كرنفال : نبوءة كامب ديفيد وجريمة السادات السياسية!

حجم الخط
0

أشاد بعبد الناصر وهاجم المشروع الصهيوني

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: في مطلع السبعينات ازداد اهتمام المخرج أحمد فؤاد درويش بمجموعة أفلام الفرعونيات التي كان قد بدأها بفيلم تي، ودفعه نجاحه للاستمرار في هذه النوعية من الأفلام الوثائقية المهمة عن الحضارة الفرعونية فأنتج فيلم الماشطة عن فنون التجميل وتصفيف الشعر عند نساء الفراعنة، ثم بدأ في أوائل عام 72 بالتعاون مع الكاتب الصحفي الراحل محمد سيد أحمد وميشيل كامل مدير تحرير مجلة الطليعة سابقا والدكتور علي الدين هلال الباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام ووزير الشباب السابق في الإعداد لفيلم جديد يعتبر من أهم أفلام التحليل السياسي في تاريخ السينما الوثائقية فيلم كرنفال الذي جمع له المادة العلمية والتاريخية المتصلة بقضايا العنف والعنصرية والأطماع التوسعية في منطقة الشرق الأوسط والشرق الأقصي وأفريقيا الدكتور علي الدين هلال، وقد أسهم سيناريو الفيلم اسهاما كبيرا في تكثيف الجرعة السياسية للأحداث وأعطاها بعدا دراميا وسينمائيا عميقا، حيث جمع بين الوثائقية والروائية هو يناقش الأطماع الصهيونية والأمريكية بالتحليل ويجسد في 45 دقيقة مئتي عام بين هاتين الدولتين والشعوب المضطهدة من قبلهم في الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا وفيتنام التي ظل الاحتلال الأمريكي جاثما علي صدرها لسنوات طويلة.

اتخذ الفيلم اسرائيل محورا أساسيا في خلق الصراعات وتفشي العنصرية واثارة القلق المرير وكشف النقاب عن أساليبها الملتوية لتحقيق أطماعها ورغبتها الدنيئة في فناء الشعوب لتبني لنفسها عرشا من الجماجم والأشلاء!

بدأ التفكير في عمل هذا الفيلم في تموز (يوليو) 72 ومن عام 73 وحتي عام 74 كان فريق العمل قد انتهي تماما من كل الخطوات التحضيرية لفيلم السلام علي الطريقة الاسرائيلية وهو الاسم الأول للفيلم الذي تحول فيما بعد الي كرنفال نظرا لما كان يطرأ علي الساحة السياسية من صراعات وألاعيب أشبه بالكرنفال.

تبدأ الأحداث بأصابع تقرع الطبول وموسيقي صاخبة وشباب وفتيات يرقصون في نشوة وغيبوبة وهم في حالة سكر وترنح يشي بالمعني المراد، حيث الاشارة الي نذر الدمار ودق طبول الحرب تبدو واضحة في المشهد العبثي لهؤلاء الذين تحمل وجوههم الغابرة وملامحهم الشرسة ثقافة العدوان والانحلال، فيما تظهر في الخلفية صور لغولدا مائير، وموشيه ديان وعدد من قيادات الجيش الصهيوني ورموز الدولة العبرية اللقيطة يخططون ويرسمون مستقبل دولتهم المزعومة وهم ملتفون حول الموائد المستديرة في مؤتمرات التجسس والتآمر المعهودة بينما يعرض الفيلم صورا أرشيفية للزعيم جمال عبدالناصر وهو يتجول بالدول العربية رافعا لواء الوحدة والتضامن، ثم ينتقل بنا المخرج أحمد فؤاد درويش عبر نقطة أخري الي الجبهة العسكرية لنري استعدادات القوات المسلحة المصرية وتدريبات الجنود وآيات من الفداء والتألق لضباط الصاعقة وهم يتمرسون علي وسائل الحرب والأسلحة المتقدمة، غير أن جزءا كبيرا من الأحداث انصب علي الخلفيات التاريخية للصراع العربي ـ الصهيوني بأداء من حرب 48 وقضية الأسلحة الفاسدة وخيانة الملك والسرايا وتواطئهم مع الانكليز في شريط سريع من ذكريات مؤلمة احتشدت بها رأس المخرج فعمد أن يلقي عليها الضوء ويخرجها من دائرة النسيان كما تظل مشاعر الجماهير معبأة ضد العدو الصهيوني بالثأر القديم الذي لا يموت ولا يفتر ولو عقدت ألف اتفاقية ومليون مؤتمر سلام، وهذا بالضبط ما أزعج الرئيس السادات حينئذ، اذ كان يرتب لزيارة القدس المشؤومة ويجري اتصالات مكثفة مع قيادات الكيان الصهيوني عبر وسطاء وعملاء يتمتعون بثقة اليهود والصهاينة علي حد سواء، وكان من بينهم شخصية فنية مرموقة مصرية الجنسية يهودية الهوي كلفها زعيم كامب ديفيد أثناء مقابلة ثنائية في باريس بالاتصال بأصدقائه من السياسيين اليهود والاتفاق معهم علي حسن استقباله في الزيارة المرتبة حتي لا تحبط المهمة ويوضع الرئيس المؤمن في حرج أمام شعبه، هكذا كان التوسل مكشوفا ومهيناً، لكن السادات قد تغاضي عن كل هذه الاعتبارات وكلف النجم السينمائي الكبير بمهمة الاستجداء الصعبة، ويذكر أنه أعطاه أرقام تليفوناته الخاصة برئاسة الجمهورية ولكن النجم لم يحتجها لأنه فوجئ بأرقام رئاسة الجمهورية السرية جدا، بما فيها التليفون المباشر لرئيس الجمهورية نفسه في أجندة مناحم بيغن رئيس الوزراء الأسبق للكيان الصهيوني ومن ثم تم توفير الوقت والجهد علي الوسيط. ووقف الاثنان، بيغن والنجم المصري اليهودي العالمي علي الخطوط العريضة للاتفاق وأرسلت برقية للسادات بالموافقة علي الزيارة فأطلق بعد ذلك علي هذا الفنان لقب مهندس كامب ديفيد.

ولأن فيلم كرنفال فضح العنصرية الصهيونية والممارسات التوسعية لجنرالات الحرب قبل أن تبدأ خطوات الهرولة نحو التفاوض والاستسلام فان السادات قد جن جنونه بعد أن شاهد الفيلم الذي رفعته له الرقابة لحسم اشكالية الموافقة أو الرفض التي تصادف عادة مثل هذه الأفلام السياسية، وعلي الفور أمر بمصادرة الفيلم نهائيا واعدام النسخة الأصلية، ولولا أن المخرج أحمد فؤاد درويش كان يمتلك نسخة أخري باعتباره المخرج والمنتج في آن لكان كرنفال اليوم في خبر كان، وعلي هذا ظل الفيلم الوثائقي المهم مصادرا محروما من امتيازات العرض والمشاركة في أي من المهرجانات المحلية والدولية الي أن جاءت اللحظة الموعود وزلزلت الأرض من تحت أقدام السادات وسقط صريعا في الحادث التاريخي وبدأت بشائر مرحلة جديدة خرج فيها الفيلم الي النور ولكن بعد أن سبق السيف العذل وبات الفيلم مجرد تحصيل حاصل فقد شهدت المنطقة صراعات أكثر ضراوة بيننا وبين الكيان الصهيوني تستوجب التوثيق في عشرات الأفلام ومئات الكرنفالات، بيد أن الحياة السياسية كلها صارت كرنفالا كبيرا!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية