بعد اصدار روايتها الاولي امرأة الرسالة الكاتبة الفلسطينية رجاء بكرية: لماذا لا نعثر علي الأطفال النائمين تحت المساحات البيضاء؟

حجم الخط
0

فاطمة بطحيش وزياد خداش

رام الله (فلسطين) ـ “القدس العربي”: تشكل تجربة رجاء بكرية الروائية والقصصية ظاهرة مدينية غريبة علي مجتمع عربي فلسطيني ريفي، ما زال يبحث عن نفسه، المضطربة والمخنوقة، وسط صراعات العولمة والهوية والقيم.

تنحاز كتابة رجاء الي الحديث والملغز من الوساوس الداخلية والتناقضات التي تضيء طبيعتنا كبشر، والي المربك والمغبش من المشاعر الانسانية، وتقف بقوة الي جانب الجمال والعدالة، عبر لغة تقول بطريقة اخري ما يجب ان يقال.

تركت رجاء القرية منذ فترة طويلة، وكأنها قالت في سرها وهي تمضي الي حيفا الواسعة: سأذهب الي حيفا لأكتب الرواية، فسقف القرية لا يتسع لابطالها الطالعين من شغف بالحياة لا يهدأ ومن رنين اجراس ضخمة، هي اجراس اسئلة القرن الواحد والعشرين. في تجربتها الخاصة تحديدا في قصصها القصيرة التي هي نسيج وحدها، تذهب رجاء بكرية الي تفكيك فني مدهش لطبيعة العلاقات الملتبسة بين الرجل والمرأة، دون مرجعيات او آراء مسبقة او مخاوف انثوية او مركبات نفسية، امرأة الرسالة، رواية رجاء الجديدة التي صدرت قبل ايام عن الآداب في بيروت تجسد تماما هاجس رجاء الفني الذي لاحقها في كل ما كتبت وهو سبر غموض والتباس علاقة الرجل مع المرأة، وتفكيك الخيوط التي تغبش الكينونة الانثوية في صراعها العنيد والفاتن ضد الاقصاء والحذف الذكوري، في الرواية هناك مسار وطني ايضا تناقشه رجاء بلغة شعرية وسردية جنبا الي جنب مع المسار العاطفي الانساني. هنا في هذا الحوار نحن نحاول ان نتعرف علي عالمها: لديك لغة خاصة او قاموس خاص، وحين يلج القارئ اكواخ نصوصك يصاب بالحيرة، فلا شيء يدل ببساطة او سهولة علي ما يجب ان يدل عليه، ثمة ابواب تفضي الي ابواب، بعض القراء يفرون من الاكواخ ويذهبون الي اكواخ اخري كل شيء فيها سهل ومفهوم ومريح لمخيلتهم المطيعة، لكن البعض الاخر ممن دربوا علي اقتحام اللامفهوم ونطحه بالتأمل والصبر والتركيز يصرون علي البقاء، ما مدي استجابتك او عدمها لشروط اصحاب المخيلة المطيعة؟ أنت تتحدث من موقف ناقد ولذلك لا دخل لما أكتبه بما تقول.. النقد حر يقول ما يشاء وأصابعي تخربش ما تشاء. المسألة متعلقة بالتجربة. ودائما تأخذ التجربة فضولييها الي سهول خضراء واسعة كمروج بيسان وسهول مرج ابن عامر. لا أصدق أنها قد تسجنهم بتلك السهولة داخل أكواخ لا تطل منها نوافذ. تستطيع التجربة أن تكتب وتمحو. تضيف وتشطب من سجل الكاتب. تشتغل علي لاوعيه أولا لذلك أعتبرها سيدة الموقف حين يتم الحديث عن المراحل التي تمر بكتابته. أضف الي ذلك أن شخصيته تكون عرضة للتغيير. وغني عن القول أن التجربة تستطيع دائما أن تُغني روح الانسان وفكره. ألوان القراءات التي يختارها الكاتب لنفسه تعتبر جزءا من مسار هذه التجربة. والحقيقة أن المسألة ليست مسألة تمنع أو استجابة لأنني أعتبر أوراقي مروجا مفتوحة علي تهدجات الروح. رواية عواء ذاكرة مشروع لا يشبه ما كتبت حتي الآن، وفكرته تدمج بين مستويين، الواعي واللاواعي، وحوارهما المتطرف أحيانا في منطق تسليح المخيلة. برغم ذلك أعتبر هذه الرواية علامة فارقة في مشروعي الكتابي. كانت مشروع نزف للذاكرة، ولا يوجد أدق من هذا الوصف. شهران متواصلان من الكتابة ظل اللاوعي خلالهما يمد جسوره الي الوعي دون أن ينجح في ذلك تماما. لم تكن الصعوبة فقط في التواصل مع مضمون هذا العواء، ولكن صعوبة التركيبات اللغوية التي خلقت حاجزا آخر بيني وبين القراء اذا صح أن أتحدث عن تبدل جوهري في كتابتي فلا بد أن أعزو ذلك الي القصص القصيرة التي أنجزتها بعد عواء ذاكرة. كنت حينها قد بدأت أندمج بالمناخ الاجتماعي، وأغادر عزلتي وأنانيتي المطلقة في احتكار الكتابة واللون وحسب. هذا الحراك الاجتماعي ثم السياسي، مرونة تنقلاتي، واعترافي بوجود أماكن أخري غير الحجرات واستديوهات الفن منحتني قدرا أكبر من التلقائية والمرونة، وربما السهولة في انبات الكلمة بين السطور. هذه القصص ظهرت لاحقا ضمن المجموعة القصصية الصندوقة. لماذا الصندوقة؟ الصندوقة كي أثير حفيظة الرجال الذين لا يحبون تأنيث الكلمة. وسوف أضيف أن الصندوقة هي عنوان لقصة مثلت الأدب النسائي الفلسطيني في مارسيليا. ومن بعد هذا التمثيل أزهرت أقلام كثيرة لا علاقة لها بالنقد ولا بالأدب. لكنني أذكر أن قلمي بدأ يضحك وأصابعي أيضا وهي تكتب. ولذلك أعتقد أن هذه المجموعة عكست رؤية أكثر وضوحا وأكثر شمولية في التعامل مع الفكرة والحدث والصياغة الفنية. تجربة من نوع آخر، نوع من النصوص البرقية التي تلح عليك لتكتبها لحظة ظهورها والا فانها ستذوب وتختفي. من اين جاء النقد الذي انصفك او علي الاقل انتبه إليك؟ من خارج فلسطين؟ ام من داخلها؟ هنا في الداخل لم يكتب بداية أحد. ولم يتعاملوا مع ما أكتب بجدية، أو ربما وجد النقاد صعوبة في فهمه. وكان نقاد رام الله وغزة أول من كتب عن أعمالي. حين بدأت نصوصي باستفزازهم بدأوا يتعرضون لها، ولعل يوميات مهربة الي عينيه والتي كتبتها في سنوات الـ97 كانت بداية ذلك الاستفزاز. ماذا فعلت بك الكتابة؟ بعض الادباء ابعدتهم عن الناس، بعضهم انتحروا، اخرون جنوا، وهناك من اعتزل الكتابة نفسها وغاب في زحام الناس العاديين… بقدر ما تفعل لتلك الشراشف البيضاء تفعل لك. قد تفعل دون أن تنظر الي الخلف كي تلمح مخلفات شرهها بفتات الخبز الذي تقدمه لها. في مطلع حياتي الأدبية نذرت نفسي للكلمة وابتعدت عن الناس، أحببت فان جوخ ومونيه بوله وأردت أن أبقي مثلهما بعناوين مرسومة علي الأقمشة البيضاء. في اللون شأن الحبر كتبت علي حبال الهواء، ولذلك بكيت بسرعة علي ذوبان الحبر تحت مطر السماء. بعد ذلك صار اللون يكتبني بمثل ما أفعل للحبر. بدأت أنشر في مجلة اليوم السابع الصادرة في باريس في جيل 18 سنة، ولم يكن يعرفني أحد. كنت خجلة جدا، انتقائية جدا. بعيدة. ولم أفهم لغز عزلتي قبل أن تدق نافذتي تلك الفراشة، وتعلن أن شوارع البلدة القديمة تسأل عن النساء والرجال الذين أنفخ عليهم بين سطوري فيزدادون ألقا. هي من أخذني الي وادي النسناس ووادي الجمال. وهي أيضا من فك أسر شخوصي وأطلقها في امرأة الرسالة علي غاربها. حدثيني عن الفرشاة، هذه الاداة العجيبة التي تحمل الف لسان او الف رؤية، اشعر احيانا ان الفرشاة تمتد بخيوط خفية الي داخل روح الرسام وانها مجرد اداة تدار بنبضات الروح واشواقها هل ذلك صحيح؟ من المفروض للريشة أن تمتهنك خلسة. لكن ما يحدث اليوم أن من يرسمون يبذلون جهودا جبارة من أجل امتهان الفرشاة وهذا الأمر ألغي شرط تحقق الابداع اللوني لأن من يرسم الآن يباشر الفن ولا يبشر به. وحين تستولي المباشرة علي المشهد الفني تغيب التلقائية والعفوية. نحن في الداخل، وأقولها بتواضع، متورطون بأزمة تشكيل حادة تفوق أزمة الابداع الكتابي.. ذلك لأن الابداع الكتابي يرافقه النقد علي قلته، أما التشكيل الفني فلا يوجد من تخصص في توجيهه، أو ابداء ملاحظات بناءة عليه. وبالتالي فان كل من يسكب اللون علي القماش يسمونه تشكيليا. لذلك أعتقد أن ملف الفن التشكيلي أزمة مسكوت عنها. حين أنظر حولي لا أري خربشات الروح حاضرة، وهذا مؤشر خطير علي غياب الطفولة التي أعتبرها شرطا في تحقيق التميز والاختلاف. والغريب أننا لم نعد نتساءل كثيرا، لماذا لا نعثر علي الأطفال النائمين تحت المساحات البيضاء. هل يمكن ان يتوقف الرسام عن الرسم احتجاجا علي البيروقراطية مثلا في مؤسساتنا؟ انت متوقفة منذ فترة طويلة، وانا لا استطيع ان افهم ذلك، فالرسم ينبع من الروح وهو لا يخضع لقرارات او احتجاجات او بمعني اخر هو لا يرضي ابدا ان يكون اداة في معركة خارجية، هل وصلت فكرتي؟ أنا غير قادرة حاليا علي ملامسة اللون. الفوضي الحاصلة تدعوني للتوقف والتساؤل. لست قادرة علي العطاء بسبب الحالة الاجمالية. لا اشعر ان الظروف مواتية لاطلاق مشروع لوني جديد. أنا في غمرة بحث عن حالة شغف تأخذني الي اللون الأبيض. ولأن ذلك لا يحدث أمنح لوني للكلمة، وربما ليس من باب الصدفة أن مشروعي الحالي هو مشروع رواية وليس مشروع لوحة، امرأة الرسالة وليس امرأة القماشة! لمن تكتبين؟ ليس صادقا من يقول لك أنه يكتب للناس. الكتابة مشروع ذاتي لذلك فإن من يكتب يكتب لنفسه بالدرجة الأولي. يكتب كي يعلن عن فكرة وجوده في زمان ومكان ضمن حدث. بعد ذلك يضعه المكان في السطور الخلفية ويأخذ الزمان عنه دور البطولة. لو أنني لم أمتهن الكتابة لما فعلت أي شيء آخر. الكتابة ليست مجرد اعلان عن كينونة بالنسبة لي، انها خطة اقامة ضمن أطر متنازع عليها، لذلك فانك ستلاحظ حرصي علي دمج الصراع الواعي باللاواعي لخلق مستوي آخر للدراما الحسية. ان غياب الدراما في الكتابة يخلق الملل لدي القاريء ولا يخلق لديه محرضات للقراءة. انت متهمة بسهولة انفعالك لاي استفزاز نقدي واحيانا استغرب كيف ان كائنا قويا وعميقا مثلك ويعيش الكتابة حد الموت يمكن ان يتأثر بمواقف او آراء هنا وهناك. هذا الافتراض ليس صحيحا تماما. ومنذ بدأت الكتابة فهمت أن الالتفات لما يقوله الآخرون عني قد يلغي مشروعي. يميل البعض غالبا الي مسح كل ما هو جميل. وقد بدأت مشواري جميلة الروح والفكر والمخيلة. مرهفة الحس والعاطفة وهذا ما لم يفهمه كثر عني. ويجب أن أعترف لك أنني أردت أن أكون فوق النقد بجميله وسيئه، لأن معظم ما كتب عني مصدره الموروث الذي نتذكره جميعا عن اصطراع العادي بالنوعي، الذكوري بالأنثوي، المحدود بالمطلق. ولذلك لم أمتلك من الوقت ما يكفي كي أتساءل عن سر اضطراب رؤيتنا ورءانا اذا كنا نتحدث عن جميل ما نطلقه الي فضاءاتنا العابسة. ما نخربشه هو الأجمل في مشروع انكشافاتنا الخائفة. أصبحت اكثر انكشافا وحضورا علي حين غرة، ما الذي حدث؟ فجأة وجدت نفسي في لب العمل المسرحي. استهوتني الدراما وامتلكتني. وجدت نفسي مشغولة بمداخلات وانطباعات أسجلها ببطء أو علي عجل كي أسمع أصوات الآخرين من خلال صوتي. وأينما سافرت حاولت أن ألفت اهتمام المسؤولين الي النبض المسرحي الجديد الذي لدينا. من أين جاءت هذه الحاجة لا أعرف لكنني أتذكر جيدا أن أول سمينار جامعي أنجزته كان حول مسرحية. ويبدو أنني في مرحلة ما فكرت أن أحيل التماثيل الصامتة في بيتي الي شخوص مصطرعة كي أثير جدلا من نوع آخر حول ما يحدث لهويتنا. هل تفكرين بما ينتظرك من قراء وآراء قبل الكتابة؟ هل تتوقعين جمهورا معينا لنصوصك؟ جمهوري أنتَ وهو وهم وهن. كل الضمائر جمهور مفترض لأعمالي النقدية والابداعية والتشكيلية. وكما قلت لك من قبل لا أنتظر أحدا، لكنني أمتليء سعادة حين تأتي شخوصي كي تثير حفيظتي وتحرضني علي أو علي غيمة مرت سريعا فوق شرفتي، وسرقت حفنة من ضوء القمر. من هناك أبدأ نسج لغة مفترضة عن ومع الآخرين. الكتابة تجمع الغيبي والحقيقي معا وهي لذلك تستدعي مساحات عريضة من التأمل. في حالات كهذه ستعثر علي في مكان واحد علي شاطيء مديني أناور أضواء السفن الراسية وربما ألعب موج البحر بين كفي. تظل اقامتك القديمة والطويلة في حيفا مثار فضول لكثيرين، ما الذي اتي بك الي حيفا من القرية؟ اهو هرب من المساءات الضيقة ام هو بحث عن تجارب للحياة والكتابة. خروجي من القرية كان مشروعا مخططا له ومنذ جيل صغير. اقامتي في حيفا بدأت بعملية تعبئة. عملية استيعاب وتذويت لتجربتي من خلال الاخرين.. كنت أرصد الاشياء أكثر مما أحاورها. أكثر مما أُسمعها. يمكن القول اذن أن رجاء تكتب عن الاخر من منظار الرصد وليس المشاركة؟ من رصدي له بداية، أنا شريكة مفعلة لهذا الرصد. أعاين وأرصد ثم أحاور. فحتي تستطيع أن تكتب عن الشيء عليك أن تعاينه من زوايا مختلفة، ولعل ذلك مصدره مرجعياتي التشكيلية، ثم تلجأ الي تفنين مضامينه. التفنين المضموني الباطني والخارجي يتلاحمان معا لاخراج البعد الفني للعمل. رجاء التي اتهمت باقامتها في برج عاجي واقامت حاجزا بينها وبين الجمهور، هل اخطأت في حق أحد؟ اذا كنا سنتحدث عن خطأ فخطأها كان في حق نفسها. لكنها لم تجلس في برج عاجي بل ربما حيرة الناس بشأن قلة ظهورها صنعت حولها هالة من الشك والتساؤل وربما اسقاط الفرضيات. كنت ولا زلت أنانية جدا فيما يتعلق بخصوصياتي، حياتي الشخصية علي وجه الخصوص. لكن البرج العاجي بالمعني الذي تريدينه وأعني الترفع عن الآخرين والتنزه عن عالمهم لا أعتقد أنه وارد. يجوز أن أنفعل في كتاباتي، والنقدية خصوصا والانفعال هو نتيجة حتمية لفعل المشاركة. هاجسي اليوم هو الفكر المسرحي. أعتقد أن لي دورا هاما علي هذا الصعيد. درست الفن كي أجنده في مشروعي الكتابي، وليس لكي يدجنني. يجب أن أنجز علامة تليق بقدراتي علي خارطة الحضور الابداعي. ولا بد أن نتذكر دائما أن هناك حاجة لتأكيد حضورنا علي الساحة العربية. تظل هناك مشكلة استخدام العامية في الكتابة الروائية ما هو موقفك منها روائيا وثقافيا؟ استعمل اللغة العامية في كتاباتي وأقدمها كلغة فصيحة.. ولكن ما يجب أن نعرفه أن المجتمعات الأجنبية تولد مثقفة.. تثقف نفسها، لديها عملية تعلم في البيت وخارجه حتي في لغة التعامل اليومي بين الام وأولادها ثمة مكان لتطوير الثقافة الشخصية، ذلك لأن الشرط الاجتماعي والسياسي مختلف عندهم. ثم ان معظم الشعوب تكتب باللغة التي تتحدث بها. نحن شعب يكتب بلغة ويحكي بلغة اخري. ثم ان الخلفية الاجتماعية والسياسية مختلفة عندنا. هاجسنا بالدرجة الأولي سياسي. وحين نبدأ بتلقي ثقافتنا الأولية سوف تحذرنا أمهاتنا من الجندي الذي يظهر بجيبه الأخضر تسلحنا بالمراوغة. مراوغة سؤالاته واستفزازاته، فمشروع ثقافتنا الأولي هو مشروع بقاء وأعني تثقيفا عسكريا. ما هي الخطوط الحمراء التي لا تتجاوزها رجاء في ابداعاتها؟ لا توجد لدي خطوط حمراء. فأنت بمجرد أن تحدد خطوطا حمراء تهدد حريتك الداخلية، وتعدها بالتهاوي أو الانغلاق، وأنا أقاوم الاثنين معا. تردد علي لسانك ولأكثر من مرة أن اللغة تأتيك ولا تأتينها؟ هذه المقولة صحيحة الي حد بعيد. لا أستطيع أخذ اللغة عنوة وأقصد دون مشيئتها. اذا لم تسلم نفسها لا أفرض عليها حضوري. سيرورة الكتابة سرها الاغراء والاستدراج وليس الأخذ بقوة. ماذا تقصدين بقولك بان الكتابة متعة غير معرفة؟. لاننا لا نعرف كيف نحدد الموضع الذي تأتي منه هذه المتعة. حين تمتعنا الكتابة نشعر بالانتشاء، والانتشاء هو مفتاح لتحقيق الابداع. بما انك مهتمة بالحركة الفنية الثقافية، كيف ترين الحركة الفنية في المحيط الفلسطيني، هل ترين نهضة ما ام محاولة لنهوض ام بدايات نهوض؟ كما أشرت سابقا أطور الي جانب مشروعي الكتابي مشروعا آخر دراميا، وأعني مسرحيا. لكنه للآن غير واضح المعالم، وهو لا يزال في طور التجريب. وقد أشير هنا الي التجليات الدرامية عبر فن المونودراما. اليوم لدينا مهرجان المونودراما الذي يواصل أعماله منذ خمس سنوات. لكن هذا الزخم المونودرامي يثير بعض مخاوفي. يجب أن نكون أكثر انتقائية وأكثر مهنية في رسم الخطوط الفنية لهذا النوع من الأعمال. واعتبار المونودراما فنا سهلا يوقعنا في أزمة جديدة لأن ذلك قد يخرب كثيرا علي انجازاتنا السابقة. فالممثل هنا مطالب بتحريك العالم من حوله دون متدخل خارجي.. الأنا والهو والهم.. الزمان والمكان جزء من هذا العالم. وعليه أن يعطي مضمونا فكريا وحسيا بعيدا كي يبهر الخشبة التي تتحرك من تحته. المسرح فعل درامي بالدرجة الأولي ولا بأس من اعتبار المرحلة الراهنة مرحلة تجريبية. أما الأعمال الجماعية فلن أخوض فيها الآن لأنها تقريبا غائبة بسبب الميزانيات الشحيحة والتخطيط غير الجدي. ماذا عن النقد، هل لدينا نقاد مهنيون؟ هناك قلة من النقد.. ليس لدينا اكثر من ناقدين مهنيين ولا يكتبون عن كل شيء.. لأنهم لا يريدون الدخول في صراعات مع الشخصيات المنتجة للأعمال. وغياب النقد مهدد لثقافتنا الاجمالية. يجب أن نستعيد صحة ثقافتنا بحمل النقد علي العودة الي مشروعاتنا الثقافية والا ستهلكنا الفوضي وعدم الانضباط الفكري. يظل الكاتب او الفنان بعيدا عن القناعة والرضي، لكن هناك بعض الانجازات تبقي مصدرا لمتعة خاصة لنا، ما هو انجازك الاخير؟ تبني مشروع رسالتي وفي هذا الجيل من قبل دار الآداب.. ما قبل دار الآداب شيء وما بعدها شيء آخر. هذه الخطوة انجاز شخصي بحت، وأرجو أن تبقي العناية الالهية معي. أمامي مشاريع كثيرة تتحداني أكثر مما أتحداها، ويجب أن أكون جاهزة لها. پماذا يمكن ان تخبرينا عن روايتك الجديدة امرأة الرسالة؟ الرواية تعكس واقعا سياسيا مجحفا بالدرجة الأولي. وفي مركز هذا الحدث علاقة عشقية جارفة بين رجل وامرأة. هو مخرج مسرحي وهي باحثة في المسرح الفلسطيني. الأحداث موزعة ما بين عكا، يافا، حيفا، لندن والعراق.. علاقة الحب تتبدل، والحدث السياسي في الرواية مركزي ويحاول أن يرصد الواقع الفلسطيني داخل اسرائيل. في روايتي أتكلم عن وجعي الشخصي وواقعي الفلسطيني.. للمرة الاولي أجد نفسي شريكة في رسم هوية حسية فكرية لانتمائي القومي وصراعاتي الوجودية كما لم أفعل في أعمالي السابقة. اتحدث بتلقائية وأعرض هواجس شخصياتي بعيدا عن لغط السياسيين وأكاذيبهم. أحاول أن أجعل من همي السياسي هما وجوديا وأقدمه للعالم من زوايا جديدة لم يفكر بها ربما. رجاء عبرت عن نفسها بالريشة والقلم.. ماذا عن الصوت؟ نعم.. هذا تجل آخر لشخصيتي.. تجربة جديدة ومختلفة واندفعت اليها بحماسة شديدة، والحماس أسقط من اعتباراتي أموراً كثيرة ليس أقلها المقابل المادي لعملي المكثف. ولذلك، ربما، لم أنتبه للأضواء الحمراء التي حاصرتني في كل مكان أذهب اليه.

والكلام هنا عن تجربتي كمذيعة في اذاعة الشمس سنة 04. هذه السنة تعتبر أشد سنوات حياتي ألما. لأنها تجربة مرة وصعبة أحسست أنني أنحت فيها داخل صخر لا يلين. الملاحقة والرقابة المستمرة خنقاني، فلم أفكر مرتين قدمت استقالتي وخرجت. ويجب أن أسجل هنا أنني برغم عدم توفري علي تجربة سابقة في هذا المضمار، الا أنني دهشت من عمق المساحة التي اكتشفتها لصوتي. اذن يمكن أن نجمل أنه في الرسم لديك اللون، في الكتابة غرائبية الصياغات، ومع الميكرفون لديك لقاء مع الصوت؟ صحيح.. كان فيه سحر خاص، طريقة تجنيد الصوت في عرض المواد والمواضيع، اكتشفت توفري علي مساحات صوتية جميلة في القاء الشعر. لن أناورك، هناك سحر للصوت. يوجد تلاحم حسي بين مساحة صوتية قائمة وأخري متخيلة. لكنك بحاجة لمن يجيد تقدير هذا التلاحم دون أن يصبح شريكا في الملحمة. ما هي مخططاتك المسقبلية؟ أفكر بمشروع اقامة خارج حدود البلاد، ولست متأكدة من التفاصيل. لا تزال في طور الاختبار. لا ليس هروبا… انما بحث عن مساحات أشد اتساعا، فقد أعطي مادة جديدة. تلك المساحة لم تعد تتسع لي ويجب أن أجري تلميعا نوعيا علي حضوري وانجازي!. لا يوجد نهاية أو مكان تستطيع ان تقف عليه وتقول هذا هو المكان الاخير. نحن في بحث مستمر كي نعثر علي مادة جديدة لوجودنا. أنا أعتقد أن هناك أماكن كثيرة خسرت ثروتي الفكرية والحسية علي السواء، لكنني، دون شك، ربحت نفسي.. استرددت عنفواني. ولعل امرأة الرسالة هذه ستشكل الفضاء الجديد الذي سيكتب بعض أيامي القادمة. من خيباتي وأوجاعي ربحت ذاتي، ولم تعد تهمني المساحات التي ستحترق بعدي!!! هذا المنطق تعلمته هناك!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية