مأزق كردستان العراق: مغامرة صغري داخل المغامرة الكبري

حجم الخط
0

مأزق كردستان العراق: مغامرة صغري داخل المغامرة الكبري

صبحي حديديمأزق كردستان العراق: مغامرة صغري داخل المغامرة الكبريوقائع التاريخ، الراهنة منها والحديثة والقديمة، تسمح بالقول إنّ تاريخ الأكراد يقوم علي سرديتين متكرّرتين، متكاملتين علي نحو ما جدلي، رغم تناقضهما في الشكل والمحتوي. من جانب أوّل، ثمة وقائع السردية التي تروي موجات متعاقبة من الاضطهاد الإثني والسياسي والثقافي، علي يد أمم صغري وأمم كبري، إقليمية وكونية؛ وثمة، من جانب ثانٍ، وقائع سردية الخيانة ذات الطابع المزدوج: أولي علي يد الحلفاء أو الأصدقاء، أو ما صنّفهم الأكراد ـ عن خطأ أو حسن نيّة أو أمل كاذب ـ في عداد الحليف والصديق؛ وخيانة ثانية ذاتية اقترفتها قيادات سياسية كردية علي مرّ تاريخ الأكراد، الحديث منه خصوصاً، إمّا بسبب تحليلات خرقاء تنتهي إلي نتائج كارثية، أو بسبب صراعات طاحنة داخلية بين مختلف القوي والأحزاب الكردية.ومن واجب المتفق مع هذا الرأي أن يتذكّر أنّ أولي الخيانات الكبري وقعت سنة 1918 حين نصّت مباديء الرئيس الأمريكي وودرو ولسون علي حقّ تقرير المصير لكلّ الأقليات غير التركية في ظلّ الدولة العثمانية، ثم حين أقرّت اتفاقية سيفر لعام 1920 علي إقامة دولة كردية، لكي تأتي اتفاقية لوزان، بعد ثلاثة أعوام فقط، فتوزّع المناطق التي يعيش فيها الأكراد علي تركيا وإيران والعراق وسورية والإتحاد السوفييتي. علي المراقب ذاته أن يتذكر أنّ أحدث الخيانات جاءت كذلك من رئيس أمريكي، هو جورج بوش الأب، الذي حثّ الأكراد علي التمرّد ضدّ نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ثمّ تخلي عنهم، وتركهم فريسة لقاذفات الدكتاتور ومدفعيته الثقيلة. وكما يحدث في كلّ مرّة، هام الأكراد علي وجوههم في العراء المفتوح، ولسان حالهم يردد من جديد تلك الحكمة العتيقة التي حفظوها عن أجدادهم: لا صديق للكرديّ إلا الجبال! واليوم تبدو بعض القيادات الكردية وكأنها تواصل اقتراف المزيد من الأخطاء القاتلة، وبالتالي المزيد من خيانة آمال الجماهير الكردية، ضمن ضغوطات يومية ناجمة عن ثلاث مفارقات كبري لا تضع تلك القيادات في مأزق حرج مفتوح فحسب، بل تهدد أيضاً معظم المكتسبات السياسية والاقتصادية والمدنية والثقافية التي نالها أكراد العراق طيلة العقود السابقة، وفي إطار الحكم الذاتي بصفة خاصة.المفارقة الأولي أنّ توحيد المناطق الكردية، الذي تمّ للمرّة الأولي في أيار (مايو) الماضي بعد أن كانت منقسمة في الولاء بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني و الإتحاد الوطني الكردستاني التابع لرئيس جمهورية العراق الحالي جلال طالباني، ظلّ توحيداً شكلياً بصفة عامة وتتعثر كثيراً جهود تفعيله علي الأرض وفي سياقات الحياة اليومية. وهكذا فإنّ المحاصصة في الوزارات (حيث يبلغ عدد أعضاء الحكومة المحلية 42 وزيراً من اصل 111 نائباً في البرلمان!)، وفي المناصب العسكرية الأساسية في قوّات الـ بشمركة ، ورئاسة المؤسسات الكبري في الإدارة المحلية، فإنها ما تزال تعكس انقسامات الماضي، بل لعلها تهدد بالمزيد من الإنقسامات الجديدة.المفارقة الثانية أنّ جميع الموارد المالية اللازمة لتسيير الإدارة الذاتية، وكذلك الصرف علي مختلف أوجه إنفاق الدولة والبرلمان والجيش، تأتي من خزينة الحزبين الرئيسيين مباشرة، خصوصاً بعد أن انقطعت تماماً الأموال الوفيرة التي كانت تأتي من عائدات بيع النفط العراقي بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء ، وكذلك إيرادات تهريب النفط عبر الحدود مع تركيا. وهذه الحال الشاذة، أي قيام الحزبين الرئيسيين بالصرف علي السلطة التشريعية والتنفيذية في آن معاً، تجعل مؤسسات الحكم الذاتي مجرد واجهة بيروقراطية وديكور ديمقراطي، كما تحيلها إلي رهينة تابعة للأجهزة الحزبية صاحبة القرار الفعلي. والأمر يصبح أكثر خطورة إذا تذكرنا أنّ الأكراد في شمال العراق يسيطرون علي مساحة تبلغ 83 ألف كلم مربع، أي ما يقارب مساحة النمسا، تتضمن كامل الحدود الشمالية للعراق مع سورية وتركيا وإيران. والقوّات العسكرية الكردية، ورغم تسليحها الخفيف، تشكل جيشاً حقيقياً مدرّباً يبلغ تعداده نحو 65 ألف عسكري تحت إمرة البرزاني، ومثل هذا العدد تقريباً تحت إمرة جلال الطالباني.المفارقة الثالثة أنّ بعض الأجهزة في السلطة الكردية أخذت تميل أكثر فأكثر إلي الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات العامة وقهر الرأي الآخر، علي نحو يذكّر المواطنين الأكراد بأسوأ ممارسات الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس العراقي المخلوع. يُضاف إلي هذا ما يتردد علي نطاق واسع، وفي أوساط الأكراد أنفسهم قبل الآخرين، عن شيوع الفساد داخل مختلف أجهزة الحكم الذاتي، بحماية مباشرة وتشجيع صريح من القيادات السياسية للحزبين الرئيسيين. وغني عن القول إنّ هذه الظاهرات تلحق بالشعب الكردي أذي مزدوجاً، في الداخل علي صعيد عرقلة تطوير الحكم المحلّي والمساعي الديمقراطية الوليدة، وفي الخارج من حيث إضعاف هذه التجربة في أعين العالم. وقد كان مدهشاً بالفعل أنّ آلاف المواطنين الأكراد في بلدة حلبجة، هذه التي يُحاكم صدّام حسين اليوم بتهمة قصفها بالأسلحة الكيماوية سنة 1988، تعرّضوا لتنكيل شديد من السلطات الكردية لمجرّد خروجهم في تظاهرة سلمية احتجاجاً علي الفساد وسوء الإدارة وانحطاط الخدمات. وفي ميدان الحرّيات العامة، ولكن في جانب ثقافي وإنساني بالغ الحساسية، ثمة تقارير مقلقة تذهب إلي درجة الحديث عن مظاهر قمع بعض اللهجات الكردية، لصالح اللهجة الطاغية في كردستان العراق، أي السورانية.ومؤخراً وجّه عدد كبير من الكتّاب والمثقفين والصحافيين الأكراد، بينهم نسبة طاغية من أكراد سورية، نداء إلي مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، يحثونه فيه علي وضع حدّ لمحاولات إيقاف تعليم وتدريس اللهجة الكرمانجية (التي، مع ذلك، تعتبر لغة غالبية عظمي من الأكراد، قد تبلغ 70%!). وجاء في النداء: إننا نعتبر ذلك خطوة خطيرة الي الوراء، وستلحق ضرراً بالغاً بالتواصل اللغوي والثقافي الكردي ـ الكردي، كما أنها ستكون سبباً لتعميق التشرذم الكردي وازدياد الحواجز بين أبناء الشعب الواحد الموزع بين أربع دول .غير أنّ أسوأ خطأ تنجرف إليه القيادات الكردية الراهنة هو اقتناعها، ثمّ اشتغالها علي أساس، أنّ دولة كردية مستقلة يمكن أن تقوم بفعل الأمر الواقع وحده، دونما حاجة إلي اتفاق إقليمي، أو إجماع وطني عراقي، أو حتي توافق كردي ـ كردي. وبسبب رسوخ هذه المقاربة تحديداً، جري مؤخراً إنزال العلم الوطني العراقي ورفع العلم الكردي بدلاً عنه، وكأنّ فرض هذا الإجراء الشكلي يصنع السيادة بالضرورة وبصفة آلية، أو يجبر العالم علي الاعتراف باستقلال كردستان عن طريق استقلال العلم أوّلاً! صحيح أنّ من حقّ الأكراد أن يرفعوا، وفي مناطق الحكم الذاتي أساساً، العلم الذي اختاروه لكردستان المستقبل؛ ولكن ليس من الصحيح، بل هو ليس نتيجة ميكانيكية أيضاً، أن يكون إنزال العلم العراقي المتفق عليه حالياً (أياً كان الموقف منه، بالطبع) هو عتبة استقلال كردستان.