تفكير الرئيس وجنرالات الجيش. فرئيسة الوزراء السابقة، بي نظير بوتو، التي عادت مجددا للاضواء معربة عن رغبتها في العودة الي بلدها للمشاركة في الانتخابات، تتهم الرئيس بالعمل لمنعها ومنع نواز شريف من العودة بالاستمرار في اتهامهما بالفساد المالي والاداري. ويسود الاعتقاد بان غياب المنافسة القوية في الانتخابات المزمعة سوف يؤدي الي استمرار هيمنة الرئيس مشرف علي الاوضاع الداخلية، وبذلك تتلاشي فرص عودة الممارسة الديمقراطية بشكل صحيح. الواضح في خطاب معارضي مشرف من الزعماء السياسيين القدماء مثل بوتو وشريف التركيز علي ثلاث قضايا: اولاها ان استمرار هيمنة العسكر علي الشؤون السياسية في البلاد أمر لا يتناسب مع الديمقراطية، وان الحكم العسكري يجب ان ينتهي، وثانيها ان الارهاب اصبح اكثر انتشارا في باكستان، وان ما قيل عن استهداف الرئيس مشرف نفسه الاسبوع الماضي يؤكد عمق الظاهرة وخطرها علي أمن باكستان واستقرارها، وثالثها ضرورة التعاطي مع المدارس الدينية بسياسات أكثر جدية لاحتواء التطرف الديني الذي ينسب الي تلك المدارس.حتي الآن تبدو باكستان، الدولة النووية الوحيدة في العالم الاسلامي، بعيدة عن شبح الحرب، سواء الداخلية ام الخارجية، لعدد من الاسباب. اولها انها تعتبر من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في ما تسميه واشنطن الحرب ضد الارهاب ، وثانيا انها تمتلك جهاز استخبارات عسكرية قويا جدا، وثالثا، ان رئيسها، الجنرال العسكري، يمتلك قوة اتخاذ القرار السياسي او الامني لمنع تنامي اي تحد ضده، ورابعا انها تمتلك قوة عسكرية تقترب من معادلة القوة العسكرية الهندية خصوصا بعد امتلاكها السلاح النووي. ولكن هذه العوامل مجتمعة، هي نفسها التي تتضمن عوامل التوتر ايضا. فتحالفها مع الولايات المتحدة يوفر لها حماية من الغضب الامريكي علي الصعيد الخارجي، ولكنه يعرض نظام الرئيس برويز مشرف للاتهامات المتواصلة من قبل المجموعات الاسلامية، خصوصا المتطرفة منها، للانتقاد الشديد ويمثل مصدر تهديد للامن الداخلي. وجهاز استخباراتها العسكرية (آي اس ايه) المعروف بقوة ادائه وحرفيته، اصبح ايضا واحدا من عوامل تهديد الامن الداخلي نظرا لصلاحياته المفرطة وقدرته علي التحرك خارج اطر القرارات الرسمية للحكومة. اما استمرار الرئيس برويز مشرف في الحكم، بعد سبع سنوات من الحكم العسكري، فقد أصبح موضع انتقادات متواصلة لنظام الحكم الباكستاني، واصبحت الذاكرة تستعيد فترة حكم الجنرال ضياء الحق الذي قام بانقلاب عسكري ضد حكومة ذو الفقار علي بوتو في 1977 واستمر في الحكم حتي مقتله بتفجير طائرته في 1988. واذا كان ضياء الحق قد أمر بمحاكمة بوتو بتهم الفساد وأعدمه في 1979، فان مشرف لم يفعل ذلك بحق نواز شريف، بل خيره بين المكوث في السجن او الابعاد، فاختار الرحيل الي المملكة العربية السعودية في كانون الاول (ديسمبر) 2000. اما القوة العسكرية لباكستان فلها جانبان: فهي عامل ردع سواء للهند التي اتهمت الاستخبارات العسكرية الباكستانية بالضلوع في التفجير الذي حدث في تموز (يوليو) الماضي في قطار بمدنية بومباي وادي الي قتل ما يقرب المائتين من ركابه، وكذلك للمجموعات الارهابية الناشطة علي الحدود مع افغانستان، وهي عامل استثارة للدول المتحسسة من باكستان، خصوصا الولايات المتحدة. وفي سلم اولويات الاهتمام الدولي بهذا البلد المسلم، تحتل القضايا الامنية موقع الصدارة، فباكستان هي مولد حركة طالبان الافغانية التي نشأت بتشجيع من اجهزة الاستخبارات الباكستانية والامريكية، وهي التي وفرت المناخ المناسب لنشوء تنظيم القاعدة الذي يعتبر الآن العنوان الاوسع لظاهرة الارهاب في العالم. الغربيون يعتقدون ان ثمة ظروفا في باكستان كانت مناسبة لنشوء هذه الحركات، وبالتالي فان ما يسمي الحرب ضد الارهاب لن تحقق اهدافها ما لم يتم التصدي لهذه الظروف، وفي مقدمتها ما يسعي الغربيون للترويج له وهو ان المدارس الدينية في باكستان أصبحت مصدر تفريخ لهذه الظاهرة. المسؤولون الباكستانيون اصبحوا في السنوات الاخيرة قلقين جدا من هذه التهمة، فقاموا بعدد من الاجراءات لاحتوائها. ففي 2002 اوقفت تمويل 115 مدرسة دينية في البلاد بتهمة الترويج للتعصب الديني، وامرتها بالتوقف عن تلقي أي مساعدات خارجية أو من داخل البلاد. وتحت الضغوط الامريكية المتواصلة، أصدرت الحكومة الباكستانية قرارا بتسجيل كل المدارس الدينية بشكل رسمي لدي السلطات الحكومية. وفي الاسبوع الماضي قال افتاب احمد خان شير باو وزير الداخلية الباكستاني بانه تم تسجيل 95% مدرسة لدي السلطات الحكومية. وقال ان هناك 1200 مدرسة تلعب دورا بارزا في توفير التعليم والتدريس منوهاً بأن الهدف من إقدام الحكومة الباكستانية علي عملية التسجيل هو تنقية هذه المدارس من الأفكار الخاطئة التي تعتبر اللبنة الأساسية في عملية تفريخ عناصر غير سوية علي حد قوله. تجدر الإشارة إلي ان حوالي 1200 طالب من الطلاب الاجانب كانوا مسجلين في المدارس الباكستانية حيث تم ترحيل حوالي 500 ـ 600 طالب الي بلادهم وأن هذا القانون لم يطبق علي الطلاب الافغان. مع ذلك يمكن القول ان محاصرة المدارس الدينية بهذه الطريقة ليس هو الطريق الانجع لمواجهة ظاهرة التطرف والارهاب. والجنوح نحو العنف والتطرف له اسبابه التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. ففي باكستان، مثلا تنمو هذه الظواهر لأسباب عديدة لا تمثل المدارس الدينية الا جانبا واحدا منها. اما الجوانب الاخري فمرتبطة بنمط الحكم العسكري واساليبه، والاوضاع المعيشية الصعبة، وتحالفات الحكم مع الولايات المتحدة الامريكية. وبالتالي فمن غير المتوقع احتواء الظاهرة بتسجيل المدارس مثلا او قطع التمويل عن بعضها، خصوصا مع وجود مراكز تمويل في الدول الاخري قادرة علي توفير الدعم المالي. برغم الاجراءات الحكومية لتسجيل المدارس الدينية فمن المتوقع استمرار الضغوط الغربية علي باكستان. ويمكن القول ان امتلاك السلاح النووي هو العامل الأصعب في المعادلة السياسية بين باكستان والغرب. وليس مستبعدا ان تتحول هذه القضية في المستقبل غير البعيد الي قضية دولية، تستهدف القضاء علي المشروع النووي لدي هذا البلد المسلم. وتجدر الاشارة الي ان اسم القنبلة الاسلامية أصبح ملازما للمشروع النووي الباكستاني منذ اكثر من ثلاثين عاما عندما ظهر الي العلن وجود برنامج نووي لدي باكستان. بدأ البرنامج في إثر الحرب بينها وبين الهند في 1971 التي ادت الي انفصال بنغلاديش عنها. كان واضحا رجحان التوازن العسكري لصالح الهند. وزير الوقود والطاقة والثروة الطبيعية آنذاك لم يكن سوي ذو الفقار علي بوتو الذي عقد اجتماعا مع علماء الفيزياء والمهندسين في مدينة ملطان في كانون الثاني (يناير) من 1972. وبعد قيام الهند في 1974 باول تفجير نووي شعرت باكستان بضرورة الاسراع بتطوير مشروعها النووي. وفي العام التالي كان لعودة الدكتور عبد القدير خان من هولندا حيث كان يعمل في وحدة تخصيب اليورانيوم يورينكو اثره في دفع المشروع بخطي سريعة. ويعتبر خان وما حمله معه من تجربة، رائد المشروع النووي، خصوصا بعد ان أشرف علي بناء مفاعل كاهوتا وتزويده بالاجهزة وتشغيله في 1976. وبعد أقل من عشرة اعوام كانت باكستان قد استطاعت انتاج وقود نووي كاف لانتاج سلاح نووي، وقامت بأول اختبار نووي في 1987. من هنا تبدو اهمية عبد القدير خان الذي اعتقل لاحقا بتهمة نشر التكنولوجيا النووية لعدد من الدول الاسلامية ومنها ليبيا. وفي الاسبوع الماضي اعاد السفير الامريكي، رايان كروكر دعوته للحكومة الباكستانية للحصول علي معلومات اكثر حول انشطة خان السابقة، برغم انه مصاب حاليا بسرطان البروستات، واجريت له عملية مؤخرا بمستشفي آغا خان في كراتشي. ويبدو المشروع النووي الباكستاني مسألة معقدة جدا تفرض نفسها علي التحالفات والعلاقات الخارجية. فمن جهة تري إسلام آباد ان التقارب بين الهند و اسرائيل اصبح متطورا جدا، ويتوقع ان يوقع الطرفان قريبا صفقة صواريخ اسرائيلية للهند من نوع سبايدر السريعة الانطلاق. ومن جهة اخري أصبحت اسرائيل ثاني مصدر للاسلحة الهندية بعد روسيا، ويبلغ حجم صفقات السلاح السنوية اكثر من مليار دولار. باكستان تراقب هذا التقارب عن كثب، وتشعر بالقلق الشديد من احتمال تعرضها لعدوان هندي ـ اسرائيلي مشترك ضد منشآتها النووية. ويعتبر وجود القوات الامريكية في افغانستان عامل ردع لمثل هذا العدوان، ولكن باكستان تشعر بان عليها الاستعداد لما بعد رحيل تلك القــــوات. ويطــــرح بعض الغربيين علي باكستان فكرة تطوير علاقاتها مع اسرائيــــل لمعادلة التقارب الهندي الاسرائيلي. وقبل بضعة شهور تردد ان مسؤولين باكستانيين واسرائيليين بدأوا في التواصل تمهيدا لتطوير العلاقات. الترقب الذي تشعر به باكستان اذن متعدد المصادر. فهي تخشي من تنامي قوة المجموعات الارهابية التي تعمل علي اراضيها وخصوصا علي الحدود مع افغانستان. وهناك الآن ترويج لاحتمال استيلاء هذه المجموعات علي سلاح نووي او ما يسمي القنبلة الوسخة . وهي تخشي من عدوان يشنه التحالف الهندي – الاسرائيلي، خصوصا مع وجود اتجاهات في دلهي تسعي لخلق اجواء المواجهة والاصطدام مع باكستان، كما حدث مؤخرا عندما وجهت اصابع الاتهام لباكستان بالضلوع في تفجير قطار بومباي. وقد تدخلت الولايات المتحدة علنا مطالبة الهند بالكف عن توجيه تلك الاتهامات بدون ادلة قاطعة. ولكن ثمة خشية كبري من ان تصبح باكستان المسرح المقبل للحرب الامريكية. فاستمرار وجود المجموعات الارهابية في تلك المنطقة، ورفض باكستان الانفتاح علي اسرائيل ، وتحفظ باكستان علي مطالبة واشنطن اياها بتسليم عبد القدير خان وملفاته النووية، واستمرار التجارب النووية الباكستانية، وتصاعد المشاعر المعادية للولايات المتحدة في الاوساط الدينية لديها، كل تلك العوامل توفر ذريعة لتدخل من نوع ما من قبل الولايات المتحدة. وبرغم التصعيد الامريكي ضد ايران، فان هناك ضغوطا سرية علي باكستان للتعاون بشكل اكبر مع الولايات المتحدة. وقد كشف الرئيس مشرف في مذكراته التي صدرت مؤخرا ان الولايات المتحدة وجهت بعد يومين من حوادث 11 سبتمبر، علي لسان نائب وزير خارجيتها آنذاك، ريتشارد ارميتاج، انذارا لباكستان بانها ستتعرض للقصف حتي تعود الي العهد الحجري ان لم تتعاون في الحرب ضد الارهاب وفق الشروط الامريكية. باكستان اذن تعيش هواجس امنية وعسكرية غير قليلة، الامريكيون، في الوقت الحاضر، يطالبون بعدد من الامور: الملفات النووية لعبد القدير خان، وتجميد الانشطة النووية العسكرية، واقامة العلاقات مع اسرائيل، وفتح الحدود لهم بدون عوائق لتقصي تنظيم القاعدة وكلها من القضايا الحساسة لدي باكستان. وفي الاثناء تستعمل واشنطن ورقة الانتخابات البرلمانية المقبلة لممارسة المزيد من الضغط علي برويز مشرف، علي امل وصول عناصر اكثر اعتدالا الي البرلمان والحكومة. وفي الوقت الذي تصعد فيه واشنطن ضغوطها علي ايران حول مشروعها النووي السلمي، فانها تضع نصب اعينها المشروع النووي الباكستاني ايضا، فاذا فرغت من ايران، فستكون الارضية مهيأة لفتح الملف الباكستاني بشكل اوسع. 9