ومن الواقعيّ التذكير بأنّ التوافق علي استقلال كردستان ليس متوفراً بالحدّ الذي يكفي لفرض أيّ أمر واقع، كما يدلّ مثال مدينة كركوك التي تُعتبر أورشليم الأكراد ، لأنهم استوطنوها منذ آلاف السنين، وشهدت الكثير من فصول تاريخهم القديم والوسيط والحديث، وهي بالتالي العاصمة الحتمية لأية دولة كردية مستقلة قادمة. ثمة، في المقابل، أسباب اقتصادية وجيهة تجعل الأكراد يطالبون بالمدينة، إذْ أنّ المنطقة هي أقدم وأغزر مواقع استخراج النفط العراقي، واحتياطيها يبلغ 10 مليارات برميل علي الأقل. لكنّ كركوك اليوم واقعة تحت السيطرة المركزية العراقية، ولن تسلّمها بغداد إلي الأكراد بسهولة إذا شاؤوا ضمّها إلي كردستان، إنْ لم يكن من أجل موقعها وطابعها الديمغرافي المختلط، فعلي الأقلّ بسبب ثرواتها النفطية الهائلة. وكركوك قد تشكل نزاعاً مستقبلياً مع تركيا أيضاً، حيث لن تقاوم الجارة القوية إغراء النفط وهي التي تملك ذريعة قوية للتدخّل، أي حماية الـ 350 ألف مواطن تركماني يعودون في أصولهم إلي الأرومة التركية ذاتها، بل ويعتبرون كركوك عاصمتهم التاريخية أيضاً!ويبقي الخطأ القاتل متمثلاً في أنّ القيادات الكردية، وبينما لا تكترث أبداً بتأمين الاتفاق الإقليمي والدولي، والإجماع العراقي أو التوافق الكردي ـ الكردي علي قيام كردستان، فإنها في الآن ذاته تجعل من قوي كبري خارجية ـ الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل أساساً ـ بمثابة قابلة وحيدة في يدها وحدها أسرار استيلاد الدولة الكردية الأولي، بل وضمان منعتها وقوّتها أيضاً! الجانب الثاني في الخطأ ذاته هو أنّ الأكراد جرّبوا هذه القابلة في الماضي، فلم ينلهم منها إلا الولادات القيصرية التي كانت تنتهي دائماً إلي موت الجنين، أو بالأحري وأده في الرحم!وفي هذه الأيام بالذات، يبدو حزب العمال الكردستاني، الـ PKK، وكأنه يوشك علي دفع أثمان باهظة إضافية لقاء التواطؤ الأمريكي ـ التركي القديم/الجديد حول المسألة الكردية عموماً، وحقوق أكراد تركيا ومطامحهم بصفة خاصة. وإذْ يقرأ المرء تصريحات الجنرال المتقاعد جوزيف رالستون (الذي يتولي اليوم مهمة عجيبة اسمها الموفد الأمريكي الخاصّ لمجابهة الـ PKK !)، بصدد رفضه التفاوض مع أية جهة تمتّ بصلة إلي هذه المنظمة الإرهابية علي حدّ تعبيره، فإنّ من الصعب علي المرء ذاته أن يبرّئ بعض القيادات الكردية العراقية من مسؤولية التواطؤ إياه، إنْ لم يكن جرّاء المشاركة اللوجستية فعلي الأقلّ بسبب التزام الصمت المطبق.ولقد أعلن الرجل، بصريح العبارة وفي مؤتمر صحافي علني، أنه التقي بعدد من كبار المسؤولين الأكراد وأوضح لهم بجلاء أنّ واشنطن لن تقبل بتحويل الاراضي العراقية إلي ملجأ آمن لإرهابيي الـ PKK ، لأنّ وجود هؤلاء في شمال العراق لا يمكن ان يكون في مصلحة العراق، خصوصاً وأنّ تركيا هي أفضل صديق يمكن أن يكسبه العراق في الجوار، والمصالح الإقتصادية بين تركيا والعراق حاسمة تماماً للبلدين علي حدّ سواء . ولقد كان مدهشاً أن يستخدم الجنرال المتقاعد، والعضو السابق في رئاسة أركان الجيش الأمريكي، عبارة الملجأ الآمن بالمعني السلبي القدحي، متناسياً أنّ هذه هي التسمية التي أطلقها جورج بوش الأب علي شمال العراق، بوصفه… ملجأ الأكراد الآمن!وفي كتاب صدر مؤخراً بعنوان نهاية العراق: كيف خلق العجز الأمريكي حرباً بلا نهاية ، يروي الأمريكي بيتر و. غالبريث أنّ الحاكم الأمريكي السابق للعراق بول بريمر، وحين زار مكتب مسعود البرزاني للمرّة الأولي ورأي صورة والده الملا مصطفي البرزاني معلّقة علي الحائط، سأله: مَن هذا؟ وغالبريث يُعدّ الناطق غير الرسمي باسم أكراد العراق في الكونغرس لأنه تسلل ذات يوم إلي داخل العراق دون إذن، وعاد يحمل الكثير من الوثائق حول قصف حلبجا بالأسلحة الكيماوية، قدّمها إلي لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، التي كان سكرتيرها. وهو يسوق حكاية بريمر لكي يذكّر الأكراد بأنّ تجاربهم المريرة مع الغرب لم تنطو فصولها بعد، والقادم قد يكون أشدّ خطورة من الماضي.وإذا كان غزو العراق مغامرة عسكرية طائشة بالمقاييس العسكرية الصرفة، فإنه بالمعني السياسي انقلب إلي كارثة مفتوحة علي عواقب وخيمة بلا نهاية. وتخبّط القيادات الكردية هو المغامرة الصغري داخل المغامرة الكبري، إذا لم يكن أسوأ بكثير!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